مرسوم رقم 86-22 مؤرخ في 30 جمادى الاولى عام 1406 الموافق 9 فبراير سنة 1986 يتعلق بنشر الميثاق الوطنى الموافق عليه في استفتاء 16 يناير سنة 1986 في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. 145 ص
المادة الأولى
فتح المادةينشر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الميثاق الوطني الموافق عليه في استفتاء 16 يناير سنة 1986.
المادة 2
فتح المادةينشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
حرر بالجزائر في 30 جمادى الاولى عام 1406 الموافق 9 فبراير سنة 1986.
الشاذلي بن جديد 146 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادي الثانية عام 1406 ه بسم الله الرحمن الرحيم الميثا و الوطني تمهيد ان المبادىء التي نصت عليها مواثيق الثورة الجزائرية ونصوصها منذ أول نوفمبر الى المؤتمر | الخامس لحزب جبهة التحرير الوطني، لاسيما الميثاق الوطني في صياغة 1976 ، مستلهمة من تاريخ الجزائر وحضارتها ومن الكفاح العريق الذي خاضه الشعب الجزائري عبر مراحل تطوره منذ فجر التاريخ.
ويشكل تاريخ الجزائر، منذ العهود القديمة حتى الآن، حلقات يتصل بعضها ببعض اتصالا يكشف عن عدد من الثوابت أصبحت هى المقومات الاساسية للشخصية الوطنية الجزائرية، وهى ثوابت تفسر مسار هذا التاريخ وتساعد على فهم اطواره.
لقد عرف الشعب الجزائرى فى تاريخه الطويل فترات مجد وازدهار واستقرار وانتاج فكري وحضاري كما مر بظروف عصيبة خاض فيها حروبا ضارية وكفاحا مريرا ضد محاولات الغزو الاستعماري والاحتلال الاجنبي والمد الصليبي. ومن خلال تلك المعارك أكد الشعب الجزائري تعلقه الشديد بالحرية والاستقلال واستعداده للدفاع عن وطنه وسيادته، والذود عن كرامته .
وفي هذا الصدد تمثل ثورة نوفمبر العظيمة لحظة رائعة من لحظات هذا التاريخ، ونبتة كريمة تغذت بروح الاسلام وتطورت ضمن مفاهيمه للعدالة والتحرر والتقدم واستفادت من ابداعات العصر في الوقت نفسه، ومن هنا كان لها ذلك الصدى الواسع الذي أحدثته في العالم، وذلك النجاح الذي ما يزال مثار اعتزاز، ومضرب مثل، ونموذج تحرر.
ان تحرك الشعب الجزائرى عبر هذه الثورة قد حقق انتصارا من أعظم الانتصارات بفضل ما بذله من تضحيات جسام، وما أبداه من تصميم واستبسال، وما كان له من تنظيم محكم قائم على ايمان صادق ورؤية واضحة، ساعد على تأمينهما الاعداد السياسي والنفسي والفكري الذي مهد لاول نوفمبر 1954 وجعل الشعب يتحد معنويا من خلال كفاحه واصراره على أن الاسلام دينه والعربية لغته والجزائر وطنه. تلك هي العوامل الاساسية التي جعلت استرجاع الاستقلال أمرا ممكنا.
لقد رأى الشعب بمجموعه في نداء أول نوفمبر، الوسيلة الفعالة لوضع حد نهائي لعهد الاحتلال والعبودية والقهر والاذلال، ووجد فيه الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 147 الاسلوب الناجع لتحرير الوطن وتحقيق الاهداف التي أجمع عليها في مسيرته التاريخية الطويلة، فهب بكامله، والتف حول جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني، وخاض معركة ضارية خرج منها في نهاية المطاف منتصرا، وذلك بالرغم من الوسائل الجهنمية التي استخدمتها الدولة المستعمرة بمساعدة قوى الحلف الاطلسي.
كل ذلك جعل أول نوفمبر أكبر من تحرك مسلح، بل ثورة لتاريخ، وانبعاثا لشخصية، واحياء لثقافة، وتأكيدا لقيم الدين الاسلامي الحنيف.
ان مدى تحرك الشعب الجزائرى ومدلولاته في اطار ثورة أول نوفمبر، هي التي تفسر عمق التحولات الاجتماعية التي تحققت على امتداد سبع سنوات ونصف وأفضت الى بلورة عدد من المباديء والاهداف الاقتصادية والاجتماعية، أكدت ضرورة تجسيم عدالة اجتماعية حقيقية.
وهذا ما تحقق تدريجيا، رغم الكثير من الصعوبات. فقد توالت الخطوات العملية التي تستجيب لمطامح الجماهير، ابتداء من استرجاع الثروات المنجمية، وتأميم شركات التأمين والبنوك، والتحكم في التجارة الخارجية، واسترجاع الثروات الطاقية الى أخر التدابير التي استخلصتها ونظرتها صياغة 1976 للميثاق | الوطني.
على أن المنجزات العديدة التي تحققت في اطار مسعى التحرر الكامل وتوزيع ثمار التنمية، اعتمادا على النهج الاشتراكى، لم تخل من نقص شأن كل عمل بشرى.
ولقد نص الميثاق الوطنى فى صياغة 1976 على «أن المؤتمر يستطيع تعميق مفاهيمه وتوجيهاته، كما يستطيع أن يدخل عليه التسويات والتصليحات الضرورية على ضوء ما يمليه تطور الثورة في جميع الميادين».
لهذا عمدت القيادة السياسية المنبثقة من المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني الى تقديم التصحيحات المطلوبة في اطار المبادىء التي أكدها الميثاق الوطني.
وهكذا تمت على امتداد سنوات سبع دراسة أهم المشاكل التي نجمت عن تطبيق المبادىء التي تحددت والمشاريع التي خططت أو تلك التي تولدت عن التفاوت بين ما أنجز من أهداف اقتصادية واجتماعية وما تحقق من أهداف ثقافية. فقد تم بحث الملف الثقافي وسياسات التعليم والتكوين، وقضايا الزراعة والرى، والشباب ومسائل التصنيع، والتمويل، وسياسة تنظيم الاسرة، والتهيئة العمرانية، وكل ما يتصل بالتنمية من قريب أو بعيد.
ولا شك ان أهمية النتائج التي ترتبت على دراسة كبريات القضايا والمشاريع، والتدابير التي اتخذت لتطبيقها، قد أصبحت تشكل تجربة عملية تصلح أن تستخرج منها خلاصة نظرية ينبغي أن تضاف الى الحصيلة التي تضمنها الميثاق الوطني الذي تمت صياغته منذ عشر سنوات.
ومن هنا بدت ضرورة اثراء الميثاق الوطني باعتباره تتويجا لمجهودات، واستخلاصا للعبرة مما تحقق من منجزات، وبوصفه نتيجة للتحليل الموضوعي للواقع الوطني الجديد، وللحرص على تجسيد التطابق بين ما يطمح الشعب الى تحقيقه من أهداف، وما يتوفر لديه من امكانيات.
فعملية اثراء الميثاق الوطني تنطلق اذن من الحرص على تدارك جوانب النقص التي لوحظت في صياغة 1976، كما تعتمد على ترسيخ المكاسب التي تحققت خلال العشرية الماضية، وعلى ضرورة مواجهة الاعراض المرضية التي نتجت عن جدلية التطور، من جهة، والتي ترتبط، من جهة أخرى، بمخلفات الاستلاب الثقافي والتخلف الفكرى.
كما تؤكد هذه العملية التمسك بالثوابت وتراجع المتغيرات. وقد تمت في اطار الحرص على تأمين بعدين أساسيين لابد منهما لكل 148 الجريدة الرسمية للجمهورية حركة تريد أن تصل الى مداها دون انحراف ولا | جمود، وهما بعد الاستمرارية وبعد التجديد | والابداع.
وتلك هى السنة التي اعتمدتها الثورة الجزائرية منذ اندلاعها حتى الآن، كما يتبين ذلك من استعراض نصوصها الاساسية، بدءا يبيان أول نوفمبر، الى ميثاق الصومام، الى برنامج طرابلس الى ميثاق الجزائر الى بيان 19 جوان 1965 الى الميثاق الوطني في صياغته الاولى ان استقراء تاريخ الجزائر قريبه وبعيدة، واستعراض المراحل التي قطعتها الثورة الجزائرية منذ اندلاعها حتى الآن، يجدان خيوط تواصل ينتظم فيها الشعب الجزائرى ويبينان انسجاما في العمق لا تستطيع العوارض السطحية والمشاكل الطارئة ان تحجبه عن الدارس المتمعن والمناضل المسؤول.
لكن الاستمرارية يهددها خطر الجمود والدوغماتية، ان هي لم تتعزز بالسهر على تأمين بعد التجديد والابداع. وهو النهج الذي اعتمدته القيادة السياسية فى عملية الاثراء، ايمانا منها بأن تحقيق الانسجام بين الاستمرارية والتجديد شرط ضرورى لكى تواصل الثورة الجزائرية رسالتها التاريخية، وتتمكن من مجابهة التحديات التي تطرحها السنوات القادمة.
الأسس التاريخية للمجتمع الجزائري :
التاريخ أحد العناصر الاساسية للشخصية الوطنية وسجل وحدة الامة.
وان أهمية التواصل التاريخي في مسيرة الشعب الجزائري عبر الازمنة لهي التي دفعت القاعدة الشعبية خلال مناقشات جماهيرية واسعة شملت كامل أرجاء الوطن الى المطالبة بالتركيز على الجانب التاريخى فى الصياغة الجديدة للميثاق الوطني حتى تتمكن الاجيال القادمة من معرفة | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ثوابتها التاريخية فتتبنى، عن بيئة من أمرها، تاريخها كله .
لهذا يتعين الاهتمام بمجموع هذا التاريخ منذ بدايته الأولى الى غاية هذا اليوم لتستطيع الأمة استجلاء مراحل تكون شخصيتها التي عرفت منذ القدم بالغيرة على الحرية ومناهضة محاولات الغزو الأجنبى والتوسع الامبريالي. ولم يكن من محض الصدفة أن يطلق سكان البلاد على أنفسهم تسمية الامازيغ، أى الاحرار، منذ أن دخلت هذه المنطقة ضوء التاريخ.
ولقد تحددت الملامح الاساسية للجزائر تدريجيا متأثرة بمحيطها الجغرافي وبالمجال الفكرى الذي ساد افريقيا والمشرق وحوض البحر الأبيض المتوسط، حيث تفاعل سكان الجزائر منذ عصور ما قبل التاريخ، مع الاحداث في هذه المناطق تأثرا وتأثيرا، كما تدل على ذلك رسوم التاسيلي وبقايا الانماط المعيشية القديمة، ومختلف المعتقدات التي كانت سائدة في المنطقة. وكانت هناك هجرات بشرية وروافد ثقافية من المشرق وبعض مناطق افريقيا الى بلدان الشمال الافريقي ومن الشمال الافريقى الى المشرق وبعض المناطق الافريقية الاخرى.
ان توجه الثورة الجزائرية في هذه المرحلة من تطورها لاعداد حلول عقلانية لمشاكل الساعة وقضايا المستقبل وتمكين الاجيال القادمة من القدرة على مواجهتها يفرض العناية بالتاريخ الوطني، القريب منه والبعيد.
ذلك ان الدراسة المتمعنة لمجموع هذا التاريخ هي التي تمكن أجيال اليوم والغد من تبين مواطن العظمة والقوة وفهم عواملها، وتسمح لها في الوقت نفسه بأن تلمس مواطن الضعف وعوامل الهزيمة وأسباب التقهقر.
وان تتبع الاطوار المختلفة التي مر بها الشعب الجزائرى لضرورى لتبين ذلك التسلسل التاريخي المترابط الحلقات الذي أفضى الى ثورة نوفمبر 1954 وما تولد عنها من تحولات ايجابية جذرية.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 149
1 - الدولة النوميدية :
يمتد تاريخ الجزائر على حقب تضرب جذورها العريقة في أزمنة موغلة في القدم. وقد عرفت الجزائر عند بدايات دخولها في العصور التاريخية مثل غيرها من بلدان العالم عدة امارات استندت - الى التنظيم القبلى. لكن التعلق بالحرية، والدفاع عن الارض، وما يترتب على ذلك من مقاومة المتوسط، تخشاها قرطاجنة، وتخطب روما ودها وتعتز بعض الامارات اليونانية بالتحالف معها، نظرا الى مساهمتها في تأمين مسالك التجارة العالمية.
وقد عبر ماصينيصا عن غيرته على استقلال الدولة النوميدية وعزمه على تعبئة الشعب لمواجهة الاطماع الاجنبية من خلال الشعار الذي رفعه وهو «افريقيا للافارقة». فكان أول صوت يرتفع للسيطرة الأجنبية، كل ذلك ما لبث ان شكل الاعلان حق الافارقة دون غيرهم في تسيير شؤونهم، مجموعة مثل دفعت في اتجاه توحيد القيادة، ومهدت الطريق لقيام دولة منظمة.
وكان ظهور دولة منظمة في نوميديا منذ عصر ماصينيصا وصيفاقس تتويجا لمحاولات سابقة ما فتئت تبحث عن السبيل الامثل لتحرير الارض وتنظيم المجتمع، وبناء قوة ذاتية كفيلة بردع الاطماع الاجنبية، كما كانت استخلاصا جيدا لتجارب المواجهة الساخنة للاطماع الخارجية، من جهة، والمعاناة المزمنة للامراض السياسية والآفات الاجتماعية الداخلية، من جهة أخرى.
وفعلا فقد خاضت نوميديا معركة بنائها كدولة على عدة واجهات، وخاصة في عهد ماصينيصا الذي سخر الوسائل السياسية والعسكرية، والدبلوماسية من أجل تحقيق الوحدة الوطنية، وبنى جيشا بريا قويا وأسطولا بحريا للتمكن من صد محاولات | الاحتلال وتأمين مسالك التجارة الخارجية، كما عمل في الوقت نفسه على حمل السكان الرحل على الاستقرار عن طريق تعليمهم وتعويدهم الزراعة وفنياتها، وعمد الى تطوير شبكات الرى، مما أدى الى ازدهار اقتصادي كبير.
ولم يهمل ماصينيصا البعد الثقافي في بناء الدولة، بل سعى الى الاستفادة من روافد الثقافتين البونيقية واليونانية من أجل توظيفها في تطوير حضارة وطنية لا تقتصر على نظم الادارة ووسائل التسيير.
وما لبثت دولة نوميديا، نتيجة لذلك، ان أصبحت لها سمعة خارجية ذات شأن. فقد فرضت وجودها كقوة مهيبة في حوض البحر الابيض وفى أن يكونوا أسيادا فوق أرضهم.
وهكذا كان قيام الدولة النوميدية منذ ذلك العهد القديم دليلا ملموسا على ما يمكن أن يحققه الشعب من انتصارات على العدو الخارجي وعلى الذات، كلما صح العزم، واتضحت الرؤية وتوحدت القيادة، وكان السلاح الاساسي قبل كل شيء وبعد كل شيء هو الاعتماد على النفس، وتسخير الامكانيات الذاتية وتهيئة طرق استثمارها.
وقد استمرت دولة نوميديا قائمة الى عهد يوغرطا، لكن توسع الامبراطورية الرومانية واندحار قرطاجنة أغريا روما بأن تتسلط على نوميديا ، يقينا منها بأن استمرار الدولة النوميدية قوية مستقلة يعنى عرقلة خططها التوسعية في أراضي شمال افريقيا، التي كانت تريدها خزانا يؤمن احتياجاتها الغذائية، ويشكل عمقا استراتيجيا لها.
2 - المقاومة المسلحة :
الا ان نقاط الضعف الداخلية، والتنافس على السلطة، وانعدام عقيدة موحدة، كل ذلك كان خير حليف للعدو الخارجي الذي استطاع، بعد فترات استقرار معتبرة أن ينخر تدريجيا هذه الدولة بتجزئة الارض وتفتيت السيادة، تمهيدا للقضاء الكلى عليها.
وقد تصدى الشعب بقيادة يوغرطا لهذه المحاولة مدافعا عن تراث أسلافه، فسعى الى صيانة وحدة الدولة، وحرص على رفع وصاية روما عن نوميديا، وتأمين استقلال دولتها. 150 الجريدة الرسمية للجمهورية ان استمرار تلك المقاومة سنوات طويلة في مواجهة أكبر دولة فى ذلك العهد يدل على التفاف | الشعب حول يوغرطا وعلى تجاوبه مع الاهداف | التي أعلنها في اطار الحفاظ على مقومات الدولة | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وقد وجد سكان جزيرة المغرب» في الاسلام دعوة دينية وفكرية وسياسية، واجتماعية تختلف عما عرفوه في الماضى من دعوات، لذلك أقبلوا عليه اقبالا منقطع النظير، كما يدل على ذلك اختفاء وعلى استقلالية قرارها. كل المعتقدات الاخرى اختفاء كليا، في أجل قصير.
فقد تواصلت المعركة ضد الوجود الروماني حتى القرن الرابع الميلادى عبر عدد من الثورات الشعبية بقيادة تاقفاريناس ومن جاءوا بعده، وتحولت الجزائر، على امتداد الاحتلال الروماني، الى ميادين ملتهبة، مما يدل على ان قيم الصمود والنضال من أجل التحرر واستعمال الامكانيات المتاحة ضد المحتلين ظلت حية في ضمير الشعب على من تلك الحقب. 3 الصمود الثقافي والثورة الاجتماعية :
على أن المقاومة ضد الوجود الاجنبى لم تكن عسكرية فقط، بل اتخذت أيضا طابع صمود ثقافي ومواجهة عقائدية. ذلك أن نوميديا كانت قد تعاملت مع ثقافات الشرق الادنى وحوض البحر الابيض المتوسط وافريقيا. وعندما أراد الاستعمار الروماني أن يعتمد على قوة الكنيسة لتأييد سلطته، وظف النوميديون ثقافتهم في مقاومة الاستعمار الروماني على صعيد الفكر والمعتقد الى جانب المقاومة العسكرية. وهكذا ظهر المذهب الدوناتي الذي تقبله السكان لانه كان يقاوم الكنيسة المسيحية التي كانت تخدم سلطان روما.
ولم يكد يحل القرن الرابع حتى عرفت وقد كان ذلك من بين العوامل الاساسية التي أدت الى تمازج العناصر الاسلامية وخاصة العربية منها مع سكان نوميديا تمازجا سهله تقارب الانماط الاجتماعية، وتشابه التنظيمات القبلية، زيادة على تبادل التأثيرات والهجرات فى العصور السابقة للاسلام والانتماء الى مجال حضاري مشترك.
وهكذا تضافر عاملان أساسيان : يسر التعاليم الاسلامية وجاذبيتها، من جهة، وتشابه الانماط الاجتماعية، من جهة أخرى، على تحقيق اندماج حضارى اذ تولدت عن ذلك كله تركيبة بشرية منسجمة، متماسكة دينيا وثقافيا واجتماعيا، وسياسيا، تكون وحدة كاملة.
فقد كان دخول الاسلام الى المنطقة واقبال أبنائها عليه بالاضافة الى الترابط العضوى بين الاسلام واللغة العربية بصفتها لغة القرآن، بداية عهد جديد أدخل تغييرا حاسما على المنطقة، وصهر بنياتها الاجتماعية والاقتصادية، والثقافية في بوتقة الحضارة العربية الاسلامية.
وبذلك أصبح مجموع سكان الجزائر يشكلون مجتمعا جديدا اكتملت مقومات شخصيته في ظل الجزائر ثورة ذات بعد اجتماعي واضح قام حضارة الاسلام واستأنفت الجزائر، ضمن المغرب بها العمال الزراعيون ضد المعمرين الرومان والاقطاعيين المحليين الذين ترومنوا.
وقد كان التحام المقاومة العسكرية بالثورة الاجتماعية والمقاومة العقائدية تعبيرا واضحا عن تجسيد دعوة التحرر مع مطلب مواجهة الاستغلال ومحاربة التسلط بقوة المال.
ه - ظهور الاسلام :
كان ظهور الاسلام ثورة شاملة انسانية المسعى عالمية المبادىء، عربية اللسان.
العربي الاسلامى مسيرتها الحضارية التي كانت قد توقفت بسبب التسلط الروماني.
وما لبث الاسلام، مع الثقافة العربية ومفاهيم الحضارة الجديدة، أن أصبح هو المرجع والاساس لظهور القيم الجديدة التي يقوم عليها اذكاء المشاعر والتأثير فى الجماهير، وصنع البطولات.
ومن هنا أصبح عقبة بن نافع، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد أبطالا يعتز بهم المجتمع الجديد، ويردد ذكرهم، ضمن قائمة الابطال الذين تولوا نشر الاسلام في هذه الديار.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 151 واذا كانت الجزائر قد عرفت محاولات لاقامة | حكم محلى كان ايذانا بانتهاء عهد الحكم المركزى، الذي كانت بلدان المغرب العربي تابعة بمقتضاه العاصمة الخلافة الاسلامية بالمشرق، حكما وادارة وتوجيها، فهي لم تشذ في ذلك عن غيرها من البلاد الاسلامية، لاسيما أن كل تلك المحاولات، سواء | كانت بالمشرق أو المغرب أو الاندلس، قد تمت في اطار التمسك بمبادىء الاسلام وتعاليمه وأحكامه، ولم تكن انتفاضة عليه أو انحرافا عن عقيدته .
ذلك أن الجزائر أصبحت بحكم النظام العالمي الجديد الذي أحدثته ثورة الاسلام، جزءا لا يتجزأ من العالم الاسلامى المترامي الاطراف.
ولذلك ما لبثت أن دخلت حلبة الصراعات التي كانت قائمة بين المذاهب الاسلامية. -5 الدولة الرستمية :
كانت الدولة الرستمية أول دولة فى العهد الاسلامي بالجزائر سجلت قيام حكم وطني منفصل اداريا عن الحكم المركزي الاسلامي.
وما لبثت عاصمتها تيهرت أن عرفت ازدهارا | اقتصاديا معتبرا تجاوزت أهميته حدود الدولة.
وكانت سيطرة تيهرت على ما سمى بطريق الذهب الوارد من افريقيا فى اتجاه البحر الابيض المتوسط عاملا أساسيا في تحقيق ذلك الازدهار بأبعاده الثقافية والعمرانية، كما كان تسامح الدولة الرستمية فى تعاملها مع المذاهب الاخرى سببا في جذب الكفاءات والخبرات لهذه الدولة. 6-6 الدولة الزيرية - الحمادية :
وفي هذا الاطار أيضا، ظهر حكم بنى زيرى في المغرب الاوسط، وحكم بنى باديس في المغرب الادنى.
وقد عرفت الدولة التي أسسها بنو زيرى باسم الدولة الزيرية، وكانت عاصمتها الاولى آشير، ثم القيروان. وفي عهد بني حماد كانت العاصمة الاولى قلعة بني حماد، التي كانت تستمد | أهميتها من موقعها المتحكم في طريق تجاري هام يربط بين الصحراء الجزائرية والبلدان الافريقية التي تقع جنوبها والساحل الذي كانت له علاقات تجارية مع أوروبا. ولذلك أسست الدولة الحمادية مدينة الناصرية أو بجاية على انقاض صلداى الفينيقية فجاءت امتدادا للقلعة على البحر، ثم أصبحت عاصمة للدولة فيما بعد. وقد عرفت الدولة الحمادية ازدهارا اقتصاديا وثقافيا وتطورا عمرانيا كبيرا ظهر في انتعاش عدة مدن وتطورها مثل بسكرة وسطيف ومليانة والمدية ومدينة الجزائر. 7 الموحدون وبناء المغرب العربي :
تعاقبت دول مختلفة على بلدان المغرب العربي بعد أن انفصلت اداريا عن الدولة المركزية، لكنها اتحدت في عهد الدولة الموحدية، التي اقترن نجاحها بعبقرية المهدى بن تومرت الفكرية وعبقرية عبد المؤمن بن على السياسية وخبرته العسكرية.
وقد قامت هذه الدولة على انقاض الدولة الزيرية الحمادية في الجزائر، والزيرية - الباديسية فى تونس والمرابطية في المغرب الاقصى واستطاعت أن تحقق وحدة المغرب العربي للمرة الاولى في تاريخه الطويل، فدانت لها جميع جهات المنطقة شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.
و بذلك أصبح المغرب العربي كله موحدا سياسيا، بعد ان كانت وحدته قاصرة على الجوانب الثقافية والدينية والى حد ما على الجانب الاقتصادي.
وقد ساعد تحقيق هذه الوحدة على تنشيط العمران وازدهار الاقتصاد، كما أدى الى تطور ثقافي وعلمى منقطع النظير. ومن خلال ذلك ساهم المغرب العربي بعطاءات حضارية معتبرة في هذا العهد يمثلها بروز عدد من رجالات العلم والأدب والدين.
و يؤكد أهمية دور الدولة الموحدية في المجال الفكرى وعطائها الحضاري بروز فلاسفة كانت لهم 152 الجريدة الرسمية للجمهورية شهرة عالمية مثل ابن رشد، وابن طفيل، وابن | باجة، وغيرهم.
وقد أصبحت الدولة الموحدية أهم قوة سياسية في حوض البحر الابيض المتوسط، وهذا ما جعل صلاح الدين الأيوبى يطلب عام 586 ه (1190 م) من رئيسها يعقوب المنصور أن يساعده بقطع طريق سوريا على الجيوش الصليبية.
لكن الضعف الذى دب، بعد ذلك في الدولة الموحدية أدى الى قيام عدة دول كانت كل منها تسعى الى توحيد المغرب العربي تحت رايتها، وهي : المرينية في المغرب، والزيانية في الجزائر، والحفصية في تونس. 8-8 الدولة الزيانية :
وقد كانت الدولة الزيانية التي اتخذت تلمسان عاصمة لها هي أهم قوة سياسية وحضارية في الجزائر، بعد انهيار الحكم الموحدى، حققت في بداية انشائها ازدهارا اقتصاديا كبيرا، شهد به المؤرخون المسلمون والغربيون على السواء.
والجدير بالذكر أن الصراع السياسي بين الدول التي قامت على انقاض الدولة الموحدية لم يحل دون استمرار الوحدة الثقافية للمنطقة، كما يؤكد ذلك بروز شخصية ابن خلدون وفكره الذي يعكس الوحدة الثقافية للعالم العربي - الاسلامي.
كما تجدر الاشارة الى أن الازدهار الثقافى والانتعاش الاقتصادى في تلك الدول كانا مرتبطين الى حد كبير بمشاركة الريف الجزائرى فى الحياة الاقتصادية والثقافية للبلاد. فقد كانت المسالك التجارية المتعددة تربط بين عواصم الحضر والمراكز الريفية عبر شبكات تؤمن التبادل التجارى وتنقل الافكار على نطاق واسع.
و الدولة الجزائرية في العهد العثماني :
تسبب الجمود الفكري وتوقف الاجتهاد في انحسار حضاري عم جميع انحاء العالم الاسلامى ولم تشذ بلدان المغرب العربي عن التأثر بنتائج الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه هذا الانحسار، فتدهورت أوضاعها السياسية وتكاثر عدد الطامعين في الحكم.
وزاد في تعقيد الوضع سقوط غرناطة الذي كان ايذانا بانطلاق موجة صليبية جديدة في اتجاه المغرب الاسلامى الذي أدركت أوروبا المسيحية أهميته في الكيان الاستراتيجي والجغرافي السياسي للاسلام. وهكذا وجدت الجزائر نفسها
- فى موقع الصدارة، وأصبحت في طليعة الاهداف التوسعية المسيحية.
ولم يكن من محض الصدفة أن تتمكن اسبانيا بعد مرور ثلاثة عشر عاما على سقوط غرناطة من الاستيلاء على المرسى الكبير، ثم وهران واستهداف عدد من الموانى الجزائرية ليس للاحتلال فقط، لكن بهدف تنصير السكان أيضاء كما جاء في بيانات المسؤولين الاسبان.
ان ضعف الدويلات التي كانت قائمة آنذاك لم يحل دون قيام مقاومة شعبية، استطاعت أن تحد من المد الصليبي الجديد، رغم انعدام القيادة السياسية القوية. ذلك أن الاسلام كان، منذ عهد بعيد، عنصر تماسك اجتماعي، ومحرك صمود دائم، وعامل تعبئة جماعية. على أن الاستعداد الشعبى المقاومة مشاريع الاحتلال الاوروبي سرعان ما تحول الى قوة منظمة عندما اكتشفت الفئات الشعبية بحسها السليم فى الاخوين عروج وخين الدين قيادة سياسية يمكن أن تجمع شملها، وتوحد شتاتها، وفعلا، فقد أصبحت الجزائر تتوفر على أسطول بحرى ما لبث أن صار قوة رادعة في حوض البحر الابيض المتوسط ساعدت على اقامة قاعدة لحكم كان أساس ما يمكن تسميته، دون مبالغة الدولة الجزائرية الحديثه بنظامها المستقل وهيئاتها المحددة، وهى الدولة الجزائرية في العهد العثماني.
وقد اعتمدت هذه الدولة على قوة أسطولها في تنظيم الجهاد البحرى لصد الاطماع الاجنبية واحباط محاولات الصليبية الجديدة.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 153 انطلاقا من هذا، فان العهد العثماني كان اطارا عاما للحكم لم ينل من الشخصية الوطنية الجزائرية ولا من استقلالية قرار دولتها بل لقد استطاعت الجزائر أن تؤكد خلال ذلك كيانها كوطن مهيب الجانب، واضح المعالم والخصائص والحدود، وان تبرز كدولة قوية بالمفهوم الحديث، تتمتع بشخصية معترف بها داخل مناطق الخلافة العثمانية وخارجها.
10 - تطور الاطماع الاوروبية :
كانت المراحل الاخيرة من حياة الدولة الجزائرية الحديثة المستقلة، في اطار الخلافة العثمانية، مطبوعة بطابع التدهور الفكرى الذى أصاب العالم الاسلامى فى الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحقق تقدما اقتصاديا كبيرا بفعل الاكتشافات العلمية التي مكنتها من دخول عصر الثورة الصناعية.
وقد ترتب على هذا الوضع أن أوروبا أصبحت تشعر بحاجتها الى أسواق جديدة تفتحها، والى موارد اقتصادية طبيعية تسخرها، وذلك لا يتأتى دون بسط نفوذها على مناطق جديدة تحتلها بالقوة وقد بدأ تدخل أوروبا في شؤون الجزائر يأخذ شكلا صريحا منذ أوائل القرن التاسع عشر، وخاصة عندما قرر مؤتمر فيينا ضرب القوة البحرية الجزائرية بدعوى اشهار الحرب على «القرصنة».
11 - الاحتلال الفرنسي :
كان الحصار الذي فرضه الاستعمار الفرنسي على الجزائر ايذانا بانتهاء عهد «التعايش المسلح بين دول المغرب العربي الاسلامي لاسيما الجزائر، من جهة، ودول أوروبا التي لم تتخل عن روحها الصليبية، رغم محاولتها اخفاءها من جهة أخرى.
وبعد أن كانت الجزائر قد تصدت بنجاح لموجات الغزو المتعاقبة، أصبح عليها أن تنهض | باعباء مقاومة شعبية وتخوض غمار حرب شاملة لا لتدافع عن الكرامة والسيادة والارض داخل حدودها الخاصة فقط، ولكن لترد العدوان أيضا عن جاراتها التي كانت مستهدفة مثلها.
لكن تضافر عدة عوامل حال دون انتصار الجزائر في تلك المعركة غير المتكافئة، فقد كان الاسطول الجزائرى قد تلقى قبل ذلك ضربة كبرى في معركة نافرين البحرية (أكتوبر 1827 م)، اذ تحطمت معظم وحداته الى جانب الاسطول العثماني أمام أساطيل فرنسا وبريطانيا وروسيا المتحالفة. وفى الوقت الذي كان فيه الاستعمار الفرنسي يعد في الخفاء خططه على المدى المتوسط والبعيد، بالنسبة الى كامل المنطقة، كانت قيادات بلدان المغرب العربي غافلة عن اخطار المواجهة المنفردة، ولم تنتبه الى ضرورة التضامن في المصير المشترك.
ان كل تلك العوامل جعلت الجزائر تدفع ثمن الصدمة الاولى. ولم يكن من محض المصادفة أن تسقط بعد الجزائر كل دول المنطقة، مؤذنة بسقوط مجموع العالم العربي الاسلامي تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة أو غير المباشرة. كما أن احتلال الجزائر شجع الاستعمار الاوروبى على الانتشار والتوغل في القارة الافريقية.
12 - المقاومة الشعبية ودولة الامير عبد القادر :
بمجرد استسلام الداى حسين بمقتضى معاهدة
(5) يوليو 1830) بادر الفرنسيون الى خرقها. اما الشعب فلم يستسلم، وسارعت الجماهير الى حمل السلاح ملبية داعي الجهاد.
وفعلا انطلقت المقاومة الشعبية في كل نقاط البلاد، وخاضت الجماهير أول حرب منظمة للتحرير مع الايام الاولى للاحتلال، واستمرت مرحلتها الاولى الى غاية 1848.
فقد رفض أحمد باى التسليم بشرعية القرار الذي اتخذه الداي، وقاد مقاومة شعبية، لم يعتمد فيها على وحدات جنده النظامي فقط، بل عمد 154 الجريدة الرسمية للجمهورية أيضا الى تنظيم المقاومين من أبناء الشعب، فأنشأ جيشا وطنيا لصد الاحتلال، ونجح في اجبار | الجيش الفرنسى على الانسحاب من عنابة في اوت 1830. كما تولى الامير عبد القادر سنة 1832 قيادة مقاومة استهدفت في آن واحد، صد المحتلين واعادة بناء الدولة حسب المتطلبات التي فرضتها المعطيات الجديدة.
و يمكن القول أن دولة الامير عبد القادر كانت هي الدولة العربية - الاسلامية الوحيدة التى انبثقت فى العصر الحديث من ارادة الشعب.
وقد بادر الامير عبد القادر ، بعد تشكيل الحكومة واقامة مجلس الشورى الى تنظيم الجيش، وارساء أسس صناعة حربية وطنية، وسك العملة، ووضع نظام تعليمي شامل، وتأسيس جهاز قضائي متكيف مع ظروف المقاومة، كما كثف اتصالاته الديبلوماسية، وعقد عدة معاهدات.
واستمرت المقاومة الشعبية حتى بعد فشل مقاومة عبد والانتفاضات القادر الشعبية، واحمد باي وتواصلت وتوالت طوال القرن الثورات الماضي الى بدايات هذا القرن، مثل ثورات بوزيان، ومحمد بومعزة، واحمد بن عبد الله ( بوبغلة)، ولالة فاطمة نسومر، واولاد سيدى الشيخ، والمقراني، وبومزراق، والشيخ الحداد، والبراكنة، وبن ناصر بن شهرة، وبوشوشة، و بوعمامة، والشيخ امود الذين قادوا الشعب في ملاحم مستمرة اندلعت مع بداية الاحتلال، واستمرت حتى سنة 1920 مع نهاية مقاومة الشيخ امود في الطاسيلي والجنوب الشرقي من البلاد.
13 - الصمود الثقافي :
ان المقاومة الشعبية لم تقتصر على المظهر المسلح فقط، بل اتخذت في نفس الوقت طاب بع صمود روحي ثقافي ورفض مطلق للقيم التي كان المحتل يريد فرضها واقرارها. وبذلك أصبحت مقاومة الشعب معنوية وثقافية تتمثل في نبذ كل ما من شأنه أن يقر شرعية الاستعمار. وهذا يعنى أن الدولة الجزائرية ظلت قائمة فى ضمير الشعب الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الانتفاضات المسلحة لطرد المستعمرين بالقوة الى نهاية الربع الاول من هذا القرن.
وغنى عن التذكير بأن الذود عن الاسلام والدفاع عن الارض والثورة من أجل الكرامة، والحرص على صيانة الشخصية الوطنية كانت هي العوامل التي حركت تلك الثورات والانتفاضات.
وليس من المبالغة فى شىء القول بأن وحدة العقيدة الدينية والوحدة الثقافية المرتبطة بها كانتا عنصرين حاسمين فى صياغة الخطاب السياسي وفي جعل الزوايا والمساجد ومراكز التعليم نقاط ارتكاز تغذى دعوة الجهاد ضد المحتلين، وتلهب حماسة الثوار والمقاومين.
ان المقاومة الشعبية، واصرار الاستعمار الفرنسي على تسخير كل قواه، واستعمال جميع أساليب حرب الابادة، من اتلاف للمحاصيل وتدمير للقرى، وحرق، وتجويع، لاخضاع الشعب كل ذلك أسفر عن عملية فرز بين العناصر التي ربطت مصيرها بالمستعمر وطابت نفوسها بالعيش في كنفه، وكل الفئات الاجتماعية الاخرى.
ومن هذه الفئات تكونت الكتلة الكبرى لحركة المقاومة التي تحملت طوال ليل الاستعمار، كل أعباء الحرب التي تواصلت عمليا حتى مطلع القرن الحالي. 14 مشروع الاستعمار للقضاء على الشخصية الوطنية :
لقد أدرك الاستعمار، على ضوء استمرار المقاومة، ان الانتصارات العسكرية، التي كان يحرزها بحكم التفوق فى قوة النار، لم تنجح في اخضاع الشعب معنويا وحمله على الاستسلام النهائى، اذا ظلت الجماهير خارج السيطرة المعنوية للاستعمار، بفضل تصميمها على أن تبقى مسلمة العقيدة عربية الثقافة جزائرية النبض.
وسرعان ما استخلص المنظرون الاستعماريون العبرة من دور الاسلام والثقافة الوطنية في التعبئة المستمرة ضد الاحتلال، فوضعوا خطة محكمة وهو ما يفسر سرعة الاستجابة الجماهيرية لكل المحاربة اللغة العربية، ولتسخير بعض رجال لدعوة الى رفع السلاح في وجه العدو، واستمرار الدين، من أجل تأمين السيطرة الاجنبية.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 155 كما سعى الاستعمار، في نفس السياق، الى تنفيذ خطة واسعة لتنصيب الجزائريين على أساس أن الرابطة التي تشد النسيج الاجتماعي للشعب وتغذى تماسكه وتدفعه في اتجاه العمل الموحد، هي الاسلام الذى طبع جميع مظاهر الحياة الوطنية.
وهكذا تمكنت الادارة الاستعمارية تدريجيا من استعمال بعض المشعوذين المستعملين للدين، في نفس الوقت الذي أصدرت فيه مجموعة اجراءات تصبح اللغة الوطنية، بمقتضاها لغة أجنبية.
وقد ترتب على ذلك تعميم سياسة التجهيل التي عززت سياسة التفقير بتجريد كل من قاوم الاستعمار من أملاكه.
ولقد كانت كل تلك الخطط مشروعا واسعا للقضاء على الشخصية من الاساس، والتهيئة لتحقيق سياسة الفرنسة والتجنيس والادماج. 15 المشروع الوطني :
ذلك هو الاطار العام الذي انصهر فيه محتوى الحركة الوطنية الجزائرية، فقد انبعث النضال ضد الاستعمار في شكله السياسي المنظم معتمدا على مقومات الشخصية الجزائرية، التي صهرها التاريخ في اطار جغرافى محدد بلغة القرآن وأرض الاجداد، وروح الاسلام.
وهكذا ارتفع، منذ العشرينيات، مطلب حق الجزائر في استرجاع الاستقلال وعبر الشعب في صيغ مختلفة عن رفضه لكل محاولات الادماج في الامة الفرنسية، تلك المحاولات التي ضاعف من خطورتها وجود عناصر «نخبوية آمنت بالفرنسة، وتشبعت بالمبادىء الاستعمارية، يئست من كل حل خارج الذوبان في الكيان الفرنسي.
فقد تكفلت حركة نجم شمال افريقيا بمهمة طرح فكرة استرجاع الاستقلال على مستوى المغرب العربي في أول نشأتها، ثم أصبحت حركة جزائرية صرفة، خلفها حزب الشعب الجزائرى الذى كان يبشر بفكرة الاستقلال في الجزائر عبر تنظيم شعبي واسع شمل جميع ارجاء الوطن.
وظهرت بالجزائر، فيما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية، عدة حركات وهيئات سياسية وثقافية ساهمت في انماء الوعي الوطني وان اختلفت درجات اسهامها ونوعيته.
واصطدم التيار الوطنى بعدد من العراقيل والصعوبات منها الجهاز الاستعماري الذي كان يقمع كل دعوة سياسية تناهض الاستعمار، من جهة، والعناصر التي آمنت بامكانية حل وسط يقر المساواة بين الجزائريين والأوروبيين في اطار فرنسي من جهة ثانية، وانتشار الخرافات التي كانت خير حليف للاستعمار، من جهة ثالثة، اذ كانت هذه تختفى أحيانا وراء خطاب ديني اللهجة من شأنه أن يغرر بالبسطاء.
ومن هنا كان من الضرورى، في مواجهة ذلك كله، أن يظهر في آن واحد خطاب سياسي صريح الدعوة الى استرجاع الاستقلال، حتى يعد الجو لتنظيم ملائم يسند هذه الدعوة ويهيء لها أسباب النجاح، وأن يبرز خطاب ديني جديد في أسلوبه اصلاحي في طرحه، وطني في روحه، يحارب الشعوذة، ويحرر العقول من الخرافات.
وهكذا تولى حزب الشعب الجزائري ثم حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، بلورة الخطاب السياسي الجذرى ونشر فكرة الاستقلال في أوساط الجماهير الشعبية بالمدن والأرياف، عبر هيئاته وهياكله، وعبر الصحف الناطقة باسمه ومدارس التعليم العربي التي أنشأها في نفس الوقت الذى كان يهيء فيه ، سرا، ما يلزم من تنظيم بشرى واعداد مادى للانتقال بالفكرة من القول الى الفعل ومن النظرية الى التطبيق.
وتولت حركة جمعية العلماء مهمة التعريفة بالدين الصحيح عبر صحفها ونواديها وعب المساجد الحرة، كما تكفلت بتعليم اللغة العربية في مدارسها حسب مناهج عصرية، وجددت العهد بتدريس التاريخ، بعيدا عن الاساطير، وبصورة تعزز روح التعلق بالوطن.
لقد كان المسار الطويل الذي قطعته فكرة الاستقلال، منذ أن طرحتها حركة نجم شمال أفريقيا 156 الجريدة الرسمية للجمهورية حتى أول نوفمبر 1954 ، مرورا باحداث الثامن ماى 1945 ، مليئا بالصعاب محفوفا بالمخاطر، سقطت على در به أعداد ضخمة من الضحايا والشهداء.
ومما ضاعف من صعوبة الوضع ان جميع الاحزاب والحركات والهيئات لم توفق لايجاد الصيغة التي توحد صفوف الشعب الجزائري وتدفعه الى المعركة الحاسمة ضد الاستعمار، بل ان الحزب الذى تبنى نظريا فكرة الكفاح المسلح، وأعد لها في السر، لم يتمكن من الانتقال بها الى المرحلة العملية، بسبب معارضة بعض عناصره القيادية | التي جعلته يتعرض لأزمة خطيرة. لكن مجموعة من الطلائع النضالية منه، جمعت بين الوعى بمقتضيات المرحلة والاقدام على التنفيذ، تجاوزت الازمة عندما قررت عبر اللجنة الثورية للوحدة والعمل، ثم مجموعة الاثنين والعشرين، أن تنتقل الى الكفاح المسلح دون أية مهلة.
ذلك ان انتفاضة الثامن ماي 1945 كانت قد الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه أصناف المقاومة التي خاضها الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي.
كما كان اعلان الثورة عن أهدافها وأسلوبها فى البيان الذي أصدرته جبهة التحرين الوطنى ليلة أول نوفمبر 1954 ايذانا بميلاد عهد جديد يضع حدا لجميع السلبيات التي عرفتها المراحل السابقة للحياة السياسية في الجزائر، ويفتح الطريق لتوحيد صفوف الشعب في معركة فاصلة أصبحت من أهم الملاحم التي يفتخر بها تاريخ الشعوب في القرن العشرين.
ولم يغب عن الاستعمار الفرنسي أنه يواجه لاول مرة منذ أن وطئت أقدامه أرض الجزائر معركة حاسمة تهدد وجوده في كامل القارة الافريقية.
لذلك لم يتردد في تسخير كل ما يملك من قوى الشر والدمار، بل لقد عمد الى تسخين أقامت الدليل أن فكرة استرجاع الاستقلال | الحلف الاطلسي، وحاول عزل الجزائر عن العالم قد أصبحت واسعة الانتشار بين صفوف الجماهير واذا كانت الادارة الاستعمارية قد عمدت، من . خلال أجهزتها القمعية، ووحداتها العسكرية، والتها الحربية، الى عمليات التقتيل والتشريد، وقصف القرى بالطائرات، توصلا الى استئصال فكرة الاستقلال، فان تلك الايام المشهودة، التي أستشهد خلالها أكثر من خمسة وأربعين ألف مواطن، قد ساعدت على انضاج فكرة الكفاح المسلح طريقا وحيدا لاسترجاع الاستقلال.
16 - ثورة أول نوفمبر 1954 :
لقد عبرت كل تلك الاحداث الجسام عن الاستمرارية التي اتسمت بها ارادة الشعب الجزائرى فى القضاء على الاستعمار الذي كان يقوم على انكار الكيان الوطني، والاستهانة بحقوق الناس، وتجهيلهم بتاريخهم، واخضاعهم لطغيان المحتل الاجنبى.
وهكذا كان الاعلان عن الشروع فى الكفاح المسلح يوم أول نوفمبر 1954 امتدادا وتتويجا لكل | الخارجي باقامة سلسلة من الخطوط المكهربة.
حولت البلاد الى سجن كبير.
ان المناطق المحرمة التي كانت الطائرات والمدفعية الفرنسية تضرب فيها كل شيء يتحرك، ومراكز التجمع التي حشد فيها الملايين قصد عزلهم عن الاتصال بجيش التحرير الوطني وامداده، وعمليات التقتيل الاعمى، والتعذيب المنظم وفنون القمع البدنى، والارهاب النفسي كانت كلها تؤكد تصميم الاستعمار على المضي في القضاء على الثورة بكل الاساليب وبأي ثمن، لانه قد أدرك أن مصير الامبراطورية الاستعمارية.
الفرنسية كلها يتقرر في الاخير في الجزائر.
لكن الارادة في تحقيق الاستقلال الوطني خارج أية صلة بالنظام الاستعمارى كانت قد وجدت تعبيرها الموفق في الكفاح المسلح، فانطلقت طاقات الشعب الجبارة تحطم القيود وتواجه الحراب، وتتحدى الموت في سبيل الحياة الحرة الكريمة.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 157 وما لبث جيش التحرير الوطنى ان تمكن بفضل مثل التضحية التي ضربها في الميدان وتلاحمه الوثيق بالجماهير الشعبية من التغلب على أهم العقبات، واستقطاب أفواج من المجاهدين تزايدت اعدادهم باطراد.
و بذلك استطاعت الثورة المسلحة أن تحدث في ظرف زمني قصير نسبيا، تحولا عميقا داخل المجتمع وفى عقلية الجماهير، كما أحدثت تغييرا نوعيا في مطامحها ومضمون مكاسبها. . 17 - المنجزات الاساسية للثورة المسلحة :
وهكذا انقذت ثورة أول نوفمبر، بالعمل المباشر، والاعتماد على الجماهير، تيارا كان أكثر التيارات حيوية فى الوطنية الشعبية الجزائرية، ومكنت بصفة خاصة الوطنية الطلائعية في اطار ايديولوجية حزب الشعب، من تجاوز تناقضاتها وتجديد بعض مفاهيمها الجوهرية .
وفعلا ما لبثت فكرة الكفاح المسلح ان تمكنت من النفوس، وتحدد الفرز بين الوطنيين وغيرهم على أساس الانخراط في صفوف جيش التحرير والعمل فى هياكل جبهة التحرير الوطني من جهة، والبقاء خارج ذلك كله، من جهة أخرى.
وبذلك أصبحت جبهة التحرير وجيش التحرير الاطار الوحيد الذى تصب فيه كل الطاقات، ويجمع كل القوى الاساسية للشعب في تنظيم يتحرك على عدة جبهات، ويشتغل على كل الاصعدة، ويواجه الاستعمار وحلفاءه في الداخل والخارج بشتى الاساليب.
فقد استطاع جيش التحرير الوطني أن يحقق تعبئة شعبية داخلية لم يسبق لها مثيل. ووفقت جبهة التحرير لاقامة هياكل مدنية في الداخل وهيئات تمثلها فى الخارج لتوظيف تلك التعبئة والاستفادة من التضامن العربي الاسلامي، ومن توظيف مد التحرر الوطنى والقوى المحبة للحرية والسلام في العالم، مما جعلها تفرض نفسها على العدو الذي اضطر في النهاية أن يعترف بها ويتفاوض معها .
وقد استطاعت الثورة، بالاعتماد خاصة على جناحها العسكرى، جيش التحرير الوطني، أن تقود المعركة المسلحة وتواجه الكثير من التناقضات مواجهة ضمنت معها استمرارها، وأكدت بها قدرة الطاقات السليمة والقوى الحية على التصدى للهزات التي كانت تهدف الى أجهاض الثورة وتحريفها عن مسارها .
ان يوم أول نوفمبر كان نتيجة تقدير صحيح للقدرات الشعبية، كما كان يوم 20 أوت 1955 تحديا موفقا بفضل ما تتمتع به الجماهير من حس سليم، واستعداد كامل للتضحية القصوى.
وما لبثت مثل التضحية والبطولة التي ضربها جنود جيش التحرير فى الجبال، والمسبلون والفدائيون في الارياف والمدن، أن أعطت نتائجها ممثلة في اتحاد الشعب وانتظام صفوفه وتجانس صيغ مخاطبته.
وهكذا كان مؤتمر وادى الصومام في 20 أوت 1956 ، مثلما كانت انتفاضة 20 أوت 1955، تطورا نوعيا في حركة الثورة ومنجزاتها التي توالت في جميع الميادين، مؤكدة تجاوب الجماهير الشعبية مع دعوتها .
ان تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين ونزول الطلبة جماعيا الى الميدان، وانشاء اتحاد التجار، واضراب الثمانية أيام، والعمليات التي جسمت نقل الحرب الى فرنسا، ومظاهرات ديسمبر المشهودة، وخروج المغتربين الجزائريين الى الشارع الباريسي، كل ذلك يبرهن على أهمية الاشواط وطبيعة المراحل التي قطعتها الثورة على درب النصر.
على أن أهم انجاز حققته ثورة التحرير يتمثل فى تأكيد الوحدة الوطنية داخل حدود ثابتة.
فبعد أن برزت نفسيا ووجدانيا، عبر مجهودات الحركة الوطنية بمعناها الواسع، تأكدت عمليا وتنظيميا، واندمج الشعب في الكفاح صانعا بذلك ملحمة منقطعة النظير. 158 الجريدة الرسمية للجمهورية لقد فرضت ظروف الكفاح الشاق وقوى الدمار والشر التي جندها العدو من الانضباط والتنظيم، واليقظة، والاعتماد على الذات، ما ساعد على صهر أداة نضالية فريدة، كما ساعدت المواجهة اليومية للاخطار على تكوين أنماط جديدة من السلوك، والتضامن، والتكافل عمقت التحولات السياسية والاجتماعية والذهنية، وقوضت هياكل الاستعمار حتى قبل أن تجلى جيوشه عن الارض الجزائرية.
و بذلك أصبحت الوحدة الوطنية تقوم أيضا على مثل نضالية جديدة عززت قيم التراث الحضاري الجزائري.
ان ظروف المعركة دفعت مناضلي جبهة التحرير وجنود جيش التحرير الى اقامة هياكل جديدة تتكفل بحل مشاكل السكان، سواء ما اتصل منها بمسائل التموين الغذائى أو بالقضاء، أو بشؤون الصحة والتعليم، أو بقضايا الدفاع عن سكان المناطق المحرمة» فى الارياف أو في الاحياء الأهلة في كبريات المدن، وباختصار : هياكل دولة بمعنى الكلمة.
ومن هنا، فان المجالس الشعبية التي وقع الشروع في اقامتها، اثر مؤتمر وادى الصومام قد صارت تدريجيا أجهزة ادارة يتعرف فيها الشعب على نفسه، ويستغنى به عن هياكل الادارة الاستعمارية .
وقد أحدثت تلك التحولات تغييرات عميقة أعطت الثورة الوطنية مضمونا اقتصاديا، و اجتماعيا وثقافيا، طبعها بطابع خاص جعل مطلب استرجاع الاستقلال يلتحم بمضامين اقتصادية، واجتماعية وفكرية محددة.
ان الانجاز الضخم الذي حققته جبهة التحرير الوطني من 1954 الى 1962 لا يتمثل في استرجاع الاستقلال فقط، ولكنه يتمثل أيضا، في ايجاد ظروف جديدة، فتحت المجال لتحولات عميقة، مكنت الجماهير الشعبية من توجيه الاحداث وصنع مصيرها.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ونظرا الى ضخامة المعركة، واتساع ميدانها فى الداخل والنتائج الايجابية التي ترتبت على ذلك في الخارج من خلال استثمار تضامن الشعوب مع الجزائر فقد أجبرت الثورة الجزائرية مجموع النظام الاستعمارى الفرنسي على أن يتخلى عن الادارة المباشرة لعدد من الاقطار التي كان يستعمرها في افريقيا.
وهكذا، نجد أن الجزائر، التي كان سقوط دولتها فى الثلث الاول من القرن الماضي، ايذانا بانفراط عقد استقلال عدد من البلدان في المغرب العربي والقارة الافريقية، كانت هي التي ساعدت الى حد كبير على تعزيز تيار الاستقلال وحملت الاستعمار، يفعل المعركة التي تخوضها، على التعجيل بالانسحاب من المناطق التي كان يحتلها في شمال افريقيا وغربها ووسطها، ليتفرغ لمواجهتها بكل ما يملك من قوة. فاستكملت بذلك بعض البلدان سيادتها واتيح لبعضها الآخر أن يسين على طريق الاستقلال. 18 تحديات مرحلة البناء : - ان التحديات التي فرضتها مواجهة الاستعمار قد دفعت الثورة الجزائرية الى السعى لتأمين بعد الحداثة في التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعى، ووضع أسس للدولة المستعادة، تستند أصولها الى تراثنا الحضاري، وتستمد قوتها من الطابع الشعبي للثورة المسلحة.
ومن هنا كان اختيار النهج الاشتراكي الذي تبلور فى نهاية حرب التحرير نابعا من التجربة الخاصة التي مرت بها الثورة الجزائرية بقيادة جبهة التحرير الوطني، ولم تكن، رغم استفادتها من العطاء الخارجي، تقليداً أعمى للاجنبي، ولا محاكاة بلهاء لتجربة مستوردة.
وكان اقتران استرجاع الاستقلال بالمفاهيم والمنطلقات التي حددها ميثاق طرابلس تتويجا الحركة من أروع حركات التاريخ التي جعلته التجربة الجزائرية من التجارب الرائدة في العالم الثالث.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 159 وهكذا كانت الحركة الوطنية الشعبية الجزائرية من الحركات التحريرية النادرة التي استطاعت أن تصل بكفاحها الى غايته، اذ لم ينبثق منه مجرد استقلال شكلى تستولى عليه البورجوازية لمصلحتها وحدها، بل انبثقت منه سلطة ثورية حقيقية .
وقد استمدت هذه السلطة الثورية قوتها من التغييرات السياسية والاجتماعية والذهنية التي تحققت أثناء الكفاح المسلح، والتي جعلت مطلب استرجاع الاستقلال يقترن باسترداد الارض واستعادة القيم الثقافية، وانقاذ الهوية الوطنية المهددة، وبلورة تصور تقدمي للحكم يضمن استمرارية المد الثورى، وصولا الى بناء مجتمع خال من الاستغلال.
ذلك ان تصور بناء مجتمع جديد لفائدة الجماهير الشعبية كان يبدو حلما عزيز المنال عشية اول نوفمبر، ثم بدات معالمه تظهر كمشروع ممكن التحقيق مع اندلاع الكفاح المسلح واتسع التصور وتعمقت الفكرة مع كل التجارب المكتسبة حتى تبلور المشروع الوطني، وتوفرت الارادة | السياسية اللازمة لتحقيقه.
وهكذا ساهمت في تعميق المحتوى الديمقراطى الشعبى للدولة الجزائرية، تلك التضحيات الجسام وذلك الميدان الواسع للمعركة التي ضمت في صف واحد مناضلي وجنود جبهة وجيش التحرير الوطني، وفئات شعبية، لاسيما الاجراء، والحرفيين والفلاحين، وجموع سكان المناطق المحرومة .
لذلك أصبح هذا المحتوى الشعبى هو الطابع الاساسي لحركة الثورة في عهد البناء وهذا ما يفسر نجاح الدولة المستعادة في تجسيد ذلك المشروع لفائدة الجماهير.
واذا كان برنامج طرابلس قد استجاب في مجمله لتلك الاهتمامات بتحديد المهام الرئيسية للثورة الديمقراطية الشعبية، ووضع تصورا للمسعى العام اللازم لتحقيقها، واذا كانت الجزائر قد حققت من خلال استرجاع الاستقلال نصرا تردد صداه في جميع انحاء العالم، فانها وجدت نفسها بعد ذلك مباشرة في مواجهة عدد من المشاكل المعقدة : مخلفات حرب مدمرة، رواسب استعمار | استيطاني استمر أكثر من قرن، وقوى استعمارية جديدة تتأهب لافراغ الاستقلال من محتواه وأطماع ومصالح بورجوازية تخطط لتحريف الثورة عن مسارها، وتحرك بعض الأطماع | التوسعية ضد الوطن، كل ذلك جعل الاستعمار الجديد يأمل في اجهاض الثورة حتى يتمكن من العودة في أثواب جديدة.
لكن المدى الذى قطعته الثورة وحجم التغيرات التي تحققت مكنا من رد فعل سليم وقائي أعاد الثورة ، الى طريقها الصحيح، ورد لها صفاءها الايديولوجي، وزودها بالفعالية التصحيحية.
وهكذا كان التاسع عشر من جوان 1965 لحظة مميزة جددت فيها الثورة نفسها، ومكنت الامة من تحقيق وثبة هامة عندما عجلت بنزع الطابع الاستعمارى عن الاقتصاد، وسنت سياسة التوازن الجهوى، وشرعت في اقامة المؤسسات بصورة منهجية مبتدئة بالقاعدة، وجددت العهد بالمجالس الشعبية تعزيزا للديمقراطية الشعبية، وتمكينا للقاعدة من المشاركة في التسيير، ووفاء لروح الجهاد.
وكانت الاجراءات التي اتخذتها القيادة الثورية، منذ السنوات الاولى واضحة في توجيه المشروع الثورى وتحقيقه تدريجيا على مراحل تضمن التقدم دون هزة او انتكاس. ومن هنا وقع التوجه، قبل كل شيء، الى تحرير البلاد من كل مظاهر التبعية، والحضور الاجنبي. فتم اجلاء آخر جندى أجنبى عن أرض الثورة، ووقع الشروع في ضبط استراتيجية لتحرير الاقتصاد، ووضع أسس اقتصاد وطني مستقل، حسب منهجية تقوم على التقدير السليم لظروف البلاد الموضوعية، مع التحلى بارادة سياسية حازمة.
على أن المكاسب الثورية التي ترسخت والمنجزات الاقتصادية التي تحققت، وسياسة التكوين التي اعتمدت، وتمكين الجزائريين من فرص التعليم وحق العمل، كل ذلك لم يحل دون ظهور عدد من السلبيات كما تقتضى سنن الحياة.
وهي سلبيات كانت من الممكن أن تتفاقم بفعل الوضع الذي عرفته البلاد عشية المؤتمر الرابع للحزب. 160 الجريدة الرسمية للجمهورية لكن الشعب الجزائري أكد مرة أخرى مدى نضجه، كما عبرت قاعدته الحزبية، واطاراته السامية، وعناصره القيادية عبر هيئاته المختلفة عن تقديرها لروح المسؤولية، وجديتها في القيام بالواجب، وتمسكها بنصوص الميثاق والدستور.
وهكذا كان انعقاد المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني، وما ترتب عليه من نتائج انتصارا على الذات حققته الجزائر بصورة تسمح في الوقت نفسه بمواجهة المصاعب الموضوعية الاخرى.
وفعلا، فقد بادرت القيادة السياسية المنبثقة من ذلك المؤتمر الى مواجهة العقبات والعراقيل التي أفرزها مسعى التنمية، من جهة، والضغوط التي تسببت فيها هيكلة الاقتصاد العالمي، من جهة أخرى.
وواجهت الجزائر، بما يلزم من حزم، خلال العشرية الحالية، مظاهر عقلية التواكل التى كانت في طريقها الى أن تكتسى حجما مخيفا، كما اتخذت عددا من الاجراءات دفعت بها الاقتصاد الوطني في اتجاه الاعتماد على الامكانات الذاتية في اطار تخطيط عقلاني سليم.
ولم تلبث نتائج ذلك التصميم النضالى وتلك الارادة الواعية ان ظهرت في حيوية الحياة السياسة التي عرفتها البلاد. فقد اتسعت أنشطة الحزب ومؤسسات الدولة في جميع المجالات، وشملت كل الميادين، وتطورت التنمية بنسبة مشرفة رغم محيط عالمى غير ملائم. وقد تحققت تلك النتائج بفضل تقدير أسلم للاوضاع، واعتماد أكبر على النفس، وتنظيم أفضل للتسيير وتوزيع أكثر واقعية للمسؤوليات.
وخلال هذه الفترة بذلت عناية خاصة لحل عدد من المشاكل التي كان المواطن يصطدم بها الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه على كل المستويات، والتي يعتبر تحسينها من أفضل الاستثمارات التي تقوم بها الجزائر لتشجيع المبادرة، وتحقيق الانسجام الاجتماعي، وبناء المستقبل.
على أن السعى لتحسين اطار الحياة لم ينطلق مع الحرص على توفير ما يمكن من الحاجات الاستهلاكية فقط، بل تضمن، أيضا، توجيه الاهتمام باحتياجات الفكر والروح، ومحاولة .
عقلنة الانماط الاستهلاكية الموروثة، وايجاد اهتمامات ثقافية، وتحسين مستويات التعليم والتكوين والدراسة، وتهيئة الوسائل التي تضمن العناية بالجوانب المعنوية لحياة المواطن اليومية لان ذلك هو أضمن سبيل لايجاد توازن نفسي ومعنوى لدى الفرد، يعطى الانسجام الاجتماعي المطلوب معنى حقيقيا، وذلك كله يساعد على تقليص عوامل التوتر، والانحراف، والضياع.
ومن الواضح ان هذه النتائج الايجابية ما كانت لتتحقق لو لم يوضع تدريجيا حد للاختلال في الاجور ونظام الاسعار، الذي كان مصدر تفاوت اجتماعي، ولو لم يقع الشروع في تدعيم قواعد التسيير الاشتراكي للمؤسسات، مع الحرص على تخليصها من المشاكل المزيفة والمواقف غير المسؤولة، ولو لم ينظم الاقتصاد الوطني على أسس مكنت التخطيط من أداء دوره كاملا، وسمحت بتنظيم هيكلة المؤسسات الاقتصادية، واجراء التصحيحات اللازمة لتعديل الاختلالات الداخلية والخارجية للاقتصاد الوطني، تأمينا لتنمية شاملة 6 منسجمة، مستقلة.
ان كل هذه المكاسب التي تحققت نتيجة للجهود المتواصلة، تمثل قاعدة التطور السياسي للدولة، والاسس المادية اللازمة لتقدم المجتمع فليس المطلوب اذن تجميع نظريات منقطعة عن الواقع، بل الانطلاق من المكتسبات، ومن الحقائق وعلى الملموسة، والتجربة الحية لاستخلاص العبر منها.
أساس كل ذلك، تستطيع الثورة تعميق في حياته اليومية، بما يخفف من القلق الاجتماعي، تصورها لبنياتها واستكمال نموذج المجتمع الذي ويعيد الاعتبار لاطار حياة المواطن اليومية التي صارت مضمنة في كل مساعي السياسة الاقتصادية | تريد تشييده مع تحديد الطرائق الكفيلة بتحقيق ذلك، ورسم آفاق العمل الشامل في المستقبل.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 161 الباب الأول المنطلقات الإيديولوجية الفصل الاول الاسلام ومتطلبات العصر ان الشعب الجزائري شعب عربى مسلم والاسلام هو دين الدولة، وأحد المقومات الاساسية للشخصية الوطنية الجزائرية. وقد ثبت انه كان عاملا أساسيا فى تعبئة طاقات المقاومة ضد محاولات الغزو الاجنبي، وحصنا منيعا مكن الشعب الجزائرى من احباط جميع مشاريع النيل من شخصيته. فقد تحصن الشعب الجزائرى بالاسلام دين النضال، والصرامة، والعدل والمساواة، احتمى به في أحلك عهود المد الصليبي والسيطرة الاستعمارية، واستمد منه تلك الطاقة المعنوية، والقوة الروحية التي عززت فيه الامل وأتاحت له أسباب الانتصار.
لقد صهر الاسلام المجتمع الجزائري، فجعل منه قوة متماسكة متعلقة بالارض الواحدة، متمسكة بالمعتقد الواحد، وباللغة العربية التي مكنت الجزائر من استئناف دورها فى العمل الحضاري.
كما سمحت حضارة الاسلام بصهر الشخصية الجزائرية في بوتقة ثقافية متعددة التيارات متفاعلة العناصر. فكانت التيارات الروحية والثقافية تتحرك من المشرق الى المغرب، ومن المغرب الى المشرق، كما كانت تتحرك من الشمال الى الجنوب، ومن الجنوب الى الشمال. ذلك ان دار الاسلام كانت دارا واحدة، تعددت عبرها الهجرات، وتفاعلت الخبرات، وتلقحت الثقافات، ولان مناطقها المتعددة لم تكن تعرف، رغم اتساعها الكبير، مفهوم الحدود الذي ظهر في العصور ২ الحديثة.
على أن تبادل التأثير بين الجزائر وشقيقاتها في اطار المجال الحضارى العربي الاسلامي لم تكن له نتائج ايجابية فقط، بل تأثرت الجزائر أيضا بالنتائج السلبية التي ترتبت على توقف الاجتهاد وجمود الفكر.
والحقيقة ان ما أصاب العالم الاسلامي من انحطاط لا يمكن تفسيره بأسباب اخلاقية بحتة بل هناك عوامل أخرى ذات طابع مادي، واقتصادي و اجتماعى، وفكرى، كالفتن الداخلية، وتصاعد الاستبداد، مما كان له دور حاسم فيما آلت اليه بلدان العالم الاسلامى من تعرض لغزو أجنبي وسيطرة استعمارية، ونفوذ امبريالي.
فانتشار الجهالة، والبعد عن دين الحق وظهور الخرافات والشعوذة، وانتشار العقليات التي تعيش على الماضى وحده، هي نتائج للعوامل السابقة.
هكذا يتجلى ان التركيز على محاربة هذه الانحرافات دون العناية البالغة بمعالجة أسبابها وتغيير البيئة الاجتماعية والفكرية التي تفرزها هو أمر عديم الجدوى.
واذا كانت الجزائر قد تأثرت سلبيا بالانحسار الفكرى الذى عم المجال الثقافي الذي تنتمي اليه، فقد تأثرت ايجابيا بمظاهر اليقظة العربية الاسلامية، واستفادت الثورة المسلحة من تضامن العالم العربي والعالم الاسلامي معها تضامنا كان له وزن هام في التأثير على الرأى العام العالمي لصالح القضية الجزائرية. 162 الجريدة الرسمية للجمهورية أولا - البعد الاسلامي للثورة الجزائرية :
ان الثورة الجزائرية، اذ أعتمدت على مقومات الشخصية الوطنية وعلى توظيف التراث، في نفس الوقت الذي وظفت فيه مكاسب العصر لتحقيق أهدافها، قد عبدت الطريق لتحقيق الانسجام بين الاصالة والمعاصرة.
ذلك أن الثورة الحقيقية تندرج تماما في المنظور التاريخي للاسلام لانه في مفهومه الصحيح، لا يرتبط بنوع من المصالح الخاصة، ولا يخضع لاى كهنوت.
ولهذا لا يحق لاى نظام يعادي التحرر، ويحارب الاشتراكية، ولا للاقطاعية، ولا للرأسمالية ان تتخذ الانتماء الى الدين الاسلامى | ذريعة لخدمة مصالحها وقضاء مآربها.
ان أصالة ثورة نوفمبر، والعطاءات التي قدمتها، وتضامنها مع شقيقاتها، كل ذلك يؤكد أن الجزائر تسعى الى أن يكون تفاعلها اليوم مع افريقيا، ومع العالم الغربي والاسلامى، ومع مجموع العالم الثالث، مثلما كان بالأمس تفاعل اسهام خلاق، وعطاء متبادل، ومشاركة دائمة في المحن والانتصارات.
وهكذا يلتقى الماضى والحاضر على تأكيد طبيعة الشخصية الجزائرية، وهويتها الثقافية وتوجهها الانساني.
ان البعد العربي للثورة الجزائرية، مثل بعدها الاسلامى، لا يحتمل أى مدلول ،عرقى، ولا يعنى أي تسلط الجنس، بل هو بعد أنضجه مسار التاريخ، وصنعته رغبة الشعب، وصهره الاسلام .
فقد انتشر الدين الاسلامى أمس، مثلما انتشرت اللغة العربية، بفضل الرغبة الشعبية والمجهودات الجماعية التي كانت ترصد الاوقاف، وتخصص من أموالها حقا معلوما لاجل العلم، رولم يكن هناك أي فرق في بذل هذه الجهود بين الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه المدن والقرى، ولا بين النواحى التي تعرب لسانها، أو تلك التي ظلت تستعمل اللهجات المحلية في تخاطبها .
كما أكد الشعب الجزائرى، في ساعات المحنة، وفترات الغزو الصليبي، وسنوات الاحتلال الفرنسي مثلما أكد بعد استرجاعه للاستقلال وتحقيقه للنصر، أنه عربي الثقافة اسلامي الدين اشتراكي التوجه. على هذا الاساس تتصرف الجزائر، ويتصرف معها الآخرون، وعلى هذا الاساس أيضا صيغت وثائق الحركة الوطنية وبياناتها قبل نوفمبر 1954.
هذا هو الاطار الذى تؤكد فيه الثورة الجزائرية من جديد عزمها على أن تولى الاسلام ما يستحقه من عناية في مسعاها لتحقيق التنمية الوطنية، وتحويل مجموع المنجزات والمشاريع الثقافية المخططة الى قواعد ثقافية متينة متكاملة.
ثانيا - الاسلام والمشروع الثقافي :
ليس هناك أدنى شك في أن الاسلام يقدم لنا في هذا المجال ما نحتاج اليه من حوافز، ويمكن الشخصية الوطنية من التطور في ظل توازن نفسي وروحي يجنبها مخاطر الاستلاب، والانحراف والجمود، اذ هو كعقيدة، وممارسات، وقيم تمجد الفكر، وتحث على الاجتهاد، وتحفز على العمل، وتعطى الاخلاق مفهوما نضالياء أحسن ضمان للانتصار فى معركة البناء والتشييد.
ان الاسلام، اذ يحث على التدبر في آفاق الكون، وفى أعماق النفس، يقيم علاقات متينة بين العبادات والمعاملات، ويجعل الشعائر الدينية تعبيرا ملموسا عن عملية التأمل المستمر والمتابعة الدائمة لما يجرى فى العالم، والحرص المتواصل على تدارك التخلف، وصولا الى ما نطمح اليه من تقدم.
لقد عرفت التجربة الثورية في الجزائر، مثل كثير من التجارب الكبرى فى التاريخ، عددا من :
السلبيات تساعد بفعل محيط جهوي وعالمي غير الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 163 ملائم، على توجيه الانسان نخو اشباع احتياجاته المادية فقط، في حين أن الأمر، في منظور الثورة | الجزائرية، لا يتعلق بتمكين المجتمع من قطف | الثمار الاقتصادية الصرفة للتنمية فحسب، ولكنه يتعلق أيضا، وعلى الخصوص، بتحقيق توازن وانسجام بين الاحتياجات المادية ومطالب الفكر والروح، بصورة تساعد على تكوين مجتمع عارف بشخصيته، معتد بماضيه وتراثه، معتمد على ذاته وامكاناته، متوجه الى مستقبله، مستعين بربه.
ولكي تجد هذه الاتجاهات ترجمتها في مسعى اعداد شباب الغد، يتعين أن توفر له الدولة تعليما عصر يا متفتحا على التقدم العلمي، يهتم بالظواهر التي تحدد التطور المستقبلى للانسانية، بعيدا عن . التقليد الشكلى، كما تضمن له توجيها ثقافيا متخلصا من رواسب الجهل والانغلاق، يشد الشباب الى موقعه الحضاري، ويصله بجذور تاريخيه والقيم الروحية والثقافية لشعبه، وفي هذا الاطار، يجب تدعيم المواد الدينية في برامج التعليم، وتحسين طرائق تدريسها كمواد | أساسية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تكوين اطارات متعمقة في علوم الدين، مسلحة بأدوات العلم والثقافة العصرية مطلعة على التاريخ الحضارى والفكرى للاسلام.
ان هذا المسعى هو الذي يسمح بتوفير وسائل التوجيه الديني المتين، والتثقيف الوطني السليم، والتعليم العصرى الملائم، كما يضمن شحذ اليقظة السياسية، ويتيح الفرصة للفكر أن يجتهد حتى يستعيد مكانه بين علوم الدين مثلما استعاده في علوم الدنيا.
ثالثا تحديات تجب مواجهتها :
ولا يخفى ان تحقيق كل تلك الاهداف لن يخلو من صعاب تجب مواجهتها بحزم وتبصر.
ذلك أن مسيرة التنمية قد أفرزت أنماطا من السلوك تأثرت بمحيط بجانب المدين الصحيح، ويتنافى مع التقاليد والايجابي من العادات، ويستعمل لغة مغالطة تعتبر ذلك مظهرا للحداثة والتعاطى مع العصر.
وقد أفرز ذلك كله ادعاء متطرفا يزعم ان الاسلام مجرد تاريخ مضى، وان الدين لا علاقة له بالثورة، كما تسبب هذا الادعاء في بروز ادعاء متطرف هو الآخر يحصر الاسلام في مجموعة من الشكليات، ويطالب الانسان المسلم بالتزام عدد من المظاهر بعيدة عن الدين الحق، منبطة لاعمال الفكر، معادية للاجتهاد.
ولا شك ان كلا من الادعاءين يتغذى من الآخر، ويحظى بتشجيع جهات تريد صرف الشعب عن تعبئة طاقاته من أجل التغلب على المشاكل الحقيقية التي تعترض طريق تقدمه وخروجه من التخلف.
فليس خافيا أن هناك أكثر من جهة تسعى الى تحويل مظاهر الصحوة الاسلامية الى مجرد مد طقوسي سطحى، بما تطرحه من المشاكل المفتعلة وجزئيات الشعائر. وذلك حتى لا تتضافر قوة الاسلام في مفهومه الصحيح مع ارادة الانتصار على التخلف بكل ما يتولد عنه من زوال سلطان الذين يستمدون قوتهم من انتشار الجهالة، وتثبيت الجمود، وتخدير العقل.
لذلك يجب أن يكون كل واحد واعيا أن التمسك بتعاليم الاسلام لا يعنى الاقتصار على أداء شعائره فالاسلام له مضامين تحث على العدالة الاجتماعية، وتندد بسلطان المال، وطاغوت الثروة المادية. وهذا ما جعل الجزائر تقدم , على الاخذ بالاشتراكية، واثقة انها باقية على تمسكها بالاسلام. ذلك أن الاشتراكية التي انتهجتها ليست مستمدة من مذهب أجنبى حاولت محاكاته أو تقليده، بل هي مستمدة من طبيعة التجربة الثورية الجزائرية، ونابعة من عمق معاناة الشعب من التسلط الاستعمارى والاستغلال الرأسمالي اللذين أنكرا عليه حق الحياة الانسانية. 164 الجريدة الرسمية للجمهورية لقد تبين الشعب الجزائرى أثناء الكفاح مدى التداخل بين النظام الاستعمارى ونظام الاستغلال الرأسمالى، ووجد نفسه يحارب هذا اذ يحارب ذاك ومن هنا لم يتردد فى الاخذ بالاشتراكية، بوصفها طريقا لتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروات الوطنية 6 ومنهاجا يحول دون أن يصير رأس المال بين أيدى فئة محدودة وسيلة للتسلط على الشعب والتحكم في مصيره.
وفي هذا الاطار ينبغى النظر الى التجربة الجزائرية وهى تؤكد تمسكها بالاسلام وتعلن أخذها بالاشتراكية، اذ أن التحليل الدقيق المسار الثورة الجزائرية يكشف عن طبيعتها التي تحركت في عدة اتجاهات : فكانت ثورة على استعمار استيطاني استهدف الجزائر في شخصيتها، وروحها العربية الاسلامية، وحاول أن يؤبد تخلف شعبها، ويستغل خيراتها الى أقصى حد. ومن هنا كانت ثورة نوفمبر ذات محتوى سياسي في مواجهة الاحتلال، وذات طابع ثقافى عقائدي في مسعاها لاسترجاع المقومات الاساسية العربية الاسلامية للشعب، وذات مضمون اقتصادي ،اجتماعي في مواجهة الاستغلال الرأسمالي في أبشع صوره، من جهة، وفي مسعاها حتى تقضى على حلفاء الاستعمار، أي التخلف، والاقطاع، والاستغلال، من جهة أخرى، تحقيقا للعدالة الاجتماعية الحقة التي تضمنتها رسالة الاسلام.
اذن فالتأكيد على التمسك بالاسلام والالحاح على اختيار الاشتراكية ينبع كلاهما من جذور ثورة نوفمبر، وليس مجرد محاولة سياسية لايجاد توازن شكلي بين الاسلام والاشتراكية.
لقد جاء الاسلام بمفهوم رفيع للكرامة الانسانية، يدين العنصرية ، وينبذ النعرة | الشعوبية واستغلال الانسان للانسان. وان المساواة التي يدعو اليها تنسجم وتتلاءم مع كل عصر .
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ولهذا يتحتم على الشعب الجزائري، مثلما يتحتم على كل شعب مسلم أن يعي المكاسب الايجابية فى تراثه الثقافي والروحي، وأن يستوعبها من جديد، على ضوء القيم والتحولات الجارية في الحياة المعاصرة.
وفي هذا الاطار يتعين اعمال الفكر الاسلامي في حل مشاكل العصر، بعيداً عن التقليد الشكلى والقياسات الخاطئة التى تأخذ معايير عهد منقرض وتحكمها في مواجهة مشاكل مستحدثة يتطلب حلها اجتهادا متعمقا.
ان تحقيق هذا المطلب هو الذي يضمن تسليح الجماهير، ويكسبها المناعة اللازمة من أخطار الغزو الثقافى الذى يتخذ أشكالا عديدة مغرية، يتسرب عبرها الى نفسيات الناشئة، ويؤثر في عقول الشباب.
ذلك هو الطريق لتأصيل الصحوة الاسلامية ومواجهة التيارات الفكرية الاجنبية، مواجهة ناجحة، تسمح بالتمييز بين المفيد منها فيؤخذ، والضار فيها فيرفض، بفضل التثقيف المتفتح والاجتهاد المعمق، والدراسة المتبصرة. وبذلك تتمكن الجزائر من مجابهة التحدى الذي يطرحه العصر، وتحقق الاستجابة الموفقة في حل مشاكله دون أدنى نيل من مبادىء الاسلام الاساسية.
ان كل شعب مسلم مدعو في هذا العصر، عصر التحولات الاجتماعية الحاسمة الى تقويض أركان الإقطاعية، والقضاء التام على جميع أشكال الاستبداد والجهل.
و بذلك يزداد ادراكه بانه حين يعزز كفاحه ضد الامبريالية، ويسلك طريق الاشتراكية بكل ؛
حزم ، سيقوم على أحسن وجه بما تفرضه العقيدة الاسلامية من واجبات، ويكون قد قام بواجبه نحو ربه، ونهض بما يجب تجاه وطنه، والتزم الوفاء لتاريخه، وعبد الطريق السوى للقادم من الاجيال.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 165 الفصل الثاني بناء المجتمع الاشتراكي ان الاستقراء الدقيق للمراحل التي مرت بها : الثورة الجزائرية يبين أن اختيار الاشتراكية منهاجا لتحقيق التنمية وضمان التوزيع العادل لثروات البلاد، لم يكن اختيارا تعسفيا، ولا فكرة مستوردة فرضت على الشعب فرضا، بل انها مرتبطة ارتباطا قويا بمسيرة الكفاح من أجل التحرير الوطني، ومتلائمة تلاؤما تاما مع دعوة الاسلام الى تحقيق العدالة الاجتماعية.
فالاشتراكية فى الجزائر لا تصدر عن آية فلسفة مادية، ولا ترتبط بأى مفهوم غريب عن المسار الفكرى، والاجتماعي والروحي للشعب الجزائري، بل انها مجرد وسيلة لانجاز المطامح الشعبية الواسعة والحيلولة دون احتكار الثروة من طرف أقلية محدودة.
ذلك أن التحرير الوطني والتحرير الاجتماعي أمران متلازمان. لان الرفض القاطع للاستعمار | يفضي حتما الى رفض الرأسمالية. وعندما تدرك الجماهير ان الاستعمار والرأسمالية مرتبطان أشد الارتباط، وان أحدهما ما هو الا انعكاس للآخر، عندئذ تنشأ الظروف التي تجعل الوعى الوطنى يتحول الى وعى اشتراكي.
ولقد اكتسى الاستعمار في الجزائر، بحكم طابعه الاستيطاني، صورة اضطهاد مطلق كاد أن يؤدى الى ابادة الشعب. وقد أسفر ذلك عن تدمير الدولة، وتقويض البنيات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، وتصفية الفئات الحاكمة التقليدية والعناصر المستنيرة في المجتمع، مما أدى الى تجريد الشعب من ممتلكاته، وتشريده عن أراضيه، وتشديد الخناق عليه باستمرار.
ان المجتمع الذى ينزل به الاستعمار الى الدرك الاسفل من العيش، ويجعل أفراده سواسيه | في الشقاء، وتكون الطبقة الحاكمة فيه ليست متمثلة في البورجوازية الوطنية، التي أضعفها الاستعمار، بل متمثلة في بورجوازية أجنبية طاغية، مثل هذا المجتمع لا بد أن تتخذ فيه الحركة الوطنية دورا اجتماعيا لا مثيل له، وعندئذ يصبح الاستقلال ليس مجرد نقل للسيادة، بل يعنى التحول الشامل للجتمع.
فمنذ السنوات الاولى لثورة التحرير أخذت الافكار المتعلقة بالتحرر الاجتماعي تتبلور في الضمير الشعبي، اذ سرعان ما ارتفعت في ميادين القتال شعارات الارض لمن يخدمها»، «الاستقلال ليس مجرد راية». وان الجماهير الشعبية، فلاحين وحرفيين، وعمالا، وتجارا صغارا، ونساء، وطلبة قد فرضت، بتحملها كل أعباء الكفاح، طابعها على جبهة التحرير وجيش التحرير الوطني.
ان انهيار البنيات الاقتصادية الاستعمارية بفضل كفاح الشعب الجزائرى، وجلاء الاقلية المستعمرة بصفة جماعية قد مكنا الجماهير من فرصة التعبير عن مطامحها الاجتماعية بكيفية ملموسة. ومن هنا نشأ القطاع الاشتراكي.
ان القيادة الثورية التي انبثقت عن حركة 19 جوان 1965، بتبنيها لمطالب الجماهير الاساسية وبلورتها لها، قد مكنت الامة من تحقيق وثبة حاسمة، عندما عجلت بنزع الطابع الاستعماري عن الاقتصاد، وشرعت في اقامة بنيات اشتراكية متينة. وهكذا فان الاسترجاع المنهجي للاراضي والمناجم، والمحروقات، والتجارة الخارجية والبنوك وشركات التأمين، ووسائل النقل والاملاك العقارية الشاغرة، وكل الشركات الاجنبية، قد وضع بين أيدى الامة جميع المقاليد الاقتصادية.
فكل انتصار أحرزته الجزائر على الاستعمار الجديد كان دعما للاقتصاد الوطني، وانتصارا للاختيار الاشتراكي في الوقت نفسه. ثم جاء تطبيق الثورة في المجال الزراعي عام 1972، فكان اجراء ثوريا لتعميق هذا الاتجاه وتثبيتا له. 166 الجريدة الرسمية للجمهورية من هنا يتبين أن الثورة الجزائرية، حين تأخذ بالنهج الاشتراكى لتحقيق التنمية بأسلوب علمي لا تتجاهل الحياة الروحية، بل توليها أولوية بالغة .
فالاشتراكية في الجزائر ترمى أساسا الى تحقيق أهداف ثلاثة :
I دعم الاستقلال الوطني 2 اقامة مجتمع متحرر من استغلال الانسان | - للانسان 3 ترقية الانسان، وتوفير أسباب تفتح - شخصيته وازدهارها.
وقد كان على الثورة أولا أن تدعم الاستقلال الوطني، وذلك بتصفية كل أشكال النفوذ الامبرايالي، والاستعمار الجديد، والعمل بكل جد للنهوض بالمهمة التاريخية التي تتمثل في التنمية، اذ ليس هناك مجال لتقدم اقتصادى حقيقى بغيرهما، بل لا تستطيع أية أمة أن تستكمل عناصر وجودها وبقائها الا بتحقيق هذه التنمية.
ولكي تكون التنمية منطقية ومنسجمة، لابد أن تكون شاملة، تقوم على تقبل الجماهير لها، وتستهدف خدمة هذه الجماهير، وهذا يستلزم تصورا حقيقيا يجسد الديمقراطية الاشتراكية 6 | ويبتعد كليا عن الاشكال الصورية للديمقراطية.
أولا - من الثورة الديمقراطية الشعبية الى بناء الاشتراكية :
ان الاشتراكية في الجزائر تعميق لثورة الاول مع نوفمبر 1954، ونتيجة منطقية لها. فقد تحولت ثورة التحرير الوطنى ضد السيطرة الاجنبية الى ثورة ديمقراطية شعبية ذات مضامين ثلاثة تتمثل في مناهضة الامبريالية، ومحاربة الاقطاع وتحقيق المضمون الشعبي.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه فأما البعد الخاص بمناهضة الامبريالية، فانه يتعلق بتصفية الاستعمار القديم والجديد. كما يتعلق ، من ناحية أخرى بتحقيق استقلال فعلى بكل ما يتطلبه من مقومات سياسية، واقتصادية ودبلوماسية وعسكرية، وثقافية.
واما المضمون الخاص بمحاربة الاقطاع وتأمين البعد الديمقراطى فانه يتعلق بتصفية بنيات ما قبل الرأسمالية، بكل جوانبها العتيقة البالية الرجعية، وخاصة الهياكل القبلية، والنظام العشائري، والبنيات شبه الاقطاعية التي تعمل على ابقاء أنماط معينة من العيش، وتحافظ على العقليات المتخلفة المتسببة فيها. وان مهمة الثورة لا تنحصر فى القضاء على كل هذه الرواسب فحسب، بل تعمل أيضا على الحيلولة دون عودتها.
فالامر يتعلق أساسا بجعل الانسان الجزائري مواطنا واعيا في مجتمع عصري.
واما المضمون الشعبى للثورة الديمقراطية فانه يتلخص في شعار «الثورة من الشعب والى الشعب»، اذ ان مفهوم كلمة «الشعب»، يجب أن ينصرف الى الجماهير الشعبية وليس الى فئة اجتماعية محظوظة قد تستحوذ على السلطة لفرض سيطرتها.
وقد أحرزت الثورة الديمقراطية الشعبية في الجزائر انتصارات حاسمة، اذ تمت بالفعل عملية اعادة البناء الوطنى التي تتمثل في بعث دولة منظمة ذات سيادة تتحكم في مصيرها، وفي تخليص التراب الوطنى من كل احتلال اجنبي، وفي تطوير متواصل للاقتصاد الوطنى بعد تحريره مع التبعية الاستعمارية، وفى ارساء قواعد نهضة ثقافية قائمة على عناصر الشخصية الجزائرية :
المستعادة.
وهكذا أصبح الشعب حرا يسير على درب الرقى، ويسعى الى تحقيق الاتجاه الشعبي، وتدعيم بنياته حسب مقاييس دقيقة، وتعزيز المكتسبات الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 167 الثورية، وتنظيمها في اطار مبادىء ومؤسسات | تجعل طابعها الاشتراكي أمرا لا رجعة فيه.
ان المسار الاشتراكي فى الجزائر، لم يتحقق دفعة واحدة وبكيفية متناسقة، بل تبلور تدريجيا عبر وثبات متعاقبة.
وقد برهنت تجربة المرحلة المنصرمة من حياة الثورة على أن المضمون الديمقراطي الوطني والمضمون الاشتراكي هما أمران متلازمان، بحيث أن كلا منهما ليس الا تعميقا مستمرا للآخر.
وأصبح من المستحيل اليوم الفصل بين ما يعود للتشييد الوطنى، وما يعود للتشييد الاشتراكي. وهذان المفهومان يتطابقان اليوم أكثر من أي وقت مضى، اذ لا يمكن أن تقوم مهام البناء الوطنى بمعزل عن الاختيار الاشتراكي.
ثانيا - الاهداف الاساسية لبناء الاشتراكية :
1 - القضاء على استغلال الانسان للانسان :
يتم تطبيق هذا المبدأ عن طريق تحقيق اشتراكية وسائل الانتاج. وقد أفضى هذا المسعى الى اقامة قطاع عمومي مالبث أن أصبح هو القاعدة الاساسية التي يقوم عليها بناء الاشتراكية في الجزائر.
فاذا كانت الاراضى الموجودة في حوزة المعمرين قد استردها عمال الارض غداة الاستقلال، فان الشروع في ارساء الاسس المادية للاشتراكية قد وقع ابتداء من عام 1966 باسترجاع المناجم، وقطاع البنوك وشركات التأمين، والتجارة الخارجية، وقطاع النقل.
وقد حقق الاسترجاع المنهجى للثروات الوطنية الاخرى قفزة نوعية كبرى أثناء معركة البترول في 1971، فتحت المجال لانجاز برنامج واسع للتصنيع تم وضعه في اطار منظور اشتراكي كما سمح قيام قطاع عمومي اشتراكى الطابع بتطوير وعي الجماهير الشعبية، ومكن الطليعة الوطنية الثورية من بلورة فكر شورى يستمد أصوله من الفكر الوطني الجزائري الذي فجر ثورة نوفمبر وأخذ يتحول جدليا الى فكر اشتراكي.
ومن الواضح أن تحقيق اشتراكية وسائل الانتاج بفضل القطاع العمومى يطرح قضية الملكية الخاصة ووظيفتها الاقتصادية والاجتماعية.
والواقع أن مكانة القطاع الوطني الخاص ودوره يتحددان على ضوء المبدأ القائل بأنه لا يجوزا أن تتحول الملكية الخاصة الى مصدر للسيطرة الاجتماعية، كما لا يجوز أن تتخذ ذريعة لجعل العلاقة بين المالك والعامل قائمة على أساس الاستغلال. فالملكية الخاصة مسموح بها في حدود تجعلها لا تلحق أي ضرر بمصالح الجماهير الكادحة ولا تعرقل تطور المجتمع نحو الاشتراكية.
ان الاشتراكية تعترف بالملكية الخاصة غين المستغلة، وتدمجها في التنظيم الاجتماعي، وفي المخططات التنموية. وتشمل هذه الملكية غير المستغلة كل ما يتعلق بالاستعمال الفردى والعائلي وكذلك وسائل الانتاج والخدمات التي تؤدى دورا مفيدا في تنمية الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فان البناء الاشتراكي، وان بلغ درجة متقدمة جدا، يبقي القطاع الخاص غير المستغل، ليس عن اختيار ظرفي، ولكن لاختيار ايديولوجي، وهو ما يستلزم القيام بعمل سياسي مكثف لجعله حليفا للثورة. وينبغى، في هذا المجال التمييز بينه وبين القطاع الخاص الطفيلي الذي يرتبط بمصالح شركات الاستعمار الجديدة والاحتكارات، والرأسمالية الاجنبية ويشكل خطرا على الاشتراكية وعلى كل تنمية اقتصادية مستقلة في البلاد.
ان الملكية الخاصة غير المستغلة اذ تساهم في عملية التنمية الشاملة، وفي دعم الاستقلال الوطني الكامل، تخضع للنظام الجبائي وسائر القوانين الاجتماعية ورقابة الدولة. 168 الجريدة الرسمية للجمهورية
2 - تغيير العلاقات الاجتماعية :
ان الاشتراكية في الجزائر، لا تكتفى باستعادة الثروات الوطنية التي استلبتها الاحتكارات الاجنبية وبوضع وسائل الانتاج بين ايدى الجماهير، ولكنها ترمى كذلك الى خلق وسائل جديدة عن طريق تعبئة كل القوى المنتجة في البلاد، لاستثمار الثروات الوطنية، واتباع سياسة جريئة في التصنيع، وتحديث الزراعة، وتكوين مكثف للإطارات.
ولذا فان الاشتراكية لا تنادى بالتنمية فحسب، بل هي روحها ومحركها، وهي اذ تضع التنمية في منظورها التاريخي الصحيح، أي في اطار التحرير الشامل للمجتمع، تعمل على توفير الشروط اللازمة لنجاحها.
وهكذا يتأكد أن التخطيط هو الاداة المثلى لتوجيه الاقتصاد والسير به في طريق الديمقراطية، وانه الوسيلة الفعالة لتوزيع عادل لثمار التنمية وأعبائها.
ان الاشتراكية تعيد لعمل الانسان كامل اعتباره، وذلك بالقضاء على القواعد الموضوعية للاستغلال، وبتحرير القوى المنتجة، لانها تعتبر العمل العنصر الاساسى للانتاج والتراكم، والمنبع الرئيسي لكل تقدم اجتماعى، والمصدر الحقيقى للثراء الاقتصادى. وبما أن المجتمع الاشتراكي قائم على أساس العمل، فهو يقضى جذريا على التطفل، والفراغ، وعلى الكسل، والاهمال، وروح الاتكال لدى الانسان، والاعتماد على الدولة.
فالاشتراكية لا تجعل من العمل حقا فحسب، بل تجعل منه أيضا واجبا وشرفا، كما أن الكرامة وترتبط أشد الارتباط بالعمل الذي يعطى الانسان قيمة في المجتمع.
وانطلاقا من مبدأ المساواة بين الجنسين، فان الثورة الجزائرية تؤكد مكانة المرأة فى الاسرة | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه والمجتمع، وتعتبر مساهمتها في الانشطة الاجتماعية والانتاجية ضرورة للنهوض بالبلاد.
ان المكافأة على العمل يجب أن تأخذ في اعتبارها الكم والنوعية على السواء، لان في ذلك مجازاة على الجهد المبذول، وحفزا على المبادرة وتشجيعا على الانتاج.
ذلك ان الاشتراكية ترفض المساواة الشكلية التي لا تأخذ بعين الاعتبار ما يمتاز به عامل عن آخر بفضل مواهبه وحسن استعداداته الشخصية حتى لا تكون هناك مكافأة على العمل الردىء.
ثالثا - الاولوية لتلبية الحاجات الاساسية للجماهير الشعبية.
يجب أن تلبى الاشتراكية الحاجات الاساسية للجماهير الشعبية، وذلك بالقضاء على الظلم والاستغلال، وبرفع شأن العمل. فغايتها الرئيسية اذن هى أن تضمن لكل مواطن، في مرحلة أولى، نمطا من الاستهلاك يتجاوب ومقاييس العيش الكريم.
وعندما تلبى الحاجات الاساسية للجماهير يصبح فى امكان جميع الجزائريين أن يرتفعوا تدريجيا الى مستوى حياتى أفضل، بفضل النمو الاقتصادي المتزايد.
ومن جهة أخرى فان تأمين أسباب العيش لمن لا يقدر على العمل بعد، أو عجز عن العمل مؤقتا أو نهائيا، هو بالنسبة الى الجزائر الاشتراكية من أوكد الواجبات، لذلك يتحتم عليها أن تقضى بصفة جذرية على الآفات الاجتماعية التي تجبر الانسان على اهدار كرامته بسبب لقمة العيش. ورغم أن هذه الاستثمارات ذات الطابع الاجتماعي تشكل عبئا ثقيلا، فانها بدون شك، تعد من أهم عوامل التنمية .
رابعا تحرير الفرد وترقيته باعتباره مواطنا مسؤولا :
ان الاشتراكية في الجزائر لا يمكنها بحال من الاحوال أن تهمل المهام الديمقراطية الوطنية التي الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 169 تتضمنها الثورة الديمقراطية الشعبية. وهي مهام دائمة يتعين أن تكون الشغل الشاغل للاشتراكية.
وان تصفية هياكل الاستغلال الموضوعية والاستجابة للحاجات الاساسية للجماهير هما شرطان ضروريان للتنمية الاشتراكية، الا أنهما غير كافيتين، لان التشييد الاشتراكى يتطلب من القوى الاجتماعية للثورة التزاما واعيا ومقدرة سياسة عالية .
ولا شك أن الانجاز اللائق لهذه المهمة يتطلب من الحزب، ومنظماته الجماهيرية، وتنظيماته العلمية والثقافية والمهنية، مجهودا مكثفا لدعم | الوعى الاشتراكى لدى هذه القوى وتلقينها روح الانضباط الجماعي، والسلوك الاشتراكي. وهكذا سيذوب تدريجيا التناقض الذي مازال باقيا في مستوى الوعى بالعلاقات الجديدة للانتاج. لقد قامت الثورة الجزائرية على أساس المبادرة الخلاقة للجماهير الشعبية. ويجب أن يستفيد التشييد الاشتراكي من هذه التجربة ويطورها بكيفية كاملة.
خامسا - القوى الاجتماعية للثورة :
ان النجاح في تطبيق مبادىء الاشتراكية يستلزم معرفة تامة بالقوى الاجتماعية المتفاعلة في الميدان، وبطبيعة العلاقات القائمة بينها. وهذا يقتضى وجود استراتيجية للثورة قائمة على المعطيات الملموسة للمجتمع.
والواقع ان المجتمع الجزائرى يتميز اليوم | بتحولات كبيرة. فالجماهير الشعبية، من عمال وفلاحين، قد أخذ يتسع دورها الاقتصادي والاجتماعي، وتزداد أهمية وزنها السياسي، بفعل التغييرات البنيوية التي أحدثتها الثورة. ومن ناحية أخرى، هناك نزعة بورجوازية جديدة، برزت على الخصوص من خلال المحاولات ذات الطابع المصلحي المتصل برأس المال الاجنبى وهى محاولات لا يجوز بحال من الاحوال أن يستهان بما لها من نشاط سياسي وايديولوجي.
فعلى الثورة فى المرحلة الراهنة، أن تحتمى من خطرين يهددانها، ويخدمان مناورات الرجعية وهما :
I سوء تقدير الكفاح الايديولوجي الذي قد يؤدى الى اللامبالاة والتخاذل بما يترتب عليه من أمراض عديدة لا تقل خطرا عن الانتهازية.
والاحترافية، والتراخي. 2-2 النزوع نحو الرعاعية واليسارية المتطرفة التى تتمثل في الديماغوجية، وعدم الصرامة في المبادىء والرفض المطلق لكل سلطة، وتلاشى روح المسؤولية.
أما القوى الاساسية للثورة فهي العمال والفلاحون، والجنود، والشباب، والعناصر الوطنية الثورية.
وان هذه العناصر الوطنية الثورية النابعة من أصول اجتماعية مختلفة، والمتمثلة في مناضلي اللحظات الاولى والمجاهدين، التي انصهرت في صفوف جبهة التحرير الوطنى وجيش التحرير الوطني قد تابعت منذ الاستقلال مهمتها في نطاق الحزب والجيش الوطني الشعبي، أو في الاجهزة الاخرى للدولة.
وقد ارتقت هذه العناصر، على غرار الثورة نفسها، من موقف مناهضة الاستعمار الى موقف مناهضة الامبريالية، ثم الى الموقف الاشتراكي.
وهذه النواة الوطنية الثورية هي التي شرعت في تحقيق التنمية الاشتراكية للبلاد، وتواصل، بمعية القوى الاجتماعية الاخرى للثورة، توجيه مصيرها .
وانها لتضطلع بوصفها قوة ذات نوعية هامة للثورة تعبر عن استمراريتها وروحها المبدعة، بدور طلائعي من أجل بروز فكر وطني تقدمي اشتراكي.
ان تعزيز التحالف بين العمال، والفلاحين والجنود والشباب، والعناصر الوطنية الثورية سيكسب الثورة مناعة تامة، ويمكنها من أن تتقدم بكل ثبات في طريق الاشتراكية. 170 الجريدة الرسمية للجمهورية وسيحصل هذا التحالف بقيادة حزب جبهة التحرير الوطنى، التنظيم الوحيد القادر على السير بالنضال الايديولوجى السياسي الى مداه الكامل من أجل تحويل العقليات وتعزيز الوعى الاشتراكي.
وبفضل مثل هذا النضال تستطيع الثورة أن تتجاوز التناقضات التي قد تنتج عما تشهده البلاد من تطور وتقدم في طريق الاشتراكية.
الفصل الثالث المحاور الكبرى لبناء الاشتراكية واجهت الثورة الجزائرية فور نجاحها في استرجاع الاستقلال وضعية تتحكم فيها تحولات عميقة أحدثتها ثورة التحرير، ومخلفات استعمار شرس كان قد استهدف خلال قرن وثلث قرن القضاء على الكيان الجزائرى ومحو مقومات الشخصية الوطنية.
وزادت الوضعية خطورة آثار التدمير الاستعماري على امتداد سبع سنوات ونصف من حرب وحشية الاسلوب، عنصرية الطابع ابادية التوجه .
من هنا كان على الشعب الجزائرى ان يخوض بعد الاستقلال معركة شاقة كانت أشد تعقيدا من معركة التحرير، نظرا لان العدو في معركة البناء لم يكن واضحا بصورة دائمة للجميع مثلما كان الامر في مواجهة الاستعمار مباشرة.
لذلك كان مطلوبا من حزب جبهة التحرير الوطني أن يقود معركة جبارة لتحقيق تحول اقتصادي و اجتماعي جذرى، وتغيير البنيات الثقافية وطرق التفكير.
ذلك أن ثورة نوفمبر 1954 ، اذ تنبع من المسار التاريخي للشعب الجزائرى، وتستلهم منه قيم النضال والصمود والتحرر، تفرض التخلص من الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه جميع أشكال الاستعمار ومخلفاته وكل الاشكال الجديدة التي قد يختفى وراءها لخدمة مصالحه وتأمين هيمنته.
وفي هذا الاطار، تحددت الخطوط الكبرى والاتجاهات الاساسية لمسعى التنمية في منظور الثورة الجزائرية. فالقوى الاجتماعية التي صهرتها ثورة التحرير قد ألزمت حزب جبهة التحرير الوطنى بانتهاج استراتيجية تنموية تتحكم في توجيهها المبادىء التالية : 4 I استخلاص العبرة من طبيعة ثورة التحرير، وحجم التضحيات التي استلزمتها، وعمق التحولات التي احدثتها. 2 احترام المقومات الاساسية للشخصية الوطنية الجزائرية. 3 اخضاع خطط التنمية لمتطلبات السيادة الوطنية الحقة.
وهكذا اختارت الثورة الجزائرية النهج الاشتراكي من أجل تحقيق التنمية الشاملة، بوصفه وسيلتها المفضلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
ان استراتيجية التنمية التى حددتها الثورة الجزائرية تعتمد لتحقيق غاياتها الاجتماعية والاقتصادية، على ما يأتي :
التنفيذ المنسجم والمخطط لكبريات - الاهداف الاستراتيجية الرامية الى تدعيم الاستقلال الوطني.
- اقامة الاسس المادية لاقتصاد مستقل متحرر من القيود الموروثة عن النظام الاستعماري قادر على تجاوز العراقيل الهيكلية المتولدة عن التخلف.
تهيئة الظروف التي تساعد على رقى - اجتماعي يتيح الترقية للفرد والازدهار للمجتمع .
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 171 وهكذا يتبين أن كلا من مفهوم التنمية | و مفهوم الاستقلال الاقتصادى يندرج حقا ضمن آفاق التحول الاجتماعي الواسع الذى يتلاءم مع مطامح الشعب، ويحقق أهداف الثورة في الامدين المتوسط والبعيد.
ولقد كان على حزب جبهة التحرير الوطني أن يخوض هذه المعركة على واجهتين متساويتين من حيث الخطورة، احداهما خارجية من أجل | القضاء على مخلفات الاستعمار في كافة المجالات والثانية داخلية تتمثل في تهيئة الشروط الضرورية لحسن استعمال الموارد الوطنية، بعد تحريرها من التبعية الاجنبية، وفى وضع هياكل اقتصادية ثابتة تسمح بانطلاق عمليات التنمية في عدة اتجاهات، دون قيد من الخارج، أو قصور من الداخل.
ومن الواضح ان تحقيق النصر في هذه المعركة يتطلب ارادة سياسية مصممة وتخطيطا علميا يرتكز على وعى الجماهير وتعبئتها فى المدن والأرياف، وعلى الثقة فى القدرات الوطنية | وحسن استخدامها.
ان الوصول بهذا المسعى الى مداه الكامل يتطلب العمل في آن واحد حسب الاتجاهات الاساسية والمحاور الكبرى الآتية :
أولا – مهام الثورة الجزائرية في المجال الثقافي :
ان تحقيق الثورة في المجال الثقافى يتطلب التكفل بعدد من المهام في ميادين التربية والتعليم والتكوين من جهة، وفى كل ما يتصل بتكوين الانسان سياسيا، وتربيته خلقيا، واعداده اجتماعيا من جهة أخرى.
ذلك ان تكوين الانسان سيظل هو الشغل الشاغل للثورة، فالانسان في النهاية هو غاية الثورة ووسيلتها في الوقت نفسه. ومن هنا تكتسى عملية تثوير المجال الثقافى أهمية كبرى، اذ هى التي تضمن التخلص من أصناف الاستلاب، وتعيد | التوازن للشخصية الوطنية عن طريق تعزيز مقوماتها الاساسية، وتمكينها من النمو بعيدا عن المسخ والتشويه والمحاكاة.
صحيح ان ثورة التحرير والمراحل التي قطعتها ثورة البناء حتى الآن قد أدخلت على هذا المجال تحولات ثورية على غاية كبيرة من الاهمية.
لكن استمرارية الثورة وتأمينها ضد أخطار الانحراف والجمود يتوقفان على تحقيق عدد من الاهداف التي تتحكم في توجيه الانسان.
ان تمكن الثورة من المجال الثقافي يعنى في منظور ثورة نوفمبر، العمل، قبل كل شيء، على 1 صيانة الشخصية الوطنية وهوية الشعب الجماعية كما يعني قيام مجتمع متوازن يضمن للمواطن الاتصال الضرورى بجذوره دون أن يفقد الصلة بواقع التقدم في عصره.
ذلك هو شرط ازدهار الشخصية الوطنية متصلة بثقافة العصر التقدمية، ويتعلق الأمر هنا بتأكيد اتصال الشعب الجزائري بتراثه التاريخي الحضارى والمراهنة على قدرة التكيف لديه حتى يتماشى مع التفتح على التقدم، ويكتسب ما يلزم لذلك من علوم ومهارات وتقنيات..
ولا حاجة الى الالحاح على أن تثوير المجال الثقافي يعنى احداث تغيرات عقلية وفكرية عميقة، عن طريق ترقية المواطن ثقافيا وعلميا، والسهر على استمرار تكوينه السياسي وتسليحه ضد أخطار الانحراف وأصناف الفساد والامراض الاجتماعية.
ان المطلب الاساسى المراد تحقيقه في هذا المجال هو تكوين مواطن صالح متشبع بأخلاق الاسلام، مؤمن بقيمه السامية، معتز بتاريخه، مقتنع بضرورة النهج الاشتراكي لتنظيم الجهد وتوزيع ثمار التنمية بصورة عادلة، فذلك هو طريق الثورة الجزائرية لتكوين انسان جديد يساهم في تجديد مجتمعه، معترفا بماضيه منسجما مع عصره، متمثلا المبادىء ثورته. 172 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وتتمثل الادوات الاساسية اللازمة لتحقيق هذه وفى حلها على أساس تقدمى يضمن الانتصار في الغاية في الدعائم التي ترتكز عليها الشخصية الوطنية، وهي الاسلام، واللغة الوطنية، والتراث التاريخي، والاختيار.
الاشتراكي.
وعلى الرغم من الانتصار الضخم الذى أحرزته ثورة التحرير، عندما استعادت الاستقلال | الوطني، ووفرت شروط انبعاث سليم للشخصية الوطنية، فان الخطر الذى يتهددها لم يزل بزوال الاستعمار. فالشخصية الوطنية ما تزال تواجه | أخطار غزو يتمثل في سلبيات عدد من الثقافات الاجنبية ترفد معها مفاهيم وأفكارا تخدم الاستعمار الحديث، وتساعد على تهيئة مناخ ملائم لعودة الاقطاع، وانبعاث الرجعية، فضلا على نشر أنماط من السلوك وعادات استهلاك لا تتلاءم مع الايجابي من العادات الشعبية، ولا تنسجم مع متطلبات النهوض بمجتمع حر، وبناء اقتصاد مستقل.
بهذا التصور تسعى الثورة لتغيير المجال الثقافي مع صيانة الشخصية الوطنية من مخاطر الاستلاب، ودعم أهم مقوماتها، وهى الاسلام واللغة الوطنية، والتراث التاريخي، والدفاع عن الاختيار الاشتراكي. ان الاسلام يشكل القاعدة الاساسية لوحدة الشعب الروحية والثقافية | واللغوية، في نفس الوقت الذي يشكل فيه سدا منيعا تتحطم في مواجهته كل محاولات المسخ والاستلاب.
ان الاسلام، اذ يشكل أحد المكونات الاساسية الدينى للشخصية السليم، الوطنية والثقافة الجزائرية، الاسلامية يطرح قضية الصحيحة كجزء التثقيف لا يتجزأ من عملية التحرر الثقافي. لهذا يتحتم على الثورة الجزائرية أن تعنى بالثقافة الدينية الاسلامية لا بوصفها عبادات وشعائر ومناسك، فقط، ولكن أيضا كفلسفة ومواقف، ولاسيما بوصفها فكرا متطورا يجعل من الاسلام قوة دافعة تساهم في تناول مشاكل العصر تناولا جديدا معركة الوجود وفى معركة التنمية على السواء. -1 اللغة الوطنية :
وفي هذا المنظور، فان اللغة العربية، التي هي اللغة الوطنية، عنصر أساسى للشخصية الوطنية للشعب الجزائري. لهذا فتعميم استعمالها هو احدى المهام الاساسية للجتمع الجزائري في مجال التعبير عن مظاهر الثقافة، ومختلف مجالات النشاط الوطني، وعن ايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني. وان الجزائر، باستعادتها توازنها من خلال التعبير عن ذاتها الوطنية بالاداة الاصلية المشروعة، لمدعوة الى الاسهام في اثراء الحضارة الانسانية، في نفس الوقت الذي تستفيد فيه من عطاءاتها.
ان تعميم استعمال اللغة الوطنية المرتكز على الرغبة الشعبية لم يفتأ يحقق من يوم الى آخر تقدما مرموقا ويسمح لقطاعات واسعة، خاصة الشباب، ان تكتشف نفسها من خلال استعمالها للغة الوطنية. وهذا يعنى، موضوعيا، مكسبا واسع المدى، بقطع النظر عن ميزته المشروعة. وذلك :
يستجيب عمليا لاحد المطامح الاساسية التي كان يصبو اليها الشعب الجزائرى أثناء الاحتلال :
الاجنبى. كما يساعد في نفس الوقت على تهيئة | محيط ثقافي ونفسي، من شأنه أن يكمل عملية تعميم استعمال اللغة الوطنية في أجهزة الدولة .
والحزب، والمنظمات الجماهيرية، والمؤسسات الاقتصادية، وذلك بما تتخذه من تدابير ملائمة.
ومن هنا، وبمساعدة مبادرات القيادة السياسية الرامية الى التعجيل بالانجاز المنهجي لهذا المشروع العظيم، يتجسد تعميم استعمال اللغة الوطنية في العمل، والتعليم، والثقافة. وهذا هدف يتطابق ضمن أهداف أخرى مع صيانة جميع المقومات الاساسية لشخصية الشعب الجزائري.
ان مسعى استعادة اللغة الوطنية لمكانتها | وتطويرها لا يمنع من التشجيع على اكتساب اللغات الاجنبية، لان المثل الاعلى الذى ترمى الثورة الى الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 173 تحقيقه في هذا المجال هو الحفاظ على الاصالة مع التفتح اللازم للاستفادة من ايجابيات الثقافات الاخرى، والحرص على تمكن المواطن من لغته الوطنية التي تبقى لها الاولوية والصدارة في نفس الوقت الذي يكتسب فيه لغات أخرى. ذلك ان الاطلاع على الثقافات العالمية، بعد التمكن من اللغة الوطنية، يتيح الاتصال الايجابي بالخارج للاستفادة من الابداعات التي يحققها الغير في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
وبذلك تكتسب اللغة الوطنية مزيدا من القدرة على التعاطى مع العصر، وتستعيد تدريجيا دورها كأداة عالمية تنقل الحضارة، وتنشىء الثقافة، وتتمثل العلوم والتكنولوجيا وتساهم من جديد في خدمة الحضارة الانسانية. 2-2 التربية الوطنية :
تحتل اعمال المنظومة التربوية مكانه أساسية في عملية ادخال الثورة الى المجال الثقافي. فالتربية الوطنية هي حجر الزاوية فى أى بناء محكم وهي التي تتحكم فى تكوين الانسان، وتوجيهه، وتربية ذوقه، وحسه المدني، وشعوره الوطني.
من هنا يتعين تمكين الوظيفة التعليمية والتربوية من تجديد قيمتها، ورفع مستواها، وتصحيح مكانتها، وتحسين مناهجها، وتطوير برامجها، واعداد ما يلزم لذلك من كتب ومعلمين وأساتذة. وينبغي ان يستمر الحرص على تحسين المستوى الثقافى لدى رجال التعليم ومحاربة مظاهر النقص في الضمير المهنى والسلوك الاخلاقي.
ان تنظيم البحث التربوى الجاد في جميع المؤسسات المتخصصة للنهوض علميا بالوظيفة التربوية وتحسين المحتوى التربوى الذى ترتكز عليه، سيظلان مطلبين ملحين تسعى الثورة لتحقيقهما رغم الصعاب التي تواجهها في هذا الميدان بفعل تضافر تعميم التعليم مع نمو ديموغرافي مفرط.
ان التربية باعتبارها القاسم المشترك لمختلف أصناف الثقافة ولاسباب عديدة أخرى تلتقى فى الاساس مع الايديولوجيا، والعلوم والآداب والفنون، والهوية الوطنية المسترجعة في اطار تعميم استعمال اللغة الوطنية والوعى بالتاريخ الوطني.
في ضوء هذا التصور، يبرز دور المدرسة وتتأكد أهمية معاهد التعليم والتكوين، وتبرز ضرورة الحرص على رفع مستواها وتحسينها النوعي. فالمدرسة ليست مجرد جهاز روتيني مهمته تلقين المعارف بصورة شبه آلية، بل هي أداة حاسمة وقيمة فعالة لتحقيق تحول ثقافي عميق .
وهذا بالضبط ما تهدف الثورة الجزائرية الى تحقيقه من خلال المدرسة الاساسية التي تريدها متفتحة على التقدم والعالم العصرى، مع ربطها بالحقائق الوطنية ومتطلبات التنمية الشاملة.
ان التربية الوطنية لا تكتفى بتكوين الفرد للقيام بوظيفة معينة فقط، بل تعده، زيادة على ذلك، ليكون مواطنا يتفاعل مع اهتمامات شعبه، ويعي متطلبات النهوض بوطنه، ويقدر التحديات التي تواجه ثورته.
وهذا يفرض على المنظومة التربوية أن تتكفل بالتعليم الديني والتكوين الاخلاقي والسياسي، وتعزيز التربية المدنية بالروح الاسلامية والثقافة التاريخية، مع تغذية الاقتناع بضرورة الاختيار الاشتراكي.
فالمطلوب من المنظومة التربوية أن تسعى لتوفير شروط التثقيف الدينى السليم على أوسع نطاق ممكن، مع الحرص على توفير تعليم متخصص في جميع الفروع بحيث يسمح باكتشاف المواهب ويساعد على تكوين علماء متمكنين من علوم الدين، متضلعين في معارف الدنيا، متمثلين للعلوم والتكنولوجيا، مؤهلين لفهم مشاكل العصر.
ان تكفل المنظومة التربوية بكل هذه المهام مع الحرص على تحسين النوعية ورفع المستوى قد 174 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه أصبح مطلبا أشد الحاحا في هذا الربع الاخير من القرن العشرين، اذ هو الذي يضمن تكوين مواطن متحرر من الروح العشائرية، قادر على مواجهة أخطار الاستلاب، مؤهل للاضطلاع بدوره في بناء الوطن وخدمة الثورة وتكوين المجمتع الاشتراكي 3 التكوين العلمي والتكنولوجي :
ان الثورة مدعوة، في مجال التكوين الى العناية بالتراث العلمي العربي الاسلامي والتركيز على التحكم في العلوم، واكتساب التكنولوجيا سعيا لتكوين مواطن يقدر قيمة الدقة العلمية والنهج العقلاني.
ذلك ان اعطاء العلوم والتكنولوجيا أهمية خاصة ضرورى لتدارك التأخر ومسايرة مقتضيات التنمية السريعة، ولكنه لا يعنى قصر العناية عليها واهمال الفروع الأخرى للمعرفة. بل يجب أن تتاح الفرصة للمواطن كي يدرس مختلف العلوم الانسانية، وخاصة العلوم الاجتماعية التي تشحذ لديه حاسة النقد، وتغذى فيه الميل الى البحث والتقصى، وتساعده على التحليل السليم.
ان تخصيص حيز أوسع للعلوم في المؤسسات التعليمية، والعناية المتزايدة بالتكوين التقني، سوف يسهلان دخول الجزائر عهد الابداع العصري
4 - مكافحة الانحرافات والمظاهر السلبية في المجتمع :
ان استمرار الثورة وتجددها في المجال الثقافي يستلزمان مواصلة السعى للتخلص من العقليات البالية التي تعرقل مسيرة التنمية، وتفضى الى الجمود. كما يتعين السعى دوما الى القضاء على مظاهر التفكير الاقطاعي، والسلوك العشائري، وملاحقة استغلال النفوذ، ومحاربة النظرة التحقيرية الى الجماهير والتشكيك في قدراتها.
كما تتعين محاربة روح اللامبالاة والتحلل من المسؤولية والانتهازية والرشوة والديماغوجية و التصرف البيروقراطي.
وتحقيق هذه المهام يتوقف الى حد كبير | على السلوك الذى ينهجه والمثل الذي | يضربه رجال الدولة واطارات الحزب والمسؤولون في المنظمات الجماهيرية والمؤسسات الاشتراكية والموظفون في مختلف المواقع الأدارية، كما يتوقف على التطبيق السليم لمختلف أشكال الرقابة والمحاسبة وتقييم الاعمال مع تنفيذ ما يستلزمه ذلك من جزاء.
كما أن تمكن الثورة من المجالات الثقافية يؤدى الى بروز الوان من السلوك المحمود، والاخلاق الفاضلة تظهر خاصة في الدفاع عن المقدسات والقيم الوطنية والذود عن مبادىء الثورة والمكتسبات التي تحققت في ظلها، وفي حماية الاملاك العمومية، واعطاء المصلحة العامة الاسبقية على المصلحة الخاصة، والتحلى بالضمير المهني والحرص الدائم على تحسين التكوين، ومحاربة الروح الاتكالية، والتبذير، والتخريب والتجاوزات والتنديد بالتهافت على المادة.
ويتعين في هذا المجال أيضا القضاء على الاسباب التي تساعد على انتشار الآفات الاجتماعية.
على ان تحقيق ذلك لا تكفى فيه الموعظة بل يجب أن يصحبها مجهود كبير لتربية الناشئة وتوعية الكبار، واقناع المواطنين بضرورة التحلى بالخلق الفاضل، كما يتعين تطبيق القانون بصرامة على المخالفين وتنفيذ ما يترتب على ذلك من عقوبات ملائمة .
وفي استطاعة المنظمات الجماهيرية والمؤسسات التربوية والجماعات المحلية أن تؤدى دورا معتبرا فى هذا النطاق، فعليها أن تبذل مجهودات مكثفة منتظمة . 5 التكوين السياسي :
يحتل التكوين السياسى مكانة متميزة في نجاح التوجيهات الرئيسية للتنمية الوطنية، فهو يساعد على تحقيق الانسجام بين القول والعمل، ويضمه تحويل الشعار الى سلوك، ويشحذ الاحساس الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 175 بالمسؤولية، ويبصر الفرد، أيا كان موقعه في | سلم المسؤوليات بواجباته كمواطن أو كمناضل مسؤول.
على هذا الاساس تحرص الثورة على تهيئة الشروط المساعدة لرفع مستوى التكوين السياسي للمناضلين، والعمال والفلاحين والشباب، وكل العناصر الوطنية. كما يتعين على هؤلاء أن يسعوا بدورهم لتحسين مستويات تكوينهم بشتى الاساليب المتاحة .
ويجب على المناضلين والاطارات أن يتمثلوا القاعدة النظرية لتصور الثورة الجزائرية ومفهومها للمجتمع، أي أنه ينبغي أن يعززوا تكوينهم العملي، وتجربتهم فى الميدان بتكوين نظرى يجعلهم أقدر على فهم الواقع وأكثر ادراكا للحقائق الوطنية.
تلك هي الشروط التي تسمح للمناضلين ومجموع المواطنين بأن ينهضوا على أكمل وجه بدورهم في تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وفى تدعيم الاستقلال الوطني وبناء المجتمع الاشتراكي.
مكتسبات التراث التاريخي والثقافي والروحي مع أهداف الثورة ومتطلبات النهج الاشتراكي.
ان تحقيق الثورة في المجال الثقافي شرط أساسى لان يكتسب الشعب الجزائري التكنولوجيا اللازمة لتأمين احتياجاته المادية في نفس الوقت الذى يرسى فيه دعائم ثقافة توصل شخصيته، وتصون مقوماته المعنوية والروحية.
حقا انها لمهمة شاقة، لكن تحقيقها أمر ممكن متى توفرت ارادة البحث داخل الذات، عن قدرات التحويل والتغيير والرقي في ظل الانسجام مع التاريخ وصيانة المقومات الاساسية للشخصية الوطنية.
بذلك يستطيع الشعب أن يثق بقدرته على أن يربح في مطلع القرن القادم مرة أخرى رهان المستقبل ولا يخلف موعده مع التاريخ.
ثانيا - مهام الثورة في المجال الزراعي :
ان شعار الثورة الزراعية الذي رفعته الثورة الجزائرية فى مطلع السبعينات وما تلا ذلك من ذلك ان وضع القواعد المادية للاشتراكية - خطوات ومحاولات لتجسيده في الواقع، كان استجابة لا يكفى وحده في اقامة المجتمع الذي تنشده الثورة أي المجتمع الذى تسوده العدالة الاجتماعية، وتحكمه القيم الاخلاقية والوطنية، والمؤهل للخروج من التخلف في آجال معقولة.
ان التكوين السياسي المستمر يؤدى في هذا الاطار دورا أساسيا في مسيرة الثورة وبناء المجتمع في ظل الانسجام الوطنى والتعبئة الشعبية.
والواقع أن الأمر يتعلق بعمل ايديولوجي | بحث، اذ يهدف الى اثراء التجربة الجزائرية واستخراج العبر النظرية من مسارها، وصولا الى بلورة مجموعة من المفاهيم والتصورات والنظريات تشكل مذهبا متكاملا للثورة الجزائرية بقيادة حزب جبهة التحرير الوطني.
ان الثورة الاصيلة حقا هي تلك التى توفق الى التخطيط للمستقبل انطلاقا من امكانيات حاضر مرتبط بالماضي على أساس دمج أصلح ما في المطامح شعبية عميقة ورفعا المظلمة تاريخية ما فتيء الريف الجزائرى يعانيها خصوصا بعد أن ابتلى بالاستعمار .
فاستغلال الفلاحين عبر العصور، ومساهمتهم الفعالة في مقاومة الاحتلال الاستعماري الفرنسي قد أديا الى جعل مشكل الارض احدى القواعد الاساسية للحركة الوطنية الشعبية الجزائرية، وأحد العناصر الهامة في تحديد المضمون الاجتماعي الثورة التحرير. وهكذا أصبح الكفاح من أجل التحرير الوطنى مدعوما برغبة استرجاع الاراضي والنهوض بالفلاحين اجتماعيا واقتصاديا. ومن المؤكد أن ثورة التحرير باعتمادها أساسا على الارياف قد حطمت عددا من الاسس البالية والانماط المعرقلة لتطوير المجتمع، وتقدم الريف على الخصوص، وبنت قوى جديدة شعبية، كانت بفضل كفاحها ومعاناتها، سببا في تعميق المحتوى السياسي والايديولوجي للثورة الجزائرية. 176 الجريدة الرسمية للجمهورية آذن فقد كانت التغييرات التي أدخلت على العالم الريفي وعلى بنياته العقارية تجديدا ثوريا | أريد له أن يضع حدا لاستغلال الانسان للانسان فى المجال الزراعي.
وهذا ما جعل عمليات الثورة ومنجزاتها في هذا المجال أكثر من مجرد اصلاح عقارى يقتصر على اعادة النظر في تقويم مساحة كل قطعة أو على تحديث استغلالها، وأكثر من اصلاح زراعى يكتفى بتحديد الملكيات الكبرى واعادة توزيع الارض.
فالثورة في هذا المجال مدعوة الى توفير أفضل الشروط اللازمة لتحديث تقنيات الانتاج الزراعي، والاستثمار المكثف للاراضى بواسطة تخطيط ينظم مجموع الانشطة الزراعية والرعوية وشبكات الرى وسياسة التشجير.
ان الثورة بسعيها الى توسيع هياكل الانتاج والمنشآت الزراعية وتحسينها وحرصها على تحقيق تحويل شامل للعلاقات الاجتماعية في الريف تهدف الى :
أ تحويل العلاقات الاجتماعية ودعم ذلك باقامة أساليب جديدة للتسيير وتوجيه عملية تطوير السكن الريفي بما يتلاءم ومتطلبات التنمية الريفية.
ب تنظيم الخدمات المرتبطة بالانتاج وذلك بتطبيق سياسة تسويق وأسعار تضمن الحصيلة العمل الاجر الذي يتناسب معها.
ج - تحديث مناهج الانتاج وتقنياته اعتمادا على طرق تسيير جديدة تقوم على المساهمة الفعلية للفلاحين وعلى مكافحة تفتيت الاراضي.
ان ادخال الثورة الى المجال الزراعى يعنى وضع أسس علاقات اجتماعية جديدة في الريف، كما يعنى توجيه الانتاج بصورة خاصة نحو تلبية الحاجات الوطنية.
ان نمط الانتاج الذي أدخلته الثورة على الريف، يعيد الارض لمن يخدمها وينظم الفلاحين داخل هياكل للانتاج والتسيير تعطى الشكل الجماعي الافضلية.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وفعلا اذا كانت معركة الانتاج مطلبا أساسيا، فان نجاحها يتوقف خاصة على فعالية الهياكل التي تقام سواء فى مستوى الانتاج، أو في مستوى الخدمات الضرورية لدعم الانتاج.
فالثورة فى المجال الزراعى ليست اذن عملا يقتضيه مسعى تحقيق العدالة الاجتماعية فقط، ولكنها في الوقت نفسه عملية سياسية واقتصادية واسعة المدى، تسمح بادماج مجموع الفلاحين من جديد فى المسار العام للتنمية بعد أن ظلوا مهمشين طوال العهد الاستعماري المظلم.
طريق ولقد سياسة تحسنت اعادة توزيع ظروف هذا الاراضي التحول وتهيئة الهام عن سكن ريفي ملائم وانجاز مشاريع تنموية على مستوى البلدية وتأمين دخل ثابت ومناسب والتكييف التدريجي لتسيير هذا القطاع مع متطلبات تحسين الانتاج والانتاجية والتوسيع المستمر للمساحات الزراعية.
ويجب النص في هذا المجال على ان القطاع الخاص يؤدى هو الآخر دورا هاما الى جانب الادوار والمهام التي يتكفل بها القطاع الاشتراكي، فهو مدعو أيضا الى رفع الانتاج وتحسين الانتاجية.
ان هذا الدور يتمثل أساسا، في الاستعمال الاقصى لامكانياته الانتاجية الحالية، وفي المشاركة الفعلية فى استصلاح الاراضي، وتدعيم القواعد المادية للاقتصاد الوطنى ان القطاع الوطني الخاص، اذ أصبح مدمجا في التخطيط الوطني على غرار القطاع الاشتراكي، ويتمتع بالرعاية والدعم، يستطيع أن يقدم مساهمة أكيدة وذات ) شأن لتطوير الفلاحة وتحقيق ازدهارها.
وبالفعل، فان دخول الثورة المجال الفلاحي، قصد تغيير الانظمة البالية تغييرا جذريا، سيمكن :
من ربح المعركة الحاسمة التي تتمثل في التخلص تدريجيا من التبعية الغذائية.
على أن المشاكل الكبرى التي سوف تتحكم في نجاح الثورة بهذا القطاع تكمن خاصة في مدى استجابة الفلاحين وتحليهم بالوعي السياسي الذي الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 177 تفرضه المراحل القادمة، كما تتمثل في حفز اهتمامهم بتحسين الانتاج وتهيئة ما يتطلبه ذلك من أساليب لتسويق المنتوج الزراعى، وحسن استثمار دخل العمل وتحسينه بالنسبة لمجموع الفئات العاملة في الفلاحة.
ان الاهداف المطلوب تحقيقها في هذا الاطار تتمحور حول فكرتين رئيسيتين مترابطتين هما :
دعم القواعد المادية وهياكل الارتكاز التي يعتمد عليها الانتاج الزراعى، والاستجابة لاحتياجات سكان الارياف.
كما أن توسيع الهياكل الاقتصادية وتنويعها يمثلان مهام أساسية أخرى يجب ادراجها فى مخططات على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
ومن هنا تفرض الثورة البحث المتواصل عن أفضل الشروط لصيانة الامكانيات العقارية الموجودة واستثمارها على أحسن وجه ومضاعفة قدراتها الانتاجية.
ان الزراعة تحتل مكانة أساسية ضمن مخططات التنمية والمجهود المبذول في اطار دعم الاستقلال الوطني.
وعلى الرغم من أن تأمين الاستقلال الغذائي وتحقيق تراكم يسمح بالتصدير يبدوان مطلبين صعبى المنال في الامد القريب والمتوسط، فلا ينبغي أن يغيب هذا الهدف عن الاذهان، بل يجب أن يبرز ضمن الاهتمامات الدائمة للثورة حتى تستمر في تهيئة الظروف الكفيلة بتحقيقه.
ان تحقيق هذا الهدف يتطلب مزيدا من العمل لتنشيط الامكانيات الزراعية، واستثمار الموارد المائية وتحسين المستوى المعيشي لسكان الارياف الذي يتوقف بدوره الى حد كبير، على الجهد الذاتي الذي يبذله الفلاح.
ان دخول الثورة الى المجال الزراعي لا يهدف الى احداث تحولات كبرى في البنية والتنظيم فقط، ولكنه يرمى، على الخصوص، الى تكوين انسان جديد في عالم الريف، ومن هنا يلتقى مسعى الثورة في المجال الزراعي مع مسعاها في المجال الثقافي.
فالامر يتعلق في كلا المسعيين بتغيير الذهنيات وأنماط المعاش. وتبرز أهمية التحويل الذهني الذى تحدثه الثورة هنا اذا أخذنا بالاعتبار مدى التخلف الذى كان يعاني منه الفلاح والعالم الريفي، مما يجعل كل عمل لتطوير الريف وتغيير علاقات الانتاج فى الزراعة مفضيا حتما إلى تغيير ذهني يضاعف قدرة التكفل بحل المشاكل التي تواجهها التنمية الريفية.
ان تحويل الهياكل الزراعية البالية وادخال أساليب جديدة واستيعاب التقنيات الحديثة والاستفادة القصوى من الخبرة المتاحة في الميدان والحد التدريجي من الفروق الموجودة بين القطاع التقليدى والقطاع الحديث وصولا الى القضاء عليها قضاء كليا، بحيث يتحد القطاعان فى اتجاه خدمة الرقى والتقدم ورفع الانتاج وتحسين الانتاجية، هي أهداف في طريق الانجاز اذ أصبحت تشكل جزءا من الواقع الجزائري الجديد والحقائق الوطنية القائمة، بفضل منجزات الثورة في هذا المجال.
ان توسيع المجال الزراعى ورفع مستواه الانتاجي مرتبطان أوثق الارتباط بتوفير الموارد المائية، مما يفرض تعبئة هذه الموارد بوسائل ملائمة عبر السدود الصغيرة والكبيرة وعبر الاعتماد على كل التقنيات التي تسمح بتوفيرها في جميع أنحاء الوطن.
ان الدولة اذ تخصص اعتمادات ضخمة لتنشيط الزراعة وتمنح الفلاحين الدعم اللازم ماديا وفنيا، الا ان ذلك لا يكفى وحده للنهوض بالعالم الريفي وادماجه كليا في الدورة الاقتصادية العامة للبلاد، بل ان ربح معركة الانتاج الزراعي وتحقيق أهدافه القريبة والمتوسطة والبعيدة يتوقفان أيضا الى حد كبير على الجهد الذاتي الذي يبذله المنتجون الزراعيون.
ثالثا مهام الثورة في المجال الصناعي :
لقد ترك الاستعمار في الجزائر اقتصادا بالى - البنيات عديم القاعدة الصناعية مبنيا على الزراعة 178 الجريدة الرسمية للجمهورية واستغلال المواد الاولية، متجها أساسا نحو تصدير !
المواد الخام.
لذلك كان على حزب جبهة التحرير الوطنى فى مسعاه العام لصيانة الاستقلال الوطني وتحقيق الاستقلال الاقتصادى، أن يعمل على أن تشمل | الثورة المجال الصناعي.
على هذا الاساس تحددت النظرة الى هذا القطاع وضبطت استراتيجية الثورة الجزائرية في هذا المجال.
وهذا ما يفرض عدم الاكتفاء بسياسة تصنيع تهمل متطلبات تثوير هذا القطاع. ومن هنا لم يكن التصنيع في الجزائر مجرد وسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية، بل كان جزءا من مسار ثورى شامل يجعل، ضمن أهدافه التكفل بعمليات استثمار كبرى، وتحويل علاقات الانتاج، وتحقيق التوازن الجهوى، واعادة تشكيل المجتمع، واعداد الانسان حتى يتمكن من الاضطلاع بدوره في هذه العملية الثورية الكبرى.
وفي هذا المنظور يتبين ان دخول الثورة للمجال الصناعي يتضمن رفع مستوى حياة المواطن. فهي عملية لا تقتصر على تأمين نمط تنمية اقتصادية هدفها تحقيق التراكم فقط، وانما تسعى في الوقت نفسه الى رفع مستوى التشغيل، وتحسين مستوى العمال، واعادة توزيع الدخل الوطني لفائدة الجماهير المحرومة.
ثم ان دخول الثورة لهذا المجال يفتح أبواب تكوين يستجيب لمتطلبات التكنولوجيا العصرية و يؤدى في الوقت نفسه الى دعم القدرة الوطنية على تحويل الموارد الطبيعية داخل البلاد نفسها.
و بذلك تطرأ تغييرات عميقة على البنيات الاقتصادية، فتصبح، بعد أن كان يغلب عليها الطابع التقليدى، أساس اقتصاد عصري تتكامل فيه الانشطة الانتاجية المتميزة بتكثيف المبادلات بين فروع قطاع واحد أو بين قطاعات اقتصادية متعددة بحيث تضمن تنمية شاملة منسجمة . 1 ..
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ان الانتاج الصناعى الاكثر أهمية يتم في الوحدات الكبرى التي تستخدم تقنيات جد متطورة وتشكل أنظمة معقدة تتطلب اقامتها وتسييرها صرامة شديدة ودقة بالغة، كما يتطلب استعمال اطارات ذات خبرة وأيد عاملة ذات مهارة عالية.
ذلك أن مواجهة الصعاب والاقدام بشجاعة على رفع التحدى الذى تطرحه أنظمة الانتاج الصناعي العصرى، يمكنان الاطارات الوطنية من اكتساب المعارف والتجربة اللازمة لاقامة وتسيير وحدات انتاجية تسمح بتجسيد أهداف الثورة في مجال التصنيع.
ان هذا التوجه لا يقتضى ابدا انتهاج سياسة تعتمد دائما التكنولوجيا الأكثر تقدما، بصورة آلية وكيفية غير مدروسة، اذ يتطلب الامر التمكن من كل الفروع التي يتشكل منها ويتميز بها وجود صناعة عصرية توصلا الى معرفة الفروع التي تتطلب بحكم طبيعتها تكنولوجيا متطورة. ومن البديهي أيضا أن تحسين المستوى التكنولوجي للعامل يتماشى وارتفاع مستوى انتاجيته الذي يتحكم الى حد بعيد في ارتفاع دخله وتحسين ظروف حياته.
ولا شك أن ذلك كله يحدث تغييرات هامة في ذهنيات الاطارات والعمال وكل الفئات الاجتماعية بما يتسبب فيه من رفع المستوى التأهيل وللمستوى العلمي والتكنولوجى وما يستلزمه من تفتح واكتساب للطرق العصرية فى العمل والتنظيم.
وهذا التصور للتصنيع يقود الى تبنى خيارات تصنيعية تتلاءم مع مضمون وأهداف الثورة في هذا المجال.
ولكي يتحقق ذلك تتعين اقامة أسس صناعة قاعدية قادرة بنفسها على احداث صناعات جديدة يسمح انتشارها بخلق ديناميكية تنموية مفيدة للاقتصاد بصورة عامة وللصناعة بصورة خاصة.
ومن هنا يصبح التحكم في العلوم واكتساب التكنولوجيا أمرين جوهريين. اذا أن العلم الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 179 والتكنولوجيا يشكلان قاعدة المسار الانتاجي في العالم العصري فالتحكم فيهما نظريا وعمليا يشكل أحد مكونات التنمية المستقلة والعاجلة للبلاد، وأحد الخطوط الرئيسية في عملية التحويل الاقتصادي والاجتماعي.
ان تنوع أعمال الانتاج الصناعي وتعددها في البلاد يشكل أيضا مدرسة كبرى للتكوين العلمي والتكنولوجي. فالتكوين الذي تتلقاه الاطارات في الجامعات اذا كان ضروريا فانه غير كاف للتحكم التام فى العلم والتكنولوجيا. اذ أن المطلوب منهم أساسا هو استخدام المعارف التي يكتسبونها نظريا في حل المشاكل الملموسة المعيشة التي تطرحها اقامة الصناعات الجديدة وتشغيلها في الظروف الخاصة بالبلاد.
أما خارج الميادين التي يتحتم فيها استعمال التكنولوجيا المتطورة، فان اعتماد هذا يجب أن يرتبط بتحسين الانتاجية.
وهناك تكنولوجيات متوسطة أو أقل تعقيدا ينبغي الابقاء عليها فى المنشآت القديمة، كما يمكن استعمالها في منشآت جديدة.
فالتكوين المهنى الذى أصبح منظما في البلاد على أوسع نطاق، حسب الخطة التي رسمت فى مطلع الثمانينات، وما تبعها من جهود ترمى الى تأهيل العمال تأهيلا دائما، يمكنهم من التحسن المستمر والتكيف مع متطلبات التكنولوجيا العصرية .
ان العمليات التي تجسد الثورة في المجال الصناعى من شأنها أن تخلق أثناء انجازها كل العوامل الكفيلة بدعم الثورة فى هذا القطاع، وتفرز ما يلزمها من عناصر الدعم والتقدم.
ان تكوين الكفاءات اللازمة لتسيير المؤسسات، وروح الابداع والجرأة على التجديد والتوفيق في استعمال قدرة التصرف، كل تلك الظواهر لا يمكن أن تبرز ان لم يوفر دخول الثورة هذا القطاع الفرص التي تتيح لها ذلك بالفعل.
وينبغى أن يشمل مسعى الثورة في القطاع.
الصناعي المزيد من التحكم فى سلسلة متزايدة من العمليات الصناعية بتنويع فروع الصناعات الموجودة في البلاد، وأن يمدها بوسائل تنمية تؤهل الانتاج الوطنى ليلبي حاجاتها من المواد الاستهلاكية ومواد التجهيز.
ان تنويع الفروع الصناعية يستلزم أن تتاح الفرصة أمام القطاع الوطني الخاص ليساهم في مجهود التنمية الشاملة بتعبئة أوسع للادخار الوطني، لاسيما عن طريق اقامة وحدات انتاجية صغيرة ومتوسطة الحجم، لان اسهام القطاع الوطني الخاص يسمح في اطار التخطيط، بمضاعفة الانتاج الصناعى الوطني وتنويعه ليغنى تدريجيا عن استيراد بعض المواد.
وهذه الطريقة تؤدى الى تكثيف النسيج الصناعى فى كامل أنحاء البلاد وفي مجموع الفروع الانتاجية، وتعزز تكامل الاقتصاد الوطني.
ان تحقيق اللامركزية اذ يعتبر جزءا من عملية تثوير الصناعة، يتيح بالفعل للجماهير الشعبية وخاصة سكان الارياف أن تتحمل قسطها في الانتاج الصناعى المدعو الى تغيير ملامح البلاد تغييرا جذريا حتى يسمح لكل مناطق الوطن بالدخول في عصر الحضارة الصناعية والتمتع بثمار التنمية.
ولا شك أن تحقيق هذه النتيجة يتطلب الاعتماد الكلى على النفس والسعى بكل الوسائل لتمكين البلاد من أسباب العلم والتكنولوجيا لتصبح قادرة على تحويل مواردها الطبيعية فوق أرضها وتصديرها في صورة مواد مصنعة أو نصف مصنعة .
كما أن الثورة مدعوة فى هذا المجال الى دعم القدرة الوطنية على التمويل الخارجي لان التبعية 180 الجريدة الرسمية للجمهورية 1 المالية تؤدى الى الخضوع للاجنبى سياسيا | والتسليم بسيطرته اقتصاديا.
واذا كانت الجزائر قد تجنبت خطر مثل هذه التبعية حتى الآن، بفضل ما اتخذته من تدابير قبل أن تتأكد نتائج الازمة العالمية وانعكاساتها على العالم الثالث، فان الثورة مدعوة أن تستمر فى نهج الصرامة والحزم في هذا المجال، لان بوادر انفراج الازمة لما تلح في الافق ، ولان انتظار الفرج من الغير يشكل تبعية معنوية لا تقل خطورة عن التبعية السياسية والاقتصادية.
الفصل الرابع الدفاع الوطني لقد كانت الفضائل العريقة للشعب الجزائرى وايمانه بالحرية والاستقلال وتعلقه الشديد بالارض، هي الخميرة التي غذت كل المقاومات التي قام بها عبر تاريخه الطويل والعنصر الحاسم في الانتصارات التي حققها.
ان جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني قد استمدا علة وجودهما من ارادة الامة الجزائرية في التحرر، معتمدين في ذلك على الطاقات الحية والقدرات الثورية للشعب بأكمله، وعلى الايمان العميق بالاستقلال الوطني.
ولقد صهرت حرب التحرير الوطنى الوعى الثورى لدى جيش التحرير الوطنى الذى شكل رأس حربة في الكفاح الطويل الذى خرج منه الشعب الجزائري منتصرا.
ان الجيش الوطني الشعبي، الذي هو سليل جيش التحرير الوطنى، ومنه استمد طابعه العميق، هو الدرع الواقية للثورة، والمؤسسة الدائمة التي يتمحور حولها نظام الدفاع الوطني.
فتصور الثورة للدفاع الوطنى يستمد منابعه من القيم العريقة للشعب الجزائرى، التي ما تزال حية في بلادنا، وماثلة في تاريخها الطويل، لان حصيلة الخبرات التي تجمعت أثناء الشدائد تشكل | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه مرجعا يعكس عبقرية الشعب الجزائري الذي يضطلع بعد أن أصبح سيد مصيره، بواجب التصدى لكل الاخطار والاعتداءات التي قد تهدد الاستقلال، وأمن الثورة، وسلامة التراب الوطني.
ومن هنا تتحدد سياسة الجزائر في مجال الدفاع الوطنى أساسا على ضوء مفهوم الثورة للاستقلال الوطنى الذى يتضمن سلامة التراب الوطني، وعدم المساس بحدوده الثابتة، وحرية الامة في صياغة اختياراتها السياسية والايديولوجية، كما تتحدد أيضا على أساس قدراتها الاقتصادية الوطنية والمتطلبات المرتبطة بموقعها الجغرافي السياسي.
ان الجزائر التي استعادت استقلالها بفضل حرب ثورية تحريرية وطنية تاريخية لا تسمح بالمساس بترابها الذي سقته دماء المليون ونصف المليون من الشهداء.
لقد رفعت الثورة الجزائرية شعار «الثورة من الشعب والى الشعب»، فينبغى اذن أن يستجيب بناء الوطن للطموحات الشعبية العميقة التي تجسدت في الاشتراكية التي اختارتها الثورة كمنهج للتنمية الاقتصادية في اطار القيم العربية الاسلامية.
وتشكل الطاقة الاقتصادية مؤشرا أساسيا لكل سياسة للدفاع الوطني. ذلك أن الاقتصاد والدفاع الوطنى مترابطان اذ أن التنمية الاقتصادية للبلاد تستلزم دفاعا وطنيا قويا، كما أن سياسة الدفاع ترتكز على الاقتصاد ويجب أن تأخذه بعين الاعتبار.
ان الجزائر، اذ توجد في موقع استراتيجي يتأثر بما يحدث من صراع وتوتر بين الدول الكبرى، ونظرا لاختياراتها الايديولوجية، مطالبة بأن تكون شديدة الحرص على صيانة سيادتها الوطنية، وانتهاج سياسة دفاع تجعلها في مأمن من التأثيرات الخارجية.
كما أن نفس الاعتبارات تفرض عليها خيارات مرتبطة خصوصا بانتمائها المغربي الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 181 والعربي والافريقي والمتوسطى ومنطلقة من حرصها على الوفاء بالتزاماتها.
وهي، بوصفها بلدا غير منحاز لا تقبل باستراتيجية الكتل وترفض أن تصبح بيدقا في لعبة الدول الكبرى بكل ما ينجر عن ذلك من قواعد وأحلاف عسكرية. :
ان الجزائر تناضل من أجل السلام والتعايش السلمي بين الامم، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتسوية المشاكل الدولية بالطرق السلمية، وتتطلع الى اقامة علاقات ودية مع جميع الشعوب، والعيش في سلام داخل حدودها. وهي لا تضمر أية نية عدوانية أو توسعية.
والجزائر، وفاء منها المبادىء ثورتها، لم تدخر في الماضى ولن تدخر في المستقبل وسعا في تقديم دعمها لحركات التحرر الوطنى للبلدان التي مازالت تحت نير الاستعمار أو تصارع الصهيونية، أو تتعرض لسياسة التفرقة والميز العنصرى، أو للدول الصديقة المهددة من . الامبريالية أو الاطماع التوسعية.
ان الجزائر التي تقوم على المستوى العالمى بنشاط يضعها في طليعة الكفاح ضد الامبريالية ينبغى لها، مهما كانت الاحوال أن لا تستهين بالتهديدات الكامنة أو المعلنة للقوى العدوانية المتمسكة ببقاء نظم الهيمنة الاستعمارية والاستعمار الجديد وهي تهديدات تفرض اقامة نظام قوى للدفاع الوطني.
واذا كانت القوى الحية للامة معنية تماما بالدفاع عن الثورة وصيانتها، فان الجيش الوطني الشعبي يظل هو حجر الزاوية في منظومة الدفاع الوطني، كما يشكل أيضا عنصرا محركا لتقدم الثورة والتشييد الاشتراكي، ذلك أنه من الثابت أن لا بقاء لثورة بدون جيش ملتزم لضمان حمايتها.
وهكذا، فان الجيش الوطني الشعبى الذى يصون استقلال البلاد وسيادتها ويشكل عاملا | للاستقرار وضمانا للوحدة الوطنية، قد أسندت اليه بصورة دائمة المهام التالية :
- الدفاع عن سلامة التراب الوطني وحدوده الثابتة.
الدفاع عن الثورة الاشتراكية. - المساهمة فى تنمية البلاد وفي تشييد مجتمع - جديد.
ومثل هذه المهام تفرض على الجيش الوطني التكنولوجى الشعبى أن ليتكيف مع يعمل دائما تطور على التقنيات تحسين الحديثة مستواه التي تتحكم فى المعطيات الاستراتيجية بصفة جذرية، وتحدد بصورة واسعة مدى فعالية الاداة الدفاعية.
ومن هنا تتضح ضرورة اقامة صناعة عسكرية مندمجة تماما في المنظومة الاقتصادية للبلاد، في نفس الوقت الذي يراعى فيه البناء الاقتصادى متطلبات الدفاع الوطني الشامل.
وتفرض هذه المهام أيضا على الجيش الوطني الشعبي أن يكون مدرسة حقيقية للتكوين الايديولوجى للضباط وضباط الصف والجنود، بتعميق وعيهم السياسي، ورفع مستواهم العلمي والتقني، وتمتين التزامهم، وصهر استعداداتهم لخدمة الثورة. كما تفرض هذه المهام على الجيش الوطني الشعبى العمل، عن طريق أساليب وهياكل ملائمة، لاعداد وتخطيط وتنظيم عملية تعبئة اطارات وجنود الاحتياط وكذلك موارد البلاد البشرية والمادية لاستعمالها الناجع في اطار مخططات الدفاع الوطني.
ولكى يكون تصور الدفاع الوطني منسجما مع روح الثورة ينبغى أن يجعل العنصر الشعبي أحد العناصر الاساسية لاستراتيجيته.
وفي هذا المنظور، فان الخدمة الوطنية بالتكوين العسكري الذي توفره للشباب المجندين تشكل قاعدة للدفاع الوطني الشعبي كما أنها 182 الجريدة الرسمية للجمهورية تستجيب لاهداف لا تنفصل عن مسيرة الثورة نحو التشييد الاشتراكي.
فالخدمة الوطنية، زيادة على كونها تسمح للشباب باكتساب تكوين عسكرى، تتوفر على بعد اقتصادي و اجتماعى عميق بما تحققه من رفع لمستواهم السياسي والثقافي وتعميق لوعيهم الوطني وادماجهم في أعمال التنمية.
وان المساهمة الفعلية في الدفاع الوطني بالنسبة لكل المواطنين وخاصة العمال والفلاحين والشباب الذين يمثلون قوة الثورة الرئيسية فى اطار الدفاع الشعبى تبقى مرهونة بمستوى الوعى الذي يحصلون عليه بفضل التربية الاخلاقية والدينية والمدنية التي تؤديها المدرسة | الجزائرية في اطار التكوين الايديولوجى الذى يقوم به حزب جبهة التحرير الوطني.
ومثل هذا التصور للدفاع الوطني يترتب عليه أن يجد الدفاع الشعبى امتداده العملي في كل القطاعات ذات الاهمية بالنسبة للاستقلال الوطني واستمرارية أمن التشييد الاشتراكي.
ومن هنا ينبغي أن يدمج الدفاع الشعبي بصورة طبيعية في مخططات الجيش الوطني الشعبي الدفاعية.
وهكذا، فان سياسة الدفاع الوطني تندرج في منظور شامل ومتكامل ومتطور يتماشى بانسجام مع سياسة البلاد الاقتصادية والاجتماعية، وترمى الى ضمان أمن البلاد والثورة في جميع الاوقات والظروف ومواجهة كل اعتداء بفضل تعبئة كل الطاقات البشرية وكل الموارد المادية لصالح احتياجات الدفاع الوطني.
الفصل الخامس سياسة الجزائر الخارجية تحددت معالم سياسة الجزائر الخارجية في خضم حرب التحرير التي خاضها الشعب الجزائرى من أجل استرجاع الاستقلال.
الجزائرية 1 الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وهذا ما جعل الجزائر تتضامن في وقت مبكن من وجودها كثورة وقيامها كدولة عصرية، مع كل الشعوب المكافحة ضد السيطرة الاستعمارية والتسلط العنصرى والهيمنة الخارجية. وهو ما يفسر في الوقت نفسه اختيارها عدم الانحياز واسهامها في تأسيس حركة البلدان غير المنحازة ومشاركتها الايجابية في تطوير هذه الحركة وتعميق مفاهيمها.
أولا الاسس والمبادىء :
ان سياسة الجزائر الخارجية، بوصفها امتدادا طبيعيا للسياسة الداخلية التي سطرتها ثورة نوفمبر، تخدم المصالح العليا للشعب الجزائرى، وعلى هذا الاساس تضع في مقدمة أولوياتها ضمان الاستقلال الوطني ودعمه.
وتحقيق مطلب أمن البلاد، والدفاع عن حرمة السيادة وسلامة التراب الوطني، وصيانة الاختيارات الاساسية للامة.
ومن البديهي أن استمرارية مثل ثورة نوفمبر العظيمة ومبادئها، والوفاء لارواح الشهداء الذين سقوا طريق النصر بدمائهم الزكية، يعنيان الحفاظ على الحدود الموروثة حدودا ثابتة ويعنيان كذلك تأكيد استقلالية القرار السياسي والسعى الدائم لصيانته من أية تبعية.
ولا شك أن العمل لصيانة الاستقلال الوطني وتدعيمه يفضى على الصعيد الخارجي الى التضامن الفعال مع كل الشعوب التي تخوض معركة استرجاع سيادتها وجميع البلدان التي تكافح لاجل التخلص من كل أنواع التبعية والهيمنة والاستغلال.
وعلى هذا الاساس فان الجزائر ما فتئت تؤكد ضرورة تحقيق وحدة الصف في النضال المشترك الذى تخوضه بلدان العالم الثالث ضد الاستعمار والامبريالية والاستعمار الجديد وضد الصهيونية والميز العنصرى بجميع أشكاله وفي جميع مظاهره.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 183 ان اختيار الجزائر، المتمثل في اقامة مجتمع اشتراكي، مبنى على الاستقلال الوطني الحق في اطار صيانة المقومات الاساسية للشخصية الوطنية والسعى الى تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان المساواة بين المواطنين، والنهوض بالانسان وحماية كرامة الجاليات الجزائرية في الخارج وضمان أمنها.
ان تمسك الجزائر بمثل الحرية، والسلم، وقيم العدالة والمساواة، وحق كل الشعوب في الحياة الحرة الكريمة يحدد المسعى الدولي للجزائر والاهداف التي توجه مواقفها في العالم والاطار العام الذي تنشط فيه بالخارج.
ان تصميم الجزائر على مكافحة التخلف ومحاربة جميع الظواهر التي تعرقل سير الشعوب نحو استكمال حريتها وتوفير أسباب ازدهارها، يفرض أن تواصل سياسة الجزائر الخارجية النضال من أجل تشييد نظام أمن جماعى حقيقى يحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، ويضمن حريتها فى اختيار النظم السياسية والاقتصادية التي تليق بها، كما يحترم مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وسلامة ترابها الوطني، ويضع حدا للسباق المحموم نحو التسلح و يساعد بصفة أساسية على اقامة العلاقات الدولية على قواعد ثابتة أساسها العدل والمساواة والمصالح المشتركة.
وان مبدأ صيانة الاستقلال الوطني ودعمه يجد تعبيره الكامل على الصعيد الخارجي في سياسة عدم الانحياز التي تجسد ارادة الثورة الجزائرية في أن تظل حرة في تحديد سياستها ومواقفها وفقا لما تفرضه مصلحة الشعب وقيم التضامن بين شعوب العالم الثالث، بعيدا عن أى تدخل أو ضغط أو تهديد من الخارج.
ان تعاظم القوى الاشتراكية والديمقراطية والنمو المتزايد لحركات التحرير الذي شهدته مختلف مناطق العالم، وخاصة في الخمسينات والستينات كانا قد وفرا ظروفا تاريخية مساعدة القضايا الاستقلال الوطنى والتحرر الاقتصادي والاجتماعي لشعوب العالم الثالث.
لكن التدهور الخطير الذي يطبع الوضع الدولي في الوقت الراهن، يهدد الاستقلال الوطني لعدد من بلدان العالم الثالث تهديدا حقيقيا، ويعيق فرص التقدم والتنمية، ويعطل السير نحو سلام شامل حقيقي ودائم.
فقد تعرضت هذه البلدان لعدد من عمليات التدخل ومحاولات الهيمنة الامبريالية، استهدفت ضرب هياكل التعاون والتشاور في العالم الثالث وخاصة حركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية والجامعة العربية للحيلولة دون أن تتكفل بمهامها وبالدفاع عن المصالح الاساسية لاعضائها.
ولقد ظهرت نتائج هذا التطور الخطير في العلاقات الدولية ممثلة في مضاعفة النشاط الامبريالي في الوطن العربي وافريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بكل ما يترتب عليه من محاولات التحكم الجغرافي السياسي والنيل من سيادة دول بلدان العالم الثالث ومطامحها.
من هنا يتبين أن اقامة نظام للامن الجماعي شرط أساسي للحيلولة دون أن يتطور هذا الوضع الى درجة القضاء على السلام العالمي.
ان السعى لتحقيق ذلك الهدف يدخل في صميم الاهداف والمبادىء التي ينص عليها ميثاق الامم المتحدة لان أمن شعوب العالم، واقامة سلم شاملة ودائمة هدفان لا يكفي في تحقيقهما الاعتماد على توازن ظرفى للقوى، ولكن باعتماد تشاور دولى لا يكون وقفا على دول محدودة تملى ارادتها على سائر دول العالم وشعوبه.
ذلك أن استبعاد أغلبية سكان الارض من أي تشاور، مضافا الى مواصلة السباق نحو التسلح يؤدى، كما هو الشأن الآن الى تنافس الدول الكبرى على كسب المزيد من مناطق النفوذ والقواعد العسكرية ونقاط الارتكاز الاستراتيجية. 184 الجريدة الرسمية للجمهورية بكل ما يتولد عنه من تفجير بؤر توتر جديدة في مناطق من العالم الثالث تجعله عرضة لاضطرابات تخل باستقراره، وحقلا لتجارب تدمر امكاناته | وميدانا لاستعراض العضلات بين الكبار.
ومن شأن هذا الوضع أن يسد الباب في وجه التشاور الدولى الحقيقى المطلوب، ويهدد الى أقصى حد بالقضاء على ما تبقى من مكاسب الانفراج الدولي، ويعزز منطق المجابهة بدل اعتماد منطق الحوار.
وقد سبق لحركة البلدان غير المنحازة ان قدمت عددا من الحلول لتجنب مثل هذا الوضع، مؤكدة مقدرتها على صياغة سياسة مسؤولة لمواجهة التوتر العالمى ووضع حد للنزاعات الدولية.
ان الاضطراب الذى يطبع التجارة الدولية الراهنة وعبء الديون الخارجية الذي ترزح تحته بلدان العالم الثالث، يهددان بالقضاء على الجهود التي تبذلها هذه البلدان في سبيل تحقيق تنميتها والنهوض باقتصادها، وتحسين مستوى معيشتها.
ثانيا - الكفاح من أجل نظام دولى جديد والتعاون | جنوب - جنوب :
ان الكفاح الذى تخوضه بلدان العالم الثالث استجابة لمطامح شعوبها قد ساعد على توضيح التناقضات العديدة القائمة بين الدول النامية والدول الصناعية والتي ترجع على الخصوص الى حرص هذه الاخيرة على استمرار النظام الاقتصادي الحالي.
ان بعض الدول المصنعة تحاول أن تجعل ما تقدمه من مساعدات محدودة دليلا على حسن نيتها في السعي للتخفيف من معاناة العالم الثالث الا أن الترابط الوثيق بين استتباب الأمن واستقرار السلام في العالم من جهة، وبين تحقيق تنمية متوازنة للبلدان النامية من جهة أخرى، يظهر عدم جدوى المحاولات المحدودة والمعالجة السطحية والمجزأة لمواجهة أوضاع البلدان الأكثر تضررا | من الوضع الحالي.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ان التضامن العالمى الكفيل بمعالجة الوضع جذريا يتطلب اعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية الدولية.
ويسجل التاريخ لحركة البلدان غير المنحازة انها كانت سباقة عن طريق مجموعة 77 الى بلورة مفاهيم الازمة الاقتصادية فحددت ابعادها واقترحت حلولا لها في اطار مسعى متماسك يضمن تجاوز الازمة بتعويض الوضع الحالي، الذي تطبعه الفوضى، بنظام يقوم على قواعد الانضباط الملزمة وعلى مبدأ تحقيق العدالة فى العلاقات الاقتصادية الدولية.
لكن على الرغم من تفهم بعض الدول المصنعة واقتناعها بضرورة اعادة هيكلة الاقتصاد العالمي فان الحوار شمال جنوب لم يسجل حتى الآن أي تقدم. ذلك أن العالم المصنع ما يزال في مجموعه يفرض في مجالات التجارة والتمويل والتكنولوجيا قيودا تحول دون نجاح جهود العالم الثالث التي ترمى الى التحكم في مسار التنمية. ويمثل هذا الوضع نتيجة طبيعية لرفض عدد من البلدان المصنعة اجراء مفاوضات شاملة حول السبل الكفيلة باقامة نظام اقتصادى دولى جديد يوفر شروط انبعاث حقيقى وتنمية متوازنة للبلدان النامية.
وهكذا يتبين ان خوض المعركة من أجل اقامة نظام اقتصادي دولي جديد ما يزال يشكل احدى المهام الرئيسية فى كفاح الشعوب من أجل استقلالها وتحررها الاقتصادي والاجتماعي.
ان الوضع الراهن للعلاقات الدولية والتحديات الخطيرة التي يطرحها تفرض على العالم الثالث أن يسعى، رغم ما بين أنظمته السياسية من اختلاف، لتنظيم صفوفه وتوحيد جهوده من أجل تكوين جبهة مشتركة ضد سياسة الاستغلال والنهب، ومحاولات التسلط والهيمنة، ومواقف الصلف والعجرفة .
وهذا يعنى أنه اذا كان على حركة البلدان غير المنحازة أن تواصل جهودها من أجل تحريك الحوار بين الشمال والجنوب حتى يؤتى ثماره، فان عليها الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 185 في الوقت نفسه، أن تخوض معركة اقامة تعاون حقيقي بين دول الجنوب.
ان التعاون جنوب - جنوب أصبح أكثر من ضرورة. فهو من ناحية، نتيجة طبيعية لوعى بلدان العالم الثالث لقوتها السياسية، وثرواتها الطبيعية، وامكاناتها الاقتصادية. وهو من ناحية ثانية، وسيلة عملية وفعالة لتعزيز تضامنها ببرامج ومشاريع تبادل تعزز موقفها ازاء الكتل وتضمن لها رغم تنوع أنظمتها واختياراتها السياسية الداخلية، أن تصمد متعاونة في وجه سياسة السيطرة السياسية والاستغلال الاقتصادي.
وهكذا تتبين بوضوح أهمية الدور التاريخي الذي يؤديه التعاون جنوب - جنوب. فهو ليس بديلا عن الحوار بين الشمال والجنوب، ولا يمثل شرطا مسبقا له، ولكنه عامل أساسى يساعد على تحريك حوار شمال جنوب، من جهة، ويسهم فعليا، من جهة أخرى، في تنشيط عملية اعادة هيكلة الاقتصاد العالمي التي تعتبر احدى المهام الكبرى في هذه المرحلة من نهاية القرن الحالي.
ففي ضوء هذا التصور يتضح مفهوم الثورة الجزائرية لعدم الانحياز، فهو لا يعنى أبدا الحياد المطلق والسلبية ازاء القضايا المطروحة في العالم، بل انه يعنى الدفاع عن الاستقلال الوطني وعن الاختيارات الاساسية للبلاد، كما يعنى الاسهام فى تقديم الحلول والتجارب الكفيلة بدفع مجموع الانسانية فى اتجاه سير التاريخ، وبصورة تضمن صيانة السلم والعدالة في العالم وتحقيق مزيد من العدل على المستوى الاقتصادي.
ثالثا - الجزائر والوطن العربي :
ان الجزائر المنتمية الى العالم الثالث، المتمسكة بخط عدم الانحياز، جزء لا يتجزأ من الوطن العربي. وعلى هذا الاساس تدرج أعمالها في اطار الكفاح الموحد والمصير المشترك الذى يجمعها وسائر الشعوب العربية.
ان التزام الجزائر عربيا هو الذي يجعل التضامن مع الشعب الفلسطينى أكثر من ضرورة لان القضية الفلسطينية تعيش في الوجدان الجزائري، ولذلك تعتبر الجزائر أن العمل من أجل تحرير فلسطين وتحرير كل الاراضي العربية المحتلة يدخل ضمن تحررها بالذات، وعلى هذا الاساس تؤكد الثورة الجزائرية التزامها المطلق في هذا المجال.
ان الجزائر تؤمن بامكانية تحقيق الوحدة العربية، وتناضل في سبيل تجسيد هذا الهدف الذي أصبح ضرورة في عصر التجمعات الكبرى.
ولهذا تواصل الجزائر دعوتها من أجل ضبط استراتيجية عربية موحدة تستطيع، بفعل توفر الارادة السياسية وتجاوز الاوضاع الظرفية، أن تجند الموارد الضخمة والامكانيات العديدة للامة العربية، وصولا الى تحقيق طموح الشعوب العربية الى استكمال التحرر وانجاز الوحدة واقامة السلام العادل.
وفي هذا الصدد تمثل جامعة الدول العربية اطارا ملائما لاقامة تعاون مثمر بين أعضائها.
وترى الجزائر أن التكفل بهذه المهمة على الوجه المطلوب يقتضى أن تعيد الجامعة العربية النظر في ميثاقها وان تكيف هياكلها حسبما تمليه مهامها عربيا ودوليا.
ان مشروع الوحدة العربية يتطلب ضبط خطوات عملية بعيدا عن الارتجال وروح المناورة ولا تخضع لاوضاع ظرفية مؤقتة، لان مثل هذا التناول للوحدة يؤجلها بدل أن يعجل بتحقيقها.
كما يتسبب في خيبات آمال خطيرة. ومن هنا تصبح التحولات الاقتصادية والاجتماعية والاختيارات السياسية التي تستلزمها على مستوى الجماهير هي العامل الحاسم في تحقيق هذه المهمة التاريخية.
وتتطلب أهمية هذا المشروع بالنسبة الى المصير العربي تحليل التجارب والمحاولات التي 186 الجريدة الرسمية للجمهورية جرت في الماضي تحليلا موضوعيا بغية الوصول | الى تصور سليم وجرىء يتيح، في الوقت نفسه، الفرصة حيثما تهيأت الظروف لتطبيق صيغ ملائمة | للوحدة، تكاملية كانت أو اندماجية، كفيلة بالاستجابة للمطامح العميقة للشعوب العربية تفاديا لاية انتكاسة تعزز صف المناهضين للوحدة وأمام الوطن العربي فرصة تاريخية لتحقيق أهدافه. فهو يملك القدرات الضرورية التي تمكنه من أن يصبح من أكثر المناطق ازدهارا اقتصاديا، واجتماعيا وثقافيا، وقوة سياسية عزيزة الجانب.
ومن هنا يتعين عليه أن يستكمل وضع الشروط الموضوعية لتحقيق تحرره الشامل، لان القضية لم تعد قضية وسائل مادام العرب يتحكمون في مواردهم، ولكن القضية قضية اختيار يضع حدا للتريث، وارادة سياسية تحسم كل تردد. و من البديهي ان هذه الارادة يجب أن تتجه نحو تحقيق أهداف ملموسة تخدم مصالح الجماهير الشعبية، وتشكل مجموعة من المحاور تتبلور من خلالها التطلعات الوحدوية.
وعلى الرغم من اختلاف الانظمة السياسية وتعدد التصورات فانه يمكن تجاوز الاحوال الظرفية وارساء أسس تؤمن السير على طريق الوحدة وذلك بانشاء شبكة من المشاريع المشتركة في جميع الميادين، وتهيئة الاسباب لتداخل المصالح وتعميق التكامل.
وبما أن الوطن العربي يتبوأ مكانة مرموقة ضمن مجموعة الشعوب الاسلامية فان أية مبادرة يقوم بها، في اطار المجرى التاريخي لتحرر الشعوب، تكسب البلدان العربية مزيدا من التضامن الفعال وتبرز في الوقت نفسه وزن البلدان الاسلامية ضمن العالم الثالث وفي المحافل الدولية ان الجزائر تؤمن بضرورة تعزيز العلاقات التي تربط بين الوطن العربي وسائر العالم | الاسلامي، على أساس خدمة أهداف الشعوب في التحرر وحقها في الاستقرار والسلم، وتحقيق الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه مطامحها لاستغلال ثرواتها الطبيعية التي يجب أن تسخر لتحقيق العدالة الاجتماعية وخدمة التنمية الشاملة.
وفي هذا الاطار ترى الجزائر أنه من الضرورى أن تسعى كل الشعوب العربية والاسلامية لتصفية ما بينها من صراعات، وأن تعمل على التخلص نهائيا من عوامل التوتر وأسباب الحروب التي لا يستفيد منها الا أعداء العروبة والاسلام والعالم الثالث، ودعاة الهيمنة العنصرية والتسلط الامبريالي.
رابعا - الجزائر والمغرب العربي :
ان المغرب العربي جزء من الوطن العربي وفكرة بناء مغرب عربي ضمن مشروع سياسي موحد وطموح كانت وما تزال من أعز مطالب أجيال المغرب العربي، آمنت بها عقيدة، ورسمتها هدفا، منذ العهد الاستعمارى، وتقتنع بها الآن مصيرا حتميا يمثل فى نفس الوقت، حلا أمثل لكثير من المشاكل والصعاب والصراعات.
ان وحدة المغرب العربي، زيادة على كونها تنبع من ماض مشترك تمتد جذوره في التاريخ، قد اختمرت وتعززت في حضن الحضارة العربية الاسلامية التي صهرت مجتمعات المغرب العربي وطبعتها بطابع مشترك يجعل وحدة مصيرها ثابتة الاساس تتماشى فى الوقت نفسه مع منطق العصر، ومطلب التقدم، ومشروع المستقبل.
ان بناء المغرب العربي الكبير، بوصفه عملية تحقق التقدم والازدهار ومسعى يدعم شروط الاستقرار في المنطقة، يستلزم وجود اتفاق واسع للتعاون على أساس المصلحة المشتركة لشعوبه، بحيث يكون في مستوى امكانيات التكامل بين اقتصادياته واحتياجات بلدانه تحقيقا لاندماج كل أطرافه.
فبناء المغرب العربي يمثل في نظر الثورة الجزائرية اختيارا أساسيا وموقفا استراتيجيا ولا يخضع لاية حسابات ظرفية عابرة. ولاشك أن بناء مغرب عربي قوى الاركان يستلزم الاحترام الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 187 الدقيق للمبادىء الثابتة المتصلة بحق شعوبه فى المساواة، وفي تقرير مصيرها بنفسها، وفى احترام سيادتها، وسلامة ترابها، وعدم التدخل في الشؤون | الداخلية للغير، واحترام الحدود الموروثة.
ان بعض أحداث السنوات العشر الماضية في المنطقة كادت تتسبب فى اثارة تطاحن بين الشعوب يحطم امكانيات الوحدة في الأجال المنظورة.
ولهذا تتعين مواصلة العمل على تعميق وعى شعوب المنطقة حتى لا تقع فريسة لمخططات الامبريالية التي تريد ضربها في الصميم.
ومن هنا تتضح ضرورة اتاحة كل الفرص لتأمين اللقاء بين الشعوب على مختلف المستويات وعبر قنوات ملائمة فعالة، وبصورة تساعد على استئصال أسباب التفرقة، وتقضى على عوامل التطاحن، وتحارب الشوفينية والنظرات الضيقة.
ان مفهوم الجزائر لوحدة المغرب العربي | وتصورها للتعاون بين دول المنطقة ينطلقان من ربط شعوب متساوية الحقوق بتضامن مصلحى يؤكد عمق الصهر التاريخي ويجسد مطامح الجماهير في بناء دائم للمستقبل.
على أن إيمان الجزائر بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وبحقها في اختيار النظام الاجتماعي الذى يتلاءم مع واقعها وتطورها التاريخي، وتمسكها بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، ورفضها لاية وصاية للغير عليها بنفس القوة التي تمنع بها نفسها من أن تفرض على الغير وصاية أو تعطيه دروسا، لا يعني أبدا أن الجزائر قررت أن تهادن الامبريالية أو تسكت عما تبيته من تهديد عبر قواعد وتسهيلات عسكرية تستهدف أمنها واستقرارها.
ان مبدأ دعم الاستقلال الوطنى الذى تعمل | له سياسة الجزائر الخارجية مبدأ مقدس يفرض على الثورة الجزائرية مواصلة الجهود ليس من أجل القضاء على رواسب الاستعمار ومخلفاته فقط، إ ولكن أيضا من أجل استئصال كل الاعراض والأمراض والظواهر التي سمحت في الماضي بسيطرته على المنطقة ردحا من الزمن لم يكن بالقصير، كما يفرض عليها مواصلة الكفاح من أجل التخلص من كل أشكال الهيمنة وصور الاستلاب وعلاقات التبعية.
ان مشروع وحدة المغرب العربي أعظم من ان يكتفى فيه بترديد الشعارات، فهو يتطلب تخطيطا جهويا صارما يقوم على هيكلة المغرب العربي ضمن عمقه العربي والافريقى هيكلة تنطلق من معرفة تاريخية وجغرافية وسوسيولوجية واقتصادية حتى تضبط على ضوئها مشاريع عملية تتوجه إلى المستقبل دون أن تدير الظهر الى الواقع.
ذلك أن هذه الوحدة في مفهوم الثورة الجزائرية، يجب أن تكون في خدمة شعوب المنطقة وتساعد على تحقيق رفاهيتها، أي أن غاية هذه الوحدة ينبغي أن تستهدف تحرير الانسان من البؤس وتحسين ظروف معيشته.
فمثل هذا التصور للوحدة يساعد على تحويل بلدان المغرب العربي الى مجال اقتصادي واحد تطبق فيه سياسة تنمية تخضع لتوجيهات تقضى على اختلال التوازن بين جهاته المختلفة.
خامسا - الجزائر وافريقيا :
ان ايمان الجزائر بضرورة الوحدة بين الشعوب، وانتهاجها سياسة حسن الجوار الايجابي هما اللذان يحركان مساعي الجزائر وتعاونها مع بلدان القارة الافريقية.
وان العلاقات التي تربطها، مثل مجموع المغرب العربي بالبلدان الافريقية الاخرى، علاقات عريقة انطلقت من بدايات التاريخ وتواصلت على مدى العصور، ولم تتوقف الا في عهد السيطرة الاستعمارية.
وما كادت الجزائر ترفع السلاح في وجه الاستعمار الفرنسى حتى راحت ديبلوماسيتها الناشئة تستأنف الاتصال بشعوب افريقيا، وتنسج 188 الجريدة الرسمية للجمهورية في خضم الحرب علاقات نضالية طبعت توجه | الجزائر الافريقي بطابع دائم.
وفعلا فقد جعلت الجزائر استكمال تحرير القارة الافريقية أحد الاهداف الرئيسية لسياستها الخارجية، وما فتئت تدعم منظمة الوحدة الافريقية، في نفس الوقت الذي تواصل فيه مساعيها من أجل تنمية علاقات التعاون والتبادل بين البلدان الافريقية، مع حرصها المستمر على تعزيز علاقات التضامن العربي الافريقي.
ومن هنا أخذت الجزائر على عاتقها أن تقوم بواجبها من أجل القضاء على بقايا السيطرة | الاستعمارية والعنصرية في افريقيا.
ويندرج في هذا الخط تصميم الجزائر على مواصلة دعم حركات التحرر الوطني في الجنوب الافريقى ودعم بلدان خط المواجهة في تلك المنطقة وان دعم وحدة القارة الافريقية في اطار التطابق الكامل مع مبادىء عدم الانحياز وأهدافه، اذ يشكل بعدا أساسيا لسياسة الجزائر في المجال الافريقي، يمثل الشرط والوسيلة لتحقيق التعبئة الجماعية من أجل صيانة افريقيا من المحاولات الرامية الى تفتيت ارادتها وبعثرة جهودها ودفعها بعيدا عن مهام تحرير القارة من الاستعمار والاستعمار الجديد، والعنصرية، والضغوط العسكرية الاجنبية.
وفي هذا الاطار تعتبر الجزائر أن تعميق التعاون العربي الافريقى يمثل هدفا استراتيجيا | ذا أهمية قصوى فى سياستها الخارجية.
ان التعبئة المعززة للوسائل المتوفرة وما | يحققه ذلك من مضاعفة للامكانيات يجعل من التعاون العربي الافريقي عاملا حاسما في مواقع كل من هاتين المجموعتين المتضامنتين فى كفاحهما ضد العنصرية والصهيونية اللتين يجمعهما حلف واحد يحارب في الوقت نفسه حرية الافارقة والعرب وتقدمهم.
ان الجزائر لم تكتف في هذا المجال | بالشعارات. فتعاونها مع البلدان الافريقية عبر الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه العلاقات الثنائية وفى اطار منظمة الوحدة الافريقية حقيقة يجسدها تكثيف المبادلات الاقتصادية والتجارية والسعى الى تعبئة المجموعة الدولية لفائدة البلدان الافريقية الأكثر تضررا بالازمة الاقتصادية العالمية والكوارث الطبيعية.
وتمثل منظمة الوحدة الافريقية الاطار اللازم لدعم التضامن الافريقي وتنسيق سياسات الدول الاعضاء.
وقد فرضت منظمة الوحدة الافريقية نفسها بما برهنت به من قدرة على مواجهة العديد من المشاكل التي تعانيها القارة، وبما قدمته من مساهمة ايجابية لدعم حركة عدم الانحياز وخدمة قضية الامن والسلام في العالم.
لهذا تعتبر الجزائر أن من واجبها أن تسهر على تدعيم هذه المنظمة واحباط محاولات التقسيم التي تستهدفها.
سادسا - سياسة الجزائر في حوض البحر الابيض المتوسط :
ما فتىء البحر الابيض المتوسط يقوم بدور أساسي في علاقات الجزائر الخارجية منذ فجر التاريخ، ولذا تولى الجزائر أهمية خاصة للعلاقة مع بلدان حوض البحر الابيض المتوسط وتطويرها لصالح جميع الشعوب التي تقيم على ضفافه وتخليص المنطقة من أسباب التوتر وعوامل الصدام.
ان الجزائر تؤكد استعدادها الكامل لاجراء مشاورات منتظمة مع البلدان المتوسطية، وخاصة مع بلدانه غير المنحازة من أجل القضاء على بؤر التوتر التي تغذيها سياسة العداون والقوة، وذلك حتى يتم تخليص المنطقة من جميع الاساطيل والقواعد والتسهيلات العسكرية.
لقد سبق للجزائر أن شاركت في اعداد ندوات متوسطية أنعقد بعضها في الجزائر، من أجل خدمة تلك الاهداف، كما ساهمت الى جانب عدد من البلدان المتوسطية عربية وأوروبية، في الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 189 بلورة مطالب شعوبها الملحة في تحويل البحر الابيض المتوسط الى بحيرة سلام.
والجزائر اذ تحرص على اقامة علاقات متميزة مع البلدان المتوسطية غير المنحازة، تسعى | في نفس الوقت الى اقامة حوار مع جميع البلدان الاوروبية المتوسطية ، لأن سلام البلدان المتوسطية وأمنها يمثلان كلا غير قابل للتجزئة.
على هذا الاساس ونظرا الى التداخل والترابط بين الاستقرار والامن والتعاون في القارة الاوروبية وفي حوض المتوسط، فان الجزائر ما فتئت تدعو الدول الاوروبية الى أن تولي العناية اللازمة | باهتمامات بلدان الضفة الجنوبية، وخاصة في اطار مؤتمر الامن والتعاون الاوروبي.
ذلك هو الشرط الذي يضمن عودة البحر الابيض المتوسط الى دوره التاريخى ورسالته الحضارية ومهمته في تعزيز علاقات الصداقة بين شعوبه ونشر السلام على ضفافه.
سابعا الجزائر ودول آسيا وأمريكا اللاتينية :
ان الجزائر المؤمنة بوحدة الكفاح والطموح التي تجمعها مع بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية التي تشاطرها التمسك بعدم الانحياز، كما تشاطرها الحرص على تدعيم الاستقلال الوطني، تتحرك في تنمية علاقاتها مع بلدان هاتين المجموعتين على أساس وحدة العمل من أجل اقامة نظام جديد للعلاقات الدولية، والاهتمام بتعزيز التعاون جنوب جنوب، واحترام حق كل شعب في تقرير مصيره واختيار نظامه السياسي والاقتصادى والاجتماعي بكل حرية، بعيدا عن أي تدخل أجنبي.
على هذا الاساس تؤيد الجزائر آمريكا اللاتينية في مساعيها الرامية الى صيانة فرص الوفاق والتعاون وفقا لما تريده شعوبها. وتتحرك الجزائر، على الاساس نفسه، في اطار عدم الانحياز داعية الى الحوار من أجل ايجاد حلول سياسية تفاوضية للتوترات التي تعانيها القارة الآسيوية | كما أن الجزائر تؤيد المبادرات الجهوية الرامية الى جعل المحيط الهندى جهة منزوعة السلاح، ومنطقة سلام ووئام.
ثامنا - علاقات الجزائر بالبلدان الاشتراكية :
ما فتئت الجزائر تقيم مع البلدان الاشتراكية علاقات صداقة ترجع بداياتها الى عهد حرب التحرير الوطني.
و بعد أن استرجعت الجزائر استقلالها تعززت هذه العلاقات وتحددت على أساس احترام الاستقلال الوطني وضمان توازن المصالح وتأمين المنفعة المتبادلة، مما جعل علاقاتها بهذه البلدان تحقق تطورا نوعيا معتبرا.
وهكذا قطع التعاون الاقتصادي والفني مع بلدان المنظومة الاشتراكية أشواطا كبيرة، وامتد الى ميادين عديدة، ويتوسع باستمرار في ظل الاحترام الكامل للاختيارات السياسية والاقتصادية لجميع الاطراف.
والجزائر اذ تحرص على تدعيم هذا التعاون وتوسيع ميادينه ليس لانها تحرص على تحقيق مطلب تنويع التعاون فقط، ولكن لان هذا التعاون يتم على الخصوص في اطار اتفاقيات بين الحكومات.
وتجدر الاشارة بهذا الصدد الى أن التعاون الاقتصادى والعلمى والفنى مع البلدان الاشتراكية لم يستنفد بعد كل امكانياته، ومن هنا يتعين السعى الى تحقيق المزيد من تطويره لصالح جميع الاطراف.
تاسعا الجزائر والدول الاعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية :
تحرص الجزائر في علاقاتها مع الدول الغربية على اقامة حوار وتعاون يعتمدان على الاحترام الدقيق للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعلى توازن المصالح. 190 الجريدة الرسمية للجمهورية ان الجزائر ما فتئت تسعى في اطار علاقاتها مع البلدان الغربية الى اقناعها بضرورة اقامة علاقات من نوع جديد تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الاطراف على المدى المتوسط والبعيد.
بناء على هذا المسعى ترى الجزائر ضرورة اقامة اتفاقيات تعاون اقتصادي منسجمة ومتكاملة تعتمد الشمولية فى علاقات التبادل، كما تعتمد على عدد من المبادىء الاساسية منها :
- الربط بين التعاون الاقتصادي والتعاون التقني،
- تأمين تصور يمتد على المدى المتوسط والبعيد.
- التحويل الفعلى للتكنولوجيا.
عاشرا - الجزائر ومنظمة الامم المتحدة :
تقوم الجزائر بالاضافة الى انشطتها ضمن حركة البلدان غير المنحازة ومنظمة الوحدة الافريقية والجامعة العربية ومنظمات جهوية أخرى، بنشاطات متعددة الاطراف داخل منظمة الامم المتحدة وهيئاتها المختصة.
وفي هذا المجال تعمل الجزائر على دعم المنظمة الدولية أولا وقبل كل شيء حتى يتسنى لها الارتقاء الى مستوى أهدافها التي يمكن حصر أهمها فيما يلي :
- توفير الوسائل التي تسمح لها بأن تضطلع على أكمل وجه بمهامها في استكمال تصفية الاستعمار وترقية التعاون الدولى من أجل اقامة نظام أمن جماعي.
تجسيد مطلب العالمية طبقا للمبدأ الاساسي القاضي بتساوى الدول فى السيادة، الذى يأخذ الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406
- تحقيق الديمقراطية حتى يكون اتخاذ القرارات معبرا عن مصلحة الجميع.
ان الجزائر قد قدمت فى اطار القضايا المتعلقة بنزع السلاح والامن الجماعي مساهمة فعالة في توضيح التصور الذي أدى داخل الامم المتحدة الى طرح مسألة قلب معادلة السباق نحو التسلح فى صيغ تستأصل الاسباب الرئيسية لذلك السباق وترسخ علاقة التداخل الطبيعي بين مشاكل السلام وقضايا التنمية.
ذلك أن السباق نحو التسلح بوصفه تعبيرا عن ارادة الهيمنة يعتبر فى آن واحد ظاهرة مرتبطة بنظام قائم على حرية استعراض القوة وعاملا يعرقل مسيرة التنمية وهذا ما يستلزم حتمية ضبط مسعى جديد يوحد بين السلام والتنمية بصورة تضمن التكفل بمشاكل نزع السلاح والامن الجماعي.
ان ضمان السلام والامن على المستوى العالمي يتطلب اتخاذ مجموعة من الاجراءات التنظيمية التي من شأنها أن تزيد في فعالية منظمة الامم المتحدة بتكيف قواعد تسيين مجلس الامن مع متطلبات الدفاع عن العدالة والحرية، وادانة العدوان من أي مصدر كان.
ان الجزائر الواعية بالمسؤوليات التي تتحملها بوصفها عضوا في المجموعة الدولية، تواصل جهودها من أجل تعزيز علاقات الصداقة والتضامن مع شعوب العالم الثالث، ومع جميع القوى الاشتراكية وكل القوى المحبة للحرية والعدالة والسلام فى العالم، كما تعمل جاهدة لاجل في الاعتبار حقيقة التكامل بين الامم ليضمن اقرار الحوار والتشاور وتأمين العدالة والازدهار للمنظمة أوسع مساهمة ممكنة في قيادة الشؤون الجميع الشعوب وضمان التفاهم والتعاون الدولية.
والصداقة بين جميع الأمم.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 191 الباب الثاني المؤسسات الوطنية الفصل الاول الحزب أولا - دوره القيادي :
لقد مرت مسيرة الكفاح من أجل تحرير الارض والانسان في الجزائر بمراحل مختلفة، انفردت كل مرحلة منها بمميزات وخصائص تستجيب للظروف والتطورات التي تلازم ديناميكية الثورة، وان معالجة التجربة الجزائرية وتقييم مسيرتها يؤديان بالضرورة، الى تحديد موقع جبهة التحرير الوطني في المسيرة الثورية الشاملة.
فحزب جبهة التحرير الوطني لم يكن تنظيما سياسيا عاديا، بل كان حركة ثورية قادت الكفاح التحريري، منتهجة أسلوبا ثوريا، حقق النتائج التي ظل يستهدفها نضال عشرات السنين، اذ استرجعت الاستقلال الوطنى، وحققت مطامح الجماهير الشعبية المتمثلة فى تجسيد وحدة التراب ووحدة الشعب ووحدة التنظيم، وفي الخروج من مرحلة الكفاح المسلح دون أى ارتباط سياسي ولا أية قيود اقتصادية ترهن المستقبل. وهذا أمر ذو أهمية بالغة جنب البلاد أخطار التبعية.
على أن مرحلة الكفاح المسلح من أجل استرجاع الاستقلال السياسي وطرد المحتل الاجنبى لم تخل من تناقضات داخلية. ولم تكن الثورة الجزائرية مختلفة عن كل الثورات فيما يتعلق بهذه الظاهرة.
الا أن لهب الثورة كان يساعد على تذويب التناقضات. كما أن تنظيمها عبر هياكل جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري، جيش التحرير الوطنى، كان يزيح من الطريق كل ما من شأنه أن يعرقل زحفها نحو النصر النهائي.
وكانت التحولات التي أحدثتها الثورة في المجتمع الجزائرى من العمق والقوة بحيث استطاعت أن تتجاوز، بسرعة فائقة، مفهوم مجتمع القبيلة، والعشيرة، والتعددية الحزبية، الى مفهوم يعتمد في قراراته على مبادىء المؤسسات التي احدثتها جبهة التحرير الوطني وعلى ضوابطها.
ذلك هو المسار الذي انصهرت ضمنه المبادي.
والاسس التي تتحكم اليوم في توجيه وتنظيم حزب جبهة التحرير الوطنى الذى يعبر من خلال هيئاته ومنظماته الجماهيرية والمؤسسات التي أقامها، عن ارادة الجماهير الشعبية ورغباتها الواسعة وطموحاتها المشروعة.
وهكذا، فان حزب جبهة التحرير الوطني حزب طلائعي، يضم العناصر الواعية التي يتم اختيارها من بين صفوف الفلاحين والعمال والشباب والوطنيين الثوريين، وفقا لمقاييس النزاهة والكفاءة والالتزام.
ولكي يستجيب الحزب لما تتطلبه المرحلة الجديدة من دعم للمكتسبات الاشتراكية، ويعمل على توسيعها حتى تشمل جميع القطاعات، يجب أن يحرص، قبل كل شيىء، على نشر ايديولوجيته وتعميمها حتى تصبح مرجعا فعليا، ودليلا عمليا لكل ما يوضع فى البلاد من برامج سياسية واقتصادية وتربوية وثقافية، واجتماعية.
ومن هنا، فان النظام التأسيسي في الجزائر يقوم على واحدية الحزب.
والحزب هو القوة الطلائعية لقيادة الشعب وتنظيمه من أجل تجسيد أهداف الثورة، وهو دليلها وأداتها في مجالات القيادة والتنظيم، والتوجيه 192 الجريدة الرسمية للجمهورية والتخطيط، والتنشيط، والرقابة. وبهذه الصفة يعمل دوما على تعميق ايديولوجيته في نطاق التوجيهات المحددة في هذا الميثاق. : والمؤتمر، عاديا كان أو استثنائيا، هو الهيئة العليا للحزب، ويتكون من مناضلين تنتخبهم القاعدة الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه تعمل أجهزة الدولة على تطبيق سياسة الحزب. ومن ثمة، فان اختصاصاتها واختصاصات الاجهزة الحزبية لا يمكن أن يندمج أو يتداخل بعضها في البعض الآخر، لان التنظيم السياسي للبلاد قائم على التكامل فى المهام، ولان واحدية بكيفية ديمقراطية، ويشارك فيه مناضلون آخرون | الحزب ووحدة القيادة السياسية تفقدان كل معنى، بحكم مسؤولياتهم، وممثلون للجيش الوطني الشعبي.
يعدل المؤتمر ويصادق على القوانين الاساسية للحزب، الذى يجب أن يخضع تسييره لمبادىء المركزية الديمقراطية، كما يضبط التوجيهات الايديولوجية للثورة، ويرسم السياسة العامة للبلاد، ويحدد الاهداف التي يجب تحقيقها، وينتخب اللجنة المركزية للحزب، ويزكي انتخابها للامين العام، ويرشحه لمنصب رئيس الجمهورية، كما يقر الخطوط العامة للمخططات التنموية.
اذا لم تكن كل الاجهزة السياسية والتشريعية والتنفيذية بجميع أنواعها وفي سائر المستويات تعمل بوحدة فى التصور، وتنطلق في أداء مهامها من كون كل واحد منها مسؤولا عن تجسيد ايديولوجية الحزب في ميدانه الخاص.
ومن هذا المنطلق، فان قوة الحزب وفعاليته تقاسان بمدى قدرة تلك الاجهزة على التنسيق فيما بينها، وعلى الوعى بأنها أدوات مختلفة تهدف الى تطبيق سياسة واحدة، وبأن كل ما يتحقق من ايجابيات وما يفرز من سلبيات، في وبما أن الميثاق الوطني هو الوثيقة - جميع الميادين، انما يحسب لها أو عليها مجتمعة.
الايديولوجية، والمرجع الاساسي لبناء المجتمع الجزائرى، فان المؤتمر يستطيع أن يعمق مفاهيمه وتوجيهاته، كما يستطيع أن يدخل عليه التسويات والتعديلات الضرورية، على ضوء ما يمليه تطور الثورة في جميع الميادين. ويمكن القيادة السياسية، أن تطرح الميثاق للمناقشة الشعبية الواسعة، كلما دعت الضرورة الى ذلك.
تتجسد قيادة البلاد في وحدة القيادة السياسية | للحزب والدولة. وفي هذا الاطار تتولى قيادة الحزب توجيه سياسة البلاد ومراقبتها.
وعلى هذا الاساس، تسند مسؤولية مراكز الحل والعقد في الدولة الى أعضاء في قيادة الحزب، بينما تسند مناصب المسؤولية الاخرى في أجهزة الحزب والدولة الى مناضلين. كما أن الترشيحات للهيئات المنتخبة يقدمها الحزب ويعرضها للاقتراع العام.
ويتولى الحزب مسؤولية الاشراف على عملية - ومن هذا المنطلق أيضا، يجب أن يتجلى تأثير الحزب في هذه الاجهزة سواء من الداخل، اذ أن المناضلين هم الذين يتولون مناصب المسؤولية فيها، أو بواسطة هيئاته على اختلاف مستوياتها التنظيمية.
ويتحدد دور الحزب وطرائق تنظيمه وعمل هيئاته وسير هياكله على مختلف مستوياتها في إطار قوانينه الاساسية.
ثانيا - النضال الايديولوجي :
ليست ايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني مذهبا متحجرا، ولا مجرد صيغ جوفاء، أو شعارات تتغير حسب الظروف، بل انها ايديولوجية متطورة متجددة، تتطلب اعدادا نظريا مستمرا، يزداد ثراء بالممارسة والتطبيق.
ان تجربة الجزائر الثورية، وأصالتها، وضرورة تعميقها، تفرض القيام بعمل ايديولوجي مبدع يضطلع به الحزب دون كلل أو ملل.
الانتخابات انطلاقا من طبيعتها السياسية. وتعتبر هذه الوظيفة الايديولوجية عاملا حيويا الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 193 لتماسك القوى الثورية، وتعزيز الوعي الاشتراكي ونشره، وتحقيق التعبئة الدائمة للشعب حول أهداف الثورة.
وعلى الحزب، كي يضمن التماسك المطلوب بين صفوفه، أن يجمع ضمن تنظيماته بين الانضباط الصارم واشاعة الديمقراطية المسؤولة على أوسع نطاق، وان يسعى للتوفيق بين ما يتطلبه الشعور المرهف بمقتضيات التنظيم من جهة، وروح المبادرة التي يجب أن يتحلى بها مناضلوه من جهة أخرى.
ان تعميق نضج الجماهير السياسي، وشحذ مداركها الثورية، هما ما يستهدفه كل عمل ايديولوجي ملموس. وهذا يحتم أخذ النقد الموضوعى بعين الاعتبار، ورفض التدجيل مع المحاربة الصارمة لكل النعرات الجهوية والقبلية والعشائرية والمحسوبية، وكل ما من شأنه تشتيت الصفوف.
وفي نفس هذا السياق، تجدر الاشارة الى أن خلية الحزب هي المدرسة الاولى للنضال الايديولوجي، وهي التنظيم القاعدي، ومركز الاشعاع، والاداة الاساسية للعمل السياسي والايديولوجي في أوساط الجماهير. ومن هنا، يتعين على الحزب أن يكيف تنظيمها، وتركيبتها البشرية، وأساليب عملها، حتى تساير تطور المجتمع، وطبيعة المهام والاهداف التي يجب تحقيقها. وبحكم هذه المكانة التي تتمتع بها فانها مدعوة الى العمل لاستقطاب الوطنيين المخلصين والاطارات الكفأة، وحثهم على الانخراط في الحزب.
وان خلية المؤسسة، التي هي الاداة التي تمكن الحزب من مباشرة مسؤوليته السياسية على مستوى الوحدات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والادارية والخدمات، ستبقى الاطار المفضل الذي يجب تدعيمه باستمرار من أجل تقوية الصلة بين النضال والعمل.
ثالثا - المناضلون :
ان حزب جبهة التحرير الوطني يستمد قوته من ارتباطه المتين بالشعب، لان الحزب لا يستطيع تنظيم الجماهير وتعبئتها ان هو لم يحرز ثقتها.
واذا كان مناضلوه هم القدوة، عملا وسلوكا ونزاهة واخلاصا، فانه يتمكن، حينئذ، من أداء رسالته على الوجه الاكمل.
وان القدرة على التمييز بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة واخضاع هذه لتلك، مهما كانت الظروف، والانصياع للانضباط الحزبي، والالتحام بالحزب وقيادته، والعمل على دعم وحدة قيادة الحزب والدولة، وممارسة النقد والنقد الذاتي مع التقيد بمبادىء المركزية الديمقراطية والمحافظة على السلوك الاشتراكي، والحرص الشديد على حسن اختيار المسؤولين على كل المستويات، هي كلها الاسس الواجب توفرها في المناضلين، اذ بدونها لا يمكن أن يضطلع الحزب بدوره كقائد للثورة.
وهذا يستلزم أن يكون لكل مناضلي الحزب وحدة تصور لكل القضايا الاساسية للثورة، حتى يتمكنوا من معالجة المشاكل اليومية بنفس التصور والتوجيه.
وعلى هذا الاساس لا يستطيع ان يتحصل على صفة النضال الا المقتنعون بمبادىء حزب جبهة التحرير الوطني الذين يلتزمون بتطبيقها، وينذرون أنفسهم للعمل من أجل تحقيق مثلها العليا، ويكافحون باصرار من أجل ترسيخ مقومات الشخصية الوطنية العربية الاسلامية، وانتصار الاختيار الاشتراكي المحدد في هذا الميثاق.
فعندما يلتحق المناضل بصفوف حزب جبهة التحرير الوطني، يكون قد الزم نفسه بخوض نضال لا هوادة فيه من أجل أن تتحقق الثورة كاملة، مقتنعا أن هذا هو أهم مثله العليا.
ومن هنا، يجب على كل مناضل أن يكون مضرب المثل في وعيه وحسه المدني، حماسا في 194 الجريدة الرسمية للجمهورية العمل، وأداء للواجب، وان ينتهج سيرة مثالية، ويضع مصلحة المجتمع فوق المصلحة الشخصية، ويعيش من أجرة عمله لا غير، ولا يتعاطى مباشرة أو بصورة غير مباشرة أى نشاط آخر يدر عليه مالا باستثناء الانتاج الفكري والعلمي.
فالحزب لا يكون قويا وقائدا الا بقدر ما يكون مناضلوه أكثر اخلاصا من غيرهم في الدفاع عن مصالح الشعب.
فعلى المناضلين أن يستوعبوا القاعدة النظرية التي ينطلق منها تصورنا للمجتمع طبقا لما جاء في هذا الميثاق. وبهذا الصدد يتعين عليهم أن يكتسبوا تكوينا مزدوجا على الصعيدين النظري والتطبيقي. وهذا يستلزم التدقيق في اختيار المكونين من بين الذين تمرسوا على العمل النضالي، وبرهنوا على تشبعهم بايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني، وتمتعهم بمستوى فكرى رفيع، وقدرتهم على التوفيق السليم بين النظرية والتطبيق.
ان التكوين الايديولوجي للمناضلين والاطارات لا يمكن فصله عن الحياة الديمقراطية داخل الحزب، اذ هو الذى يجعل المناضلين قادرين على طرح ما يستجد من قضايا داخل خلاياهم و أمام الهيئات العليا، ان اقتضى الامر.
اما النقد والنقد الذاتى فهما واجب وحق، في ذات الوقت، بالنسبة لكل مناضل، لان ذلك يسمح بتعزيز مصداقية الحزب، وحفز نشاطاته المبدعة، وتمتين اتصاله بالجماهير. وعلى المناضل أن يكون شجاعا في الدفاع عن آرائه، وان لا يتردد فى الكشف عن النقائص واقتراح الحلول لها.
وينبغي أن يحتل العمال والفلاحون موقعا بارزا في صفوف حزب جبهة التحرير الوطنى، لا لانهم يشكلون الاغلبية الساحقة من الشعب | فحسب، بل لان ذلك يتناسب والدور الذي يجب الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه أن يقوموا به والمكانة التي تعود اليهم في المجتمع الاشتراكي.
بيد أن هذا لا يعنى ابعاد سواهم من الفئات الاجتماعية الاخرى غير المستغلة، فالحرفيون والتجار مثلا هم جزء طبيعي من الثورة، ومع ثم يمكنهم أن ينخرطوا في صفوف الحزب.
وان اتساع أبعاد الثورة وتنوع مهامها المتمثلة في بناء المجتمع الاشتراكى يفرضان على الحزب أن يدعم بنياته بصورة ملائمة، وان يسهر على توفير كل الشروط المادية والمعنوية لممارسة النشاط النضالي، مع الحرص على حماية المناضلين حتى يتمكنوا من أداء مهامهم بكل نجاح واعتزاز، خاصة فى ابداء الرأي، ومحاربة الانحرافات والسلبيات.
رابعا - الاطارات :
واذا كان النجاح فيما ترمى اليه الثورة من اقامة صرح اقتصادي واحداث تغييرات اجتماعية يتطلب نهجا سياسيا سليما، ومنظورا مستقبليا واضحا، فان النتائج المرجوة تظل متوقفة على الرجال الذين تناط بهم مهمة التنفيذ.
وتتحمل الاطارات في جميع المستويات مسؤولية خاصة فيما يتعلق بانجاز مهام الثورة، ومن هنا يكتسى اختيارهم طابعا استراتيجيا حاسما.
ذلك أن الاطارات اما أن يكونوا قوة دفع للثورة واما أن يشكلوا على العكس من ذلك، عائقا للجهود المبذولة في سبيل التنمية، وعلى ضوء تصرفاتهم وسلوكهم، تحكم الجماهير على مدى سلامة الحركة الثورية معنوياً وسياسيا. ولذا فان التعبئة الشعبية ونجاح مهام التنمية مرهونان بما تتحلى به تلك الاطارات من خصال.
ان اختيار الاطارات المؤهلة يعنى الاعتماد، بالدرجة الاولى على الالتزام، مما يتطلب توفر معايير ايديولوجية وسياسية محددة تتطابق مع اختيارات هذا الميثاق ومبادئه. وذلك يمنى الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 195 انتقاء المناضلين المحنكين ايديولوجيا وسياسيا | الذين يدركون ادراكا سليما مواطن مصلحة الدولة | الاشتراكية وفقا للخط السياسي للحزب، ويدافعون | عنها بكل حماسة ويتفانون في أداء واجبهم الى درجة التضحية من أجل ترجمة مثل الثورة العليا الى المجالات وعلى الاسهام بنظرتهم الجديدة، في معالجة الامور. وينبغى أن تتم هذه الترقية للشبان المتمرسين وفقا لمبدأ التكامل الوثيق بين الاطارات المتقدمة والاطارات الناشئة، وذلك هو قانون التطور المستمر للثورة.
واقع محسوس. خامسا - المنظمات الجماهيرية :
وبقدر ما يكون التكوين الايديولوجي للاطارات سليما يوفق هؤلاء فى ايجاد حلول للمشاكل طبقا للاتجاه الذي يرسمه حزب جبهة التحرير الوطني.
وان اختيار الاطارات المؤهلة معناه كذلك استكشاف العناصر التي تتوفر فيها الكفاءات التقنية، والخبرة الضرورية، والدراية الحقة بأساليب تنظيم الشؤون العامة وتسييرها.
ومن ناحية أخرى، فاختيار الاطارات المؤهلة ييعنى ترقية كل مناضل نزيه ملتزم يفضل مصالح الثورة على مصلحته الشخصية، ويعيش من ناتج عمله لا غير ، اذ لا يمكن الجمع بين الثروة واحتلال موقع طليعى فى الحزب ومنظماته الجماهيرية، لان في ذلك تناقضا يجب ازالته دون تحفظ لتفادى خطر نشوء انخرافات مضرة، من شأنها أن تفرغ حركتنا الثورية من محتواها الايديولوجي.
ان امتلاك قناعات سياسية متينة والاخلاص التام للبلاد يجسدان الملامح الرئيسية للاطارات وان النزاهة والكفاءة والالتزام بايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطنى هى المعايير الاساسية التي يجب توفرها في كل اطارات الحزب، والجيش والادارة، والمؤسسات الاشتراكية، والمنظمات الجماهيرية، والاتحادات العلمية والثقافية | والمهنية .
كما أن توزيع الاطارات يجب أن يخضع لمهام البناء الاساسية مع السهر على أن يتم استعمالهم على الوجه الأكمل، وتوزيعهم حسبما تفرضه الاولويات.
وان مصلحة الثورة تقتضى ترقية جريئة للشباب القادرين على بث روح الحماسة في جميع | ان المنظمات الجماهيرية امتداد طبيعي لحزب جبهة التحرير الوطني، عليها أن تستجيب لاحد المتطلبات الجوهرية للثورة، الا وهو تعبئة أوسع فئات الشعب لتحقيق كبريات المهام السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تتوقف عليها تنمية البلاد والنجاح في بناء الاشتراكية.
والمقصود هنا تنظيم المجاهدين، والفلاحين والعمال، والشباب، والنساء، في جميع المستويات وعلى أوسع نطاق، والعمل على تعميق وعيهم بمسؤولياتهم، وبالدور المتعاظم الذي يجب أن يضطلعوا به في بناء الوطن.
وتشكل المنظمات الجماهيرية، تحت اشراف الحزب وتوجيهه ومراقبته، مدرسة للتربية المدنية والانضباط النضالى وتلقين الديمقراطية الاشتراكية، وهي كذلك أجهزة نشيطة لنشر ايديولوجية الحزب ومورد للطاقات النضالية التي تعد أحد الروافد الاساسية التي تمد الحزب بالمناضلين.
و من البديهي أن بلوغ هذه الغاية ليس بالامن السهل، خاصة اذا أخذنا في الاعتبار أخطار التحديات الثقافية الامبريالية التي ترمي الى شل العقول ونشر الآفات الاجتماعية التي تعرقل حركات النمو والتطور والتقدم في جميع الميادين.
لاجل ذلك ينبغى أن تعمل المنظمات الجماهيرية على ترقية أعضائها، فترفع مستواهم الثقافي والسياسي، وتشحذ حسهم الوطني، وتحسن تكوينهم التقني والمهني. وبذلك فقط تستطيع أن تجعل منهم منتجين أحرارا وحماة للمكتسبات الثورية . 196 الجريدة الرسمية للجمهورية والى جانب انشطتها الخاصة تقوم بأعمال تتصل بالتنمية الوطنية فتجمع بين التوعية السياسية والايديولوجية والتربوية، من جهة والمهام العملية الناشئة عن الاختيارات الكبرى للبلاد، من جهة ثانية.
كما أنها تشارك فى حياة الامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وتخضع في تسييرها الداخلي، لقوانينها الاساسية ونظمها الخاصة، التي يجب أن تتطابق خطوطها الرئيسية مع ايديولوجية الحزب وتوجيهاته. واذا كان الحزب يؤدى ازاء المنظمات الجماهيرية دور الحافز والموجه والمراقب، فان واجبه أن لا يضعف امكانيات المبادرة لديها، فضلا على أن يحل محلها.
وحفاظا على سلامة التوجيه السياسي، فان مناصب المسؤولية داخل المنظمات الجماهيرية والتنظيمات العلمية والثقافية والمهنية لا تسند الا للمناضلين.
أما التنسيق بين هيئات مختلف المنظمات الجماهيرية على جميع الاصعدة، فانه من اختصاص الحزب
1 - المنظمة الوطنية للمجاهدين :
لقد كان المجاهدون هم القوة الطلائعية في الكفاح من أجل التحرير الوطني. ويشكل الذين يعملون منهم اليوم في صفوف الحزب وأجهزة الدولة، من أجل استمرار الثورة وانتصار أهدافها في تحقيق الاشتراكية، طاقة ثورية هائلة.
ومن هنا يتحتم أن تصبح المنظمة الوطنية للمجاهدين تنظيما طلائعيا قويا، يساهم بفعالية في دعم الحزب والدولة. وعلى هذا الاساس يجب أن تضم صفوفها كل المجاهدين الذين شاركوا فعليا في الكفاح من أجل التحرير الوطني ويواصلون النضال من أجل انتصار الاختيار الاشتراكي للبلاد.
ان المنظمة الوطنية للمجاهدين، لمدعوة أيضا الى تطوير نشاطها، باعتبارها مصدرا لتزويد الحزب والدولة بأكثر العناصر وعيا والتزاما الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وتأكيد دورها بوصفها حارسا يسهر على التقاليد الثورية لكفاح الشعب الجزائرى. وهي، اذ تؤمن الارتباط الوثيق بين الماضي والحاضر، متجهة به نحو المستقبل، عليها أن تسعى لتخليد الماثر الحية للنضال البطولى من أجل التحرير الوطني وان تغرس في الاجيال الصاعدة خاصة ، روح ثورة أول نوفمبر، وقيمها الخالدة.
وهذا يستلزم أن لا تكون المنظمة الوطنية للمجاهدين مجرد جمعية تستهدف الدفاع عن مصالح أعضائها فقط لان حماية الحقوق الخاصة بالمجاهدين وذوى الحقوق وصيانة كرامتهم في مجتمع هو في عنفوان التحول، تعتبر واجبا وطنيا، يدخل ضمن اختصاصات مؤسسات الحزب والدولة.
2 - الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين :
ان الاضطلاع بالمهام العديدة والمتشعبة للقطاع الفلاحي المتمثلة في تغيير وجه الريف تغييرا جذريا، يستوجب بالدرجة الاولى مساهمة الفلاحين الذين يتولون شؤونهم الخاصة بأنفسهم في اطار منظمتهم « الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين»، الذي يجب عليه أن يوفر لاعضائه كل الظروف اللازمة ليتمكنوا من الدفاع عن مصالحهم والسهر على تحديث تقنيات الانتاج وتطوير أساليبه.
والاتحاد الوطنى للفلاحين الجزائريين منظمة جماهيرية تضم في صفوفها فئة من القوى الاساسية للثورة، تتمثل فى كل المستفيدين، والمستصلحين وعمال القطاع الفلاحى، والفلاحين ومربي الماشية والاطارات المرتبطة مباشرة بالعمل الفلاحي. ومن ثمة، فان عليه أن يهتم بقضايا الانتاج، وأن يستكشف مواطن الضعف، وأن يعمل بمساعدة الهيئات المعنية على ازالتها. كما عليه أن يجعل الاهتمام بتعاونيات الخدمات الفلاحية ضرورة ملحة يفرضها ارتباطها الوثيق بدعم ظروف الانتاج وتحسين الانتاجية.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 197 ومن هذا المنطلق يتعين على منظمة الفلاحين القيام بتعبئة هذه القوى الاساسية وتجنيدها في اطار ايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطنى المادية للاقتصاد الاشتراكي، وخلق الشروط الموضوعية الكفيلة برفع شأن العمل، كما أنها ترمى الى جعل كل العمال يتحررون من فكرة والسعى لتمكينها من مسايرة التطور العصرى | الاجير المحايد، ويدركون أنهم مسؤولون معنيون السريع الذي يشهده هذا القطاع وتحقيق مطامحها المشروعة المتمثلة فى رفع الانتاج وضمان الامن الغذائي، والاسهام في تحقيق الاكتفاء فيه كما ونوعا، والاستعداد لمرحلة ما بعد البترول.
ان هذه الاهداف السامية السياسية والتنموية لا يمكن أن تحققها المنظمة الا بمساندة الهيئات السياسية والادارية المعنية بهذا القطاع الحيوى، وتعميم المكننة والاساليب العصرية المستعملة في هذا الميدان، وتوفير المياه، وحسن استغلالها، وتوزيعها توزيعا رشيدا، مع الاعتناء أكثر باليد العاملة الفلاحية بادخال العناصر الشابة وضمان تكوينها تكوينا فلاحيا تقنيا معاصرا لتتمكن من الاستغلال الامثل للوسائل الموضوعة تحت تصرفها من جهة، ومسايرة التقنيات المستجدة، من جهة أخرى. 3 الاتحاد العام للعمال الجزائريين :
ان الحق النقابي مضمون لجميع العمال يملك جميع العمال حق الانخراط في الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وعلى هذا الاساس يمارس الاتحاد صلاحيات تأطير العمال وتنظيمهم وتجنيدهم. ويعتبر عاملا كل شخص يعيش من حاصل عمله اليدوى أو الفكرى، ولا يستخدم غيره في نشاطه المهني.
وبما أن العمال يؤدون دورا بالغ الاهمية في تحقيق مضاعفة الانتاج وتحسين الانتاجية، فان الاتحاد العام للعمال الجزائريين، كتنظيم جماهيري مطالب بتوفير كل الشروط الموضوعية التي من شأنها أن تسمح للعامل بالارتقاء الى مستوى الوعى الذي يمكنه من ادراك المسؤولية الملقاة على عاتقه، والتي تهدف الى تجنيد كل السواعد المنتجة من أجل مضاعفة ثروة الامة عن طريق دعم القواعد | مباشرة بمصير المؤسسات التي ينتمون اليها.
كل هذه المهام النبيلة هى التي ستجعل الاتحاد العام للعمال الجزائريين يتحول الى مدرسة لتكوين العامل الصالح والمناضل الاشتراكي، والى تنظيم جماهيرى يفيض بالحماسة والحيوية، قادر ليس على التعبئة والتجنيد فقط ولكن كذلك على التوعية والتكوين، وهى حلقات متكاملة وضرورية لتحقيق المزيد من المكتسبات والحفاظ عليها.
و بهذا الصدد، ينبغى التأكيد على أن التسيين الاشتراكي للمؤسسات مكسب ثورى، يجب أن يدعم. لكن ذلك لن يتأتى الا اذا تمكن الاتحاد من توعية العمال، بحيث يدركون أن التسيير الحقيقي هو مضاعفة الجهد والتفاني في الشغل لزيادة مردوديته، وصيانة وسائله.
وفي القطاع الخاص، فان الاتحاد يقوم بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية للعمال وحماية مصالحهم وشحذ حسهم المدني، ويعمل على خلق الظروف الموضوعية التي تجعل القطاع الوطني الخاص مكملا للقطاع العام ومجندا في اطار مخططات البلاد التنموية، بغية التصدى لمحاولات الاستغلال والهيمنة التي تقوم بها الاحتكارات الا. الاجنبية. 4-4 الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات :
لقد برهنت المرأة الجزائرية، خلال مرحلة الكفاح المسلح على استعدادها للتضحية والكفاح بشجاعة وتفان من أجل الاستقلال الوطني، وتشييد المجتمع الجديد، وقد دفعت ثمنا غاليا من أجل أن تكتسب حقوقها كاملة في بلاد استكملت تحررها.
وان الثورة الجزائرية، اذ تعمل، اليوم على تجسيد تطلعاتها بتوفير الشروط الموضوعية التي تساعد على أن تتبوأ مكانتها في المجتمع، لتهدف 198 الجريدة الرسمية للجمهورية الى تمكينها من الاندماج الفعلى في مسيرة التنمية حتى تضمن مساهمة ملايين النساء الجزائريات اللائي يشكلن طاقة هائلة للاقتصاد الوطني.
وحتى يستطيع الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات القيام بمهامه كاملة والاستجابة المتطلبات التطور والاسهام في تنظيم الاسرة | والمجتمع، يتعين على الحزب والاجهزة التنفيذية | في الدولة أن تعمل على توفير كل الشروط الضرورية، المادية منها والمعنوية الكفيلة بضمان السير الطبيعي للاتحاد فى مختلف المستويات.
ان التحول الاجتماعى الذى احدثته الثورة في وضعية المرأة يحتم على الاتحاد أن يبذل مجهودات أكبر للاضطلاع بدوره في قيادة المعركة الموجهة لتخليص الذهنية النسائية والذهنية الرجالية، على حد سواء من رواسب نظرة متخلفة تحقيرية لا تستند الى أساس صحيح من دين أو علم أو أخلاق.
ولا يخفى أن مثل هذه العملية تقتضى تخطيطا اجتماعيا وثقافيا يتجاوز نطاق الاتحاد الوطنى للنساء الجزائريات، كما تتطلب عناية شاملة بالمواطنات في المدن والارياف مع مراعاة خصوصيات الاوضاع الاجتماعية المختلفة، لان المطلوب هو تحقيق الهدف المنشود عن طريق الاقناع والطواعية، لا عن طريق الفرض والاكراه، ولان المرأة تؤدى الى جانب الرجل | دورها في اعداد أجيال الغد التي يتوقف عليها مستقبل الثورة. 5 الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية :
ان الشباب الجزائرى لا يستطيع أن يرتفع الى مستوى المسؤوليات التي تنتظره الا اذا تشبع بعظمة المهام التي سيضطلع بها، ورفض أن تكون أفكاره وسلوكه انعكاسا لانماط مضرة، فالتقليد | الاعمى لانواع السلوك المستوردة من بيئات اجتماعية مختلفة يشكل عامل تثبيط ويمثل انحرافا معاديا للقيم الوطنية والمباديء الاشتراكية.
الجزائرية الأحد 7 جمادي الثانية عام 1406 ه وعلى الشباب المثقف خاصة أن يكون مرتبطا بالجماهير التي هو نابع منها، لان ارتباطه بها واحتكاكه بمشاكلها اليومية من شأنهما أن يجعلاه يتدرب تدريبا مفيدا على ممارسة المهام السياسية والايديولوجية للثورة. وينبغي أن تترتب على تعليم الشباب التزامات محددة حيال المجتمع، تحتم عليه تسخير معارفه لفائدة الجماهير الشعبية، وذلك لا بوضع نفسه في خدمة مصالحها فحسب، بل بقيامه أيضا، ضمن صفوفها، بعمل يرمى الى رفع مستواها الثقافي ووعيها الاجتماعي.
وينبغي ألا يبقى أى شاب بمعزل عن التربية الايديولوجية التي تعمق الوعى الثوري لديه وتوطد الأواصر التي تشده الى الشعب، وتربطه بالواقع الوطني، في اطار منظمة الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية .
وهكذا فان الامر بالنسبة للشبيبة هو أن تكون على وعي جيد بالمشاكل الكبرى التي تواجهها البلاد، وبما تم انجازه، من تقدم، وبالتحولات المطلوبة فى المستقبل من أجل استئصال البؤس والجهل والقضاء على استغلال الانسان للانسان والعمل على اقامة المجتمع الاشتراكي.
واذا كان الاتحاد يتولى عملية التجنيد بكيفية تسمو على الفروق الاجتماعية، فانه لا تجوز الغفلة عن كون الاخطار التى تواجه الشباب كثيرة ومتنوعة نتيجة المحيط الذى يتحرك فيه ومن جراء احتكاكه بتيارات سياسية وايديولوجية أجنبية متعددة.
ومن هنا فان الاخطار المترتبة على هذا الوضع لا يمكن مواجهتها بالارادية، كما كان الشأن في الماضى، بل ان مواجهتها تتطلب دراسة عملية وموضوعية دقيقة للحقائق الاجتماعية والسياسية، ولطبيعة التكوين الانساني في تفاعله وتأثره بالتيارات المختلفة التي يزخر بها محيطه القريب والبعيد. لاجل ذلك يتعين على الاتحاد أن يولي الحركة الكشفية وطلاب الجامعات عناية خاصة وأن ينفذ الى مختلف مستويات التعليم، والمعامل والمزارع، والاحياء، وأن يشحذ قدراته في مجالات الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 199 التربية السياسية والتكوين الايديولوجي، زيادة | على الدور الذي ينبغي أن يتكفل به الى جانب الاجهزة المختصة في ميادين التكوين المهني، ومحو الامية، وتنمية الانشطة الثقافية والترفيهية، ومعالجة المشاكل الاجتماعية الناجمة عن مظاهر الغزو الثقافي. 6 التنظيمات العلمية والثقافية والمهنية :
ان تنمية البلاد الشاملة التي تعتمد على مجهودات القوى الاساسية للثورة، والفئات الاجتماعية الأخرى، تفرض على الحزب الاهتمام بالتنظيمات العلمية والثقافية والمهنية من خلال الاشراف والتوجيه والرقابة بغية تعبئة أكبر عدد من أفراد هذه الفئات وتنظيمها، واستقطابها، وتمكينها من الاسهام فى معركة البناء والتشييد من جهة، ومن التعبير بكل حرية ومسؤولية، عن انشغالاتها داخل أطرها النظامية من جهة أخرى.
ومن ناحية ثانية فان هذه التنظيمات تستجيب لمطلب الحرص على استمرار الطابع الشمولي للثورة الذي يشكل عاملا أساسيا لدعم نشاطات المنظمات الجماهيرية في مجال نشر الوعي السياسي والايديولوجي والثقافي والعلمي ورفع المستوى التقني والحرفي.
الفصل الثاني الدولة لقد استعادت الدولة الجزائرية وظيفتها التاريخية بفضل كفاح مرير وتضحيات جسام قدمها الشعب كله في مختلف مراحل هذا الكفاح، فتجسدت بذلك السيادة الوطنية المستردة بعد اختفاء دام أكثر من قرن.
أولا - مفهوم الدولة :
ان مفهوم الدولة الجزائرية ككيان عريق أعادت بناء صرحه جبهة التحرير الوطني، قد مر بمراحل انتقلت خلالها من مفهوم الديمقراطية | الاجتماعية، كما نص على ذلك بيان أول نوفمبر | سنة 1954 ، الى واقع الديمقراطية الشعبية الذى فرضته الجماهير سعيا لبناء المجتمع الاشتراكي.
وتستمد الدولة الجزائرية سلطتها من الارادة الشعبية وسمتها من خصائص الشعب وتقاليده العريقة. فهى جمهورية شعبية الطابع، اسلامية العقيدة، اشتراكية المنهج، واحدية الحزب ، ديمقراطية المؤسسات عصرية التوجه، يحدد الدستور علاقات مختلف وظائفها، وأجهزتها، والاحكام التي تسيرها.
وهكذا كان انبعاث الدولة الجزائرية، تعبيرا صادقا عن الارادة الشعبية، وضمانا أكيدا للاستقلال الوطنى وحرية المواطنين متسمة بالجدية والاستقرار والقوة، تسيرها القوانين، وتحترم القيم الاخلاقية والمثل العليا، وتستمد علة وجودها وفاعليتها، وسلطتها، من ارادة الشعب وتقبله اياها. ولهذا ينبغى ترسيخ مفهوم الدولة وتعميق الوعى بمهمتها وبدور أجهزتها في خدمة المجتمع.
واذا كان مفهوم الدولة يتمثل، أولا وقبل كل شيىء، في غائيتها الاجتماعية وفي محتراها الايديولوجي، فان هذا المحتوى وتلك الغائية لا بد أن يتجليا في التحولات الكبرى التي تحققها البلاد، في اطار تجسيد ايديولوجية حزب جبهة التحرين الوطني.
ثانيا - الدولة والبناء الاشتراكي :
ان الدولة في الجزائر أداة لتحقيق سياسة الثورة الرامية لتجسيد مطامح الجماهير الشعبية.
وان الوسائل الرئيسية للانتاج في الدولة الجزائرية موضوعة بين ايدى الجماهير الشعبية، تستثمرها لفائدتها ويقوم المحتوى الاجتماعي للدولة على الملكية الجماعية لوسائل الانتاج ولا يقتصر دورها على تدخلات محدودة في الحياة الاقتصادية. ومن ثم تعمل الدولة على أن لا تكون ثمار التنمية الاقتصادية حكرا على فئة محظوظة، بل تضمن لكل مواطن حقه حسب عمله. 200 الجريدة الرسمية للجمهورية ومعنى ذلك ان تحكم الدولة فى الاقتصاد لا يقتصر على تغيير علاقات الانتاج فحسب، بل يمتد الى تطوير الطاقات الانتاجية الى أقصى حد باعتبارها القاعدة المادية للتنمية الاشتراكية. وفى هذا الاطار، تعمل أجهزة الدولة على مضاعفة انتاج الثروات المادية، وتؤمن الرقى الاجتماعي، والثقافي، وتعميم التعليم، وتضمن الرعاية الصحية للمواطنين، وتسهر دوما على رفاهيتهم.
وفي هذا الاتجاه بالذات، يجب على أجهزة الدولة أن تعمل فى اطار تطبيق سياسة الحزب على تعزيز الثورة فى مجالات الزراعة والصناعة والثقافة بوصفها مهام أساسية في عملية البناء الاشتراكي.
ثالثا - الدولة والديمقراطية : i ان الدولة الجزائرية الديمقراطية الشعبية | تعبر عن تطلعات القوى الاساسية في المجتمع وتقوم أساسا على مشاركة الجماهير الشعبية في تسيير شؤونها من خلال المجالس الشعبية المنتخبة التي تمكن القوى الاساسية للثورة من ممارسة الديمقراطية والمشاركة الفعلية في عملية التنمية الشاملة .
ان الديمقراطية في الجزائر تضمن للجماهير الشعبية ممارسة الحكم لتحقق بذاتها ودون عائق تطلعاتها المشروعة، ولتدافع عن مكتسبات الثورة.
وخلافا للتصور الذي يجعل الديمقراطية مقتصرة على الحياة السياسية دون سواها، فان قواعد الديمقراطية فى الجزائر تبنى على تحقيق اشتراكية وسائل الانتاج ومساهمة القوى الاساسية ومجموع المواطنين في ايجاد الحلول لاهم القضايا التي تطرح في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
فالدولة الجزائرية، اذن دولة ديمقراطية في أهدافها وتسييرها، لان المساهمة النشيطة للشعب العامل في التشييد الاقتصادي والاجتماعي | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه والثقافى وفى الادارة والمراقبة ضرورة تفرضها الثورة. ومن هنا تكون المجالس الشعبية أجهزة رئيسية لسلطة الدولة تتجسد فيها ارادة الشعب.
وهذه المجالس المؤسسة على المستوى البلدى والولائي والوطني تشكل هيئات تقرير وتنفيذ وتشريع ومراقبة.
رابعا الدولة والمواطن : - ان الدولة الجزائرية، باعتمادها الديمقراطية الاشتراكية، تضمن الحرية الحقيقية للفرد، فتحرره من كل أشكال استغلال الانسان للانسان، وتحميه من البطالة والمرض والفقر والقلق على مصير أبنائه، وتعمل على الغاء الامتيازات، وتملك الفلاح الارض، وتجعل العامل مسيرا مسؤولا، وتعيد توزيع الدخل الوطنى لصالح الجماهير وتفتح لها أفاق الرقى. وبهذا تهيء الديمقراطية الاشتراكية الظروف الموضوعية ليمارس المواطنون حرياتهم الاساسية وحقوقهم في اطار القانون، فتضمن الحريات العمومية، وبخاصة حرية التعبير، والرأى والتفكير، والتنقل.
و بالاضافة الى ذلك فهى تحدد واجبات المواطن نحو المجتمع، لان تطور البلاد وارتفاع المستوى المعيشي للجماهير الشعبية يتوقفان بالدرجة الاولى، على التزام كل واحد بأداء واجباته، والتحلى بالروح الوطنية. وتعميق التضامن الوطنى، واذكاء الحس المدني، والانضباط، واحترام القانون والاخلاص للصالح العام، والحفاظ على الاملاك العمومية.
واذا كان من المبادىء العليا للثورة ألا يعلو أحد على القانون، فانه يجب أن يتجسد هذا المبدأ في جميع مؤسسات الدولة وكل أجهزتها.
ومن ثمة فان حماية المواطن هي احدى الوظائف الاساسية للدولة، اذ عليها أن تضمن له الامن والتمتع بثمار عمله بكامل الاطمئنان وتقوم بهذه الوظيفة مصالح الامن باعتبارها جهازا ضروريا للقضاء، وأداة تسهر الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 201 على حماية الثورة من كل أشكال التخريب داخليا وخارجيا، وتساهم في الدفاع عن الوطن.
ان مصالح الامن هى فى خدمة الشعب والمواطن. ويجب أن تكون العلاقات بين المواطن و مصالح الأمن قائمة على الارادة المشتركة في استتباب الأمن العمومي وحفظه، وصيانة فضائل الثورة. وان مبدأ مساواة الجميع أمام القانون لهو مبدأ ثابت، وهو يقتضى ضمان الممارسة الحرة للحقوق بالنسبة لجميع المواطنين الذين ينبغى أن يطمئنوا، على أن حقوقهم لن تهضم، وأن باستطاعتهم استعمال الوسائل القانونية لحمايتهم، وفرض احترام حقوقهم.
خامسا - الدولة واللامركزية :
ان الدولة الجزائرية دولة موحدة غير ان هذا لا يمنعها أن تتحصن من أخطار المركزية واستفحال مظاهر البيروقراطية.
ولهذا يجب أن تبنى هياكلها على أسس تكفل تحقيق الاهداف المسطرة بأقصى ما يمكن من الفعالية، كما يجب أن تستهدف أنماط تنظيمها تحقيق التنمية السريعة بواسطة الشعب ولفائدته.
وهكذا لا يجوز للدولة أن تبرز في هياكل تكون | واختيار رجال أكفاء سياسيا وإداريا، مع جمل اللغة الوطنية لغة التكوين والتعامل، والعمل لتكييف الاجراءات وتسهيلها وتوحيدها.
وترتكز سياسة اللامركزية على توزيع متزن للصلاحيات والمهام حسب تقسيم منطقى للمسؤولية في اطار وحدة الدولة. فتتولى السلطة المركزية مهام التصور، والتخطيط والتوجيه، والرقابة والتنسيق والمتابعة وتنشيط الاجهزة التنفيذية القاعدية، والفصل في القضايا ذات الاهمية الوطنية، في اطار الاهداف المسطرة، وطبقا للتوجيهات الاساسية، ومن خلال الرقابة الميدانية والسهر على احترام تطبيق القوانين.
وتضطلع الولاية، باعتبارها حلقة وصل بين البلديات والادارة المركزية بالمهام الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعميم التنمية في اطار تنفيذ البرامج والمخططات في المستوى الولائي، وتنشيط الجماعات المحلية في شتى الميادين من خلال المتابعة الميدانية، كما تساهم في اعداد استراتيجية التنمية والتخطيط وتطبيقها.
أما البلدية، بصفتها الخلية الاساسية للدولة وأداة لتقريب الادارة من المواطن، فانها تجسد فيها مركزية السلطات سببا في خلق جهاز ثقيل | روح الديمقراطية الشعبية من خلال تعاملها يفرز بيروقراطية تعرقل النشاط وتقضى على كل روح للمبادرة لدى القاعدة.
ان الدولة الجزائرية قد اتخذت من اللامركزية أساسا لتطويرها وتنظيمها ووسيلة تزيل العراقيل الادارية وتسعى لجعل غاية أعمال الاجهزة التنفيذية القاعدية، تحقيق الفعالية وتقريب الادارة من المواطن، وتحرير مجموع الطاقات الحلاقة في كل المستويات، وتمكين الجماهير الشعبية من حل مشاكلها بنفسها.
ولا يتأتى ذلك الا باجراء اصلاح ،ادارى، يأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع، ومتطلبات التنمية ومقتضيات العصر. ويكون هذا باعتماد أساليب ادارية حديثة، وتخطيط محكم، وتكوين راق | المباشر مع الجماهير التي تتولى تسييرها ومراقبتها عن طريق ممثليها المنتخبين. وتمثل منطلقا قاعديا للتخطيط ووسيلة فعالة لتحقيق أهداف التنمية.
المحلية وايجاد الحلول للمشاكل التي تطرح عليها.
وهذا يقتضى تشجيع روح المبادرة ودعمها لدى البلديات، وتسهيل اجراءات اتصالها بأجهزة الولاية.
واذا كانت البلدية هي الاطار المفضل لعرض قضايا المواطنين ومعالجتها فانها تحتاج الى دعم دائم مستمر بالامكانيات التقنية والبشرية، خاصة الاطارات المؤهلة لتمكينها من الاضطلاع بالدور المنوط بها، والعمل دوما على مراجعة النصوص التي 16 تحكم سيرها لتتلاءم مع متطلبات المرحلة. 202 الجريدة الرسمية للجمهورية وتستهدف اللامركزية منح الجماعات المحلية | كل الوسائل والمسؤولية التى تؤهلها للقيام بنفسها بمهام تنمية المنطقة التابعة لها، وبذلك تصبح هذه الجماعات هي الجهاز القاعدى للبناء الوطنى الذى يرتبط نشاطه الخلاق بالمشاكل الملموسة التي تعيشها الجماهير الشعبية، مما يشكل محركا قويا العملية التنمية في البلاد.
غير أن اللامركزية لا تعنى، بأية حال، ان السلطة المركزية تخول جزءا من صلاحياتها للمجالس الشعبية دون أن تمنحها، في نفس الوقت الوسائل الكفيلة بأدائها، فهى لا تشكل مجرد عملية تحويل للمشاكل من مستوى الى مستوى آخر، بل هي عملية شاملة تخص كلا من الصلاحيات والوسائل. ولا يكون لها أي معنى، اذا كانت المجالس الشعبية التي تملك حرية البت تفتقر الى الوسائل الضرورية لتحقيق ارادتها.
وان سياسة اللامركزية تعتمد قبل كل شيء، على الجماهير الشعبية وعبقريتها المبدعة التي لا يمكن أن تتبلور الا فى العمل وممارسة المسؤولية، فهى تنطوى على مضمون ديمقراطي خالص يجب توسيعه ودعمه على الدوام.
سادسا - الدولة والقضاء : A ان الدولة الجزائرية تنظم أعمالها وتسير شؤونها في اطار احترام القانون. وأن ممارسة السلطة داخل جهاز الدولة يجب أن تندرج في اطار الصلاحيات والمهام الواضحة المحددة بالقانون.
وهذا يحتم على أعوان الدولة وخاصة ممثلى السلطة أن يكونوا في مقدمة من يتصدى للدفاع عن القانون وأن يقوموا بوظائفهم في اطار الاحترام الصارم لحقوق المواطنين ومصالح الدولة. كما يجب أن تعاقب بشدة أى شطط فى استعمال السلطة سواء كان خرقا للقانون أو انكارا لحقوق المواطنين.
وان تعزيز العدالة من أجل الدفاع عن مكاسب الثورة، حتى تكون قادرة على تمكين كل مواطن الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه من التمتع المشروع بما له من حقوق، ليظل من الاهتمامات الدائمة للدولة. وهذا ما يستدعى ضبط منهجية دقيقة في اختيار القضاة وتكوينهم، وتحسين كفاءتهم، وحمايتهم من أي تدخل أو اغراء مهما كان مصدره، وتخفيف الاجراءات القضائية والعمل على الاسراع بالبت في القضايا وتنفيذ الاحكام والقرارات القضائية.
وتعمل الدولة باستمرار على تقريب القضاء من المتقاضين واقامة رقابة صارمة من شأنها اكتشاف الخلل والنقص لان الدفاع عن صلاحيات القضاء، وكذلك الدفاع عن المتقاضي ضد ما قد يقع فيه القاضى من انحراف، شرطان أساسيان للعدالة.
ولهذا فان القضاة مدعوون دائما الى القيام بدور هام باعتبارهم مكلفين بتفسير القوانين وتطبيقها، تحت اشراف المجلس الاعلى الذي يضطلع بالدور الرئيسى فى اثراء الاجتهاد القضائي بغية توحيد تفسير القانون تماشيا مع انشغالاته الكبرى بحركة التشريع.
ومن ثمة تبدو ضرورة تكوين اطارات القضاء تكوينا ايديولوجيا، دونما أي تدخل فيما يصدرونه من أحكام. وان تمكين القضاة من فرصة التحكيم النزيه لهو قاعدة أساسية يجب على أجهزة الحزب والدولة احترامها احتراما كاملا، كما يجب أن تتمتع الاحكام التي تصدرها العدالة باسم الشعب بالاحترام التام المطلق.
سابعا - الدولة والمجالس المنتخبة :
اذا كانت الديمقراطية الشعبية تعنى مشاركة الشعب في التخطيط والتسيير والتنفيذ، فان المجالس المنتخبة وسائل عملية لتجسيم هذه المشاركة وتعميقها وقنوات أساسية، تمارس الجماهير الشعبية من خلالها مسؤوليتها، فتشارك في تسيير شؤون الوطن وتشييده، وسن قوانينه، كما أنها | أجهزة رئيسية لسلطة الدولة، تطلع عن طريقها على أراء المواطنين في مختلف القضايا، وتسهر الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 203 بواسطتها على الاسراع بانجاز المشاريع والبرامج في انسجام وتعاون وتكامل لبلوغ المطامح البعيدة وتحقيق الاهداف السامية.
وقد اكتسبت هذه المجالس تجربة هامة في تحمل مسؤولية المشاركة الشعبية في التخطيط والتسيير، والتنفيذ، عززت محتواها الشعبى و أبعادها الديمقراطية والسياسية، وأهلتها لتكون ترجمة واقعية لشعار الثورة من الشعب والى الشعب».
وبحكم تجربتها الهامة واحتكاكها اليومى بالجماهير الشعبية، وحيوية المهام التي تضطلع بها، فان نجاح أى مشروع وطني يتوقف الى حد كبير على فعاليتها ودعم دورها في الحياة الوطنية حتى يمكنها أن تبلغ الحد الاقصى من المشاركة في التنفيذ.
ان المجتمع في تغير دائم وتطور مستمر، ولا بد لهذا التطور وداك التغير أن يمتد أثر هما الى جميع الميادين التأسيسية والتشريعية والتنظيمية، فتتجدد وتتسع لتكون جامعة مانعة، ترعى الحقوق، وتحفظ الواجبات، وتحمى الفضائل، وتمنع الاجحاف والاستغلال، وتواكب التحول الجذرى الذي يعيشه الشعب الجزائرى، كما تساير انتقال المجتمع ومؤسساته من وضعية الى أخرى، وتعزز الاستمرار في توسيع المشاركة الشعبية، قاعدة الديمقراطية المسؤولة، أو في توزيع المهام، في اطار مبادىء حزب جبهة التحرير الوطني.
ومن هنا فان دور المجالس المنتخبة يتعاظم باستمرار، لا، لانه يحقق ممارسة الديمقراطية الاشتراكية فحسب، بل لانه يضمن للجماهير الشعبية ممارسة الحكم حتى تتمكن من أن تحقق تطلعاتها المشروعة وتدافع عن مكتسباتها الثورية وهو ما يفرض أن تكون الاغلبية داخل المجالس المنتخبة من العمال والفلاحين الى جانب العناصر الثورية المحنكة.
ذلك ان تحسين أشكال التمثيل الشعبي والاتقان الذي يجب أن يتحلى به عمل المجالس وتكييف | صلاحياتها مع التطور العام للمجتمع وتعزين دورها في تسيير الشؤون العامة، ومشاركتها الفعالة في اعداد مخططات التنمية، ومراقبة تنفيذها والعمل على تخليصها من الضغوط والتناقضات وألوان الغموض التي تحد من فعالية دورها، ينبغي أن تظل من الاهتمامات الدائمة للدولة.
و يجب أن يسهر الحزب على اخضاع اختيار المرشحين لمقاييس صارمة تعطى الأولوية لمعايين الكفاءة والاخلاص للمصلحة العامة والالتزام الذي يتأكد من خلال العمل اليومي. ومن ثمة فانه يتولى توجيه هذه المجالس وتنشيطها ومراقبتها وتقييم أعمالها، كما يؤول اليه الدور الاهلى فيما يخص | انضباط المنتخبين بصفتهم مناضلين بالدرجة الاولى.
وعلى هذا الاساس فان عقوبة المنتخب لا تكون نهائية الا بعد موافقة الهيئات الحزبية المركزية وهذا في اطار القانون.
1 - المجلس الشعبي الوطني :
ان المجلس الشعبى الوطنى، بصفته، مؤسسة تشريعية يتحمل مسؤولية تطوير التشريع الوطني واثرائه بقوانين يستوحى أصولها من هذا الميثاق والدستور وتطلعات الجماهير الشعبية التي يندمج أعضاؤه في حياتها، فيتحسسون قضاياها ويعبرون عن ارادتها في الدفاع عن المصلحة العليا للوطن وكرامته ويسهرون على جعل النصوص القانونية صورة حية عن الواقع الوطني.
ومن ثمة يبرز مدى أهمية دور المجلس الشعبي الوطني بصفته المعبر عن السيادة الشعبية ومدى تأثيره في الحياة الوطنية من خلال ما يسنه من قوانين وما يمارسه من رقابة شعبية. 2-2 المجالس الشعبية الولائية :
تحتل المجالس الشعبية الولائية مكانة هامة فى حياة المواطن والدولة معا. فهي زيادة على كونها وجها من وجوه اللامركزية تمثل أداة أساسية 204 الجريدة الرسمية للجمهورية الممارسة السلطة الشعبية بمشاركتها المباشرة في اعداد المخططات التنموية ومتابعة تنفيذها، كما تعتبر حلقة وصل وأداة ربط بين الجهاز الاداري والجماهير في الولاية.
وهكذا، فانها تمثل عاملا فعالا فى مسيرة التنمية الشاملة وتحقيق المطامح الشعبية فى الترقية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وترتبط أهميتها بمدى كفاءة أعضائها، وفعاليتهم، وسهرهم على خدمة الوطن، وحرصهم على تنفيذ المشاريع الوطنية في مختلف القطاعات، واحترامهم للمبادىء الاساسية والاختيارات الشعبية. -3 المجالس الشعبية البلدية :
المجالس الشعبية البلدية هى الخلايا الاساسية للدولة، تعكس روح الديمقراطية الشعبية وتجسد | اللامركزية الامر الذي يسمح لها باكتساب أبعاد ديمقراطية شعبية اشتراكية، وهى امتداد متكامل للدولة تتمثل فيها معظم مهامها، وقد خولها موقعها هذا أن تكون اطارا مفضلا لدراسة قضايا المواطنين ومعالجتها، وتعزيز الترابط الديمقراطي بينها وبين المجالس الاخرى. ولا شك أن هذه الاهمية التي تنفرد بها تتطلب الدعم بالامكانيات البشرية والمادية حتى يمكنها الاضطلاع بالمهام الكبرى الملقاة على عاتقها وتحقيق الآمال المعلقة عليها . : 4 - مجالس العمال فى المؤسسات الاشتراكية :
ان مجالس العمال المنتخبة في المؤسسات الاشتراكية هى القوة التي تحرك العمل وتدفعه إلى الأمام وتنظم جهود العمال وتنسقها وتكون جسر الاتصال بينهم وبين ادارة المؤسسة وتمكنهم من المشاركة في تسيير المؤسسات والسهر على زيادة الانتاج ودعم فعاليته الاقتصادية كما تعمل على تعبئة الطاقات لانجاح هذه المؤسسات.
ومن ثمة فانهم مسؤولون عن انجاح هذه التجربة التي تعد بحق مدرسة ميدانية للديمقراطية | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الاشتراكية، تحقق بواسطتها المشاركة الفعالة للعمال في التسيير.
وعلى هذا الاساس فان المجالس العمالية في المؤسسات مدعوة الى أن تكون دائما في مستوى المسؤولية التي تتحملها فتعمل على توفير الظروف الملائمة وتحسين وسائل العمل التي تساعد العمال في رفع الانتاج وتطويره وزيادة مردوده وتحسين نوعيته.
الفصل الثالث الرقابة اذا كانت الثورة تضع ثقتها في الرجال فهذا لا يمنعها أن تفكر في وضع أجهزة للرقابة على جميع المستويات، مهمتها التحقق مما اذا كانت ممارسة المسؤولية وتنفيذ القرارات، يتلاءمان مع ايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني ويتطابقان مع المقاييس التي ينص عليها القانون.
فما من ضعف يعترى أجهزة الرقابة الا ويكون مصدرا للشطط والاهمال، بل وللرشوة أحيانا ويكون سببا في خلق ظروف تساعد على انحراف المسار الثورى، الأمر الذي قد يؤدى في النهاية الى عرقلته. ولذا فالرقابة تعبر عن ارادة الثورة في تسيير البلاد ضمن نطاق النظام والوضوح والرشاد، وفى السهر على وقايتها من أوجه النقص والقصور والانحرافات.
ان الرقابة تضمن بالدرجة الاولى التطبيق الصارم لمبادىء الاخلاق الاسلامية والسلوك الاشتراكي، وعليها أيضا أن تكشف ما يرتكب من مخالفات ازاءها وكذلك التلاعب بأموال الدولة واختلاسها، وأن لا تتردد في إنزال أشد العقوبات بمرتكبيها مهما كانت منزلتهم، ومهما بلغت مراكزهم في الدولة.
وعليها أخيرا أن تخرص على كشف كل من تسول له نفسه استخدام وسائل الانتاج التي وضعت تحت تصرف الاجهزة الادارية والاقتصادية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 205 للدولة، وتسخيرها لاغراضه الخاصة، وان تشدد النكير على مختلف أوجه التبذير والاسراف.
ان المطلوب من الرقابة هو الاهتمام بالظروف التي يتم فيها استخدام وتسيير الوسائل البشرية والمادية الموضوعة تحت تصرف الاجهزة الادارية والاقتصادية للدولة، وتمكينها من القيام بالمهام المحددة لها. وعلى الرقابة أن تكتشف التنظيم السىء للعمل، والاستعمال القاصر لطاقة الانتاج، والتضخيم المفرط للتكاليف، وعدم الصرامة في العمل داخل الادارات والمؤسسات، كما عليها أن تتأكد من حسن استعمال الموارد المادية والوسائل المالية، ومن التوزيع المنطقى للاطارات ومن مقاييس المردودية. وعليها أن تسهر على تطابق الاعمال التي يقوم بها المسيرون مع أهداف التنمية وتسمح بادخال التعديلات الضرورية لتجسيد الاهداف الوطنية المرسومة.
أولا - الرقابة السياسية :
الرقابة السياسية وظيفة سامية تتمثل في السهر على تطبيق المبادىء وتجسيدها ليس في الاعمال السياسية ومهام التسيير فحسب، بل في السلوك والممارسة أيضا، لان المناضل المسؤول مطالب بأن يكون نموذجا يخدم الثورة ومبادىء الحزب بسلوكه وأخلاقه، كما يخدمها بالعمل اليومى الذى يباشره والمسؤولية التي يضطلع بها. ومعنى هذا أن الرقابة السياسية حافز على العمل وتنشيط له، وتشجيع على الابداع والانتاج ووسيلة لمحاربة التبذير والفساد والانحلال واستغلال السلطة، وأداة حرص على استعمال | الموارد والوسائل المادية والبشرية في أوجهها المطلوبة .
ولا شك أن مثل هذه الرقابة تحدد في أعلى مستويات القيادة الحزبية، أساليب عملها، وكيفيات تطبيقها، والعناصر البشرية التي يعهد اليها | | بتحمل هذا العبء الثقيل والاضطلاع بهذه الامانة الكبيرة.
وهكذا، تندرج وظيفة الرقابة في اطار التنظيم المنسجم، فتتكامل في ممارستها هيئات الحزب والاجهزة التنفيذية والمجالس المنتخبة بكيفية متناسقة من أجل وقاية المجتمع وتراثه من كل أشكال التجاوز والمساس بأسسه أو بأهدافه.
ومهما تكن طبيعتها فانه يجب أن تمارس في اطار منظم، وان تكون مصحوبة بما يترتب على ذلك من مكافأة أو عقاب.
ذلك أن التأكيد على الرقابة يدفع الى الحرص على ضمان كرامة الاطار . فالرقابة هنا تكون حماية له وحافزا وسلاحا يشد يقظته ويشحذ فكره ويساعده على تجنب المزالق.
ثانيا - الرقابة الشعبية :
ولكي تكون الرقابة شاملة يتحتم أن تكون أيضا شعبية، اذ بذلك تستجيب لاحد متطلبات الديمقراطية الاشتراكية، فهى تستلهم من المبدأ القائل بحق الجماهير في الاطلاع على كل شيء، ولاسيما اذا تعلق الامر بقضايا التسيير أو التصرف في ممتلكات الشعب أو أي مساس بالثروة الوطنية.
ولذا، فانه لا يمكن معالجة هذه القضايا في نطاق الشعبي مغلق، المنظم بل لا بد أن تخضع باستمرار للتحرى وأن تسلط العقوبة الشديدة على مقترفي المخالفات مع التشهير بهم.
وتستند الرقابة الشعبية الى مؤسسات منتخبة تتوفر في أعضائها شروط الالتزام والكفاءة والنزاهة، وتمارس في اطار منظم عن طريق المجالس الشعبية على اختلاف مستوياتها، أي المجلس الشعبي الوطنى، والمجالس الشعبية الولائية، والمجالس الشعبية البلدية، كما تمارس عن طريق مجالس العمال ضمن المؤسسات الاشتراكية. 206 الجريدة الرسمية للجمهورية ثالثا - الرقابة الادارية :
تهدف الرقابة الادارية الى ضمان التطبيق الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الى تحسين عام في سير الادارات والمؤسسات.
وبهذا الصدد لا بد أن يكون بوسع الرقابة أن السليم للقوانين، وتوجيهات الدولة، وتعليماتها | توحى بقوانين وتنظيمات جديدة.
وتسهر على احترام أصول الانضباط والشرعية، وتحارب التباطؤ والبيروقراطية.
و يجب أن تشمل الرقابة علاقات الادارة بالمواطنين في مختلف المجالات، كما يجب أن تعمل على محاربة مظاهر اللامبالاة والاهمال والاحتقار حيال المواطنين، وكل ما من شأنه أن يمس بمصالحهم من تباطؤ وسوء معاملة. وفى هذا السيدان ينبغي أن تكون الرقابة . يقظة متواصلة لان القطيعة بين الادارة والشعب تؤدى لا محالة ، الى تفكك التعبئة لدى الجماهير.
وينبغي للرقابة أن تسمح بالكشف عن أوجه النقص والانحرافات، بل يجب أن تتعداها الى اجراء عملية تفتيش لا تهدف الى تجريم المسؤولين بقدر ما تهدف الى حمايتهم وتحسين مستوى عملهم. ومن ثم فان الغاية المثلى للرقابة تتمثل في محاربة أوجه النقص، والقضاء عليها. ولهذا فعلى الرقابة أن تجتاز المواقف السلبية المتمثلة في مجرد المعاينة لتصل الى طور تشخيص الداء وهي عملية ضرورية لضبط الاجراءات الكفيلة بوضع حد نهائى للانحرافات المكتشفة، والحيلولة دون تجددها. وهنا تكمن أيضا مساهمتها الحاسمة في المجهود الوطنى لانها لا تهدف الى الردع فقط، ولكنها تهدف أيضا الى توفير المعلومات والمقترحات التي من شأنها أن تقضى | على أن الرقابة يجب أن تسفر، أيضا، عن عقوبات صارمة ازاء مظاهر التقصير والاهمال والانحراف. كما يجب، لكى تتمكن من أداء دورها على الوجه الأكمل، أن تهدف أيضا الى التصحيح والتربية. وحتى يبلغ هدفها مداه الكامل، يجب أن تسعى الى تشجيع العمال الذين يساهمون باخلاصهم فى رفع الانتاج وفي الرقي الاجتماعي وأن تسمح بترقية الاطارات الكفأة والملتزمة.
ومن هنا يجب أن ينهض بالرقابة، عن طريق المؤسسات الوطنية الملائمة رجال مناضلون يتصفون بالالتزام والكفاءة والنزاهة.
ويتصدر هذه المؤسسات مجلس المحاسبة الذي يراقب أوجه انفاق الاموال العمومية و استعمالها حماية لاموال الدولة من التسبب والتلاعب والاختلاس، ويسهر على حسن التسيير والاستعمال الامثل لوسائل الانتاج الجماعية من خلال المتابعة الدقيقة والتحري الكامل عنى الحسابات وتدقيقها.
ولا شك أن هذه المهمة النبيلة التي يضطلع بها مجلس المحاسبة توجب الدقة في اختيار قضاته ومحاسبيه من بين ذوى الاختصاص والكفاءة والنزاهة والالتزام بمبادىء الثورة، كما توجب حسايتهم من الضغوط السادية والمعنوية.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 207 الباب الثالث التنمية الشاملة الفصل الاول المباديء العامة لتنظيم الاقتصاد الوطني | ان أهمية التحولات التي عرفتها البلاد وضرورة التكييف المستمر لتسيير الاقتصاد والقضاء على مختلف أنواع الاختلالات تتطلب | القيام بعمل شامل ومنسق في كل الميادين لضمان سير فعال منسجم للاقتصاد.
على هذا الاساس فان تنظيم التعديلات والتكيفات التي يقتضيها التطور الفعلي للموارد ولمتطلبات التنمية، يفرض توفير الشروط الآتية :
ضمان التحكم الدائم فى التوازنات الكبرى - للاقتصاد الوطني.
احترام الاولويات المسطرة، عند انجاز الاهداف.
- ضمان تعزيز المسعى الموحد لسير سياسة التنمية.
وفي هذا الاطار، فان أهداف التحسين المتواصل لفعالية سير الجهاز الاداري والاقتصادي والاجتماعي تشكل المحور الاساسي لكل الانشطة سواء منها ما كان بصدد الانجاز أو ما ينتظس بداية التنفيذ.
ان التحوير العميق لتنظيم بنية المؤسسات الاقتصادية يرمى الى توفير الشروط والوسائل التي تمكن العاملين في كل الميادين من التحكم الفعلي في أنشطتهم.
ان تحقيق هذه الاهداف يتم من خلال التكييف الدائم لآليات التخطيط، وانسجام الاقتصاد ويرمى إلى ترقية أساليب التسيير المسؤول، وضمان الفعالية فى تعبئة الموارد واستعمالها وتحقيق سيولة المبادلات بين القطاعات.
وهذه التغيرات تقتضى بدورها تحقيق مزيد من التقدم عن طريق توزيع المسؤوليات في مختلف مستويات القرار، وطنيا كان أو محليا أو على مستوى المؤسسة الاقتصادية، وذلك حتى يمكن تحسين قدرات الانتاج والتنظيم بصفة دائمة في كل المستويات.
و بالاضافة الى تدعيم الاختيارات الاساسية، كالتخطيط واللامركزية، ينبغى أيضا مواصلة العمل في مجال سياسة القروض والجباية ونظام الاسعار قصد تكييفها مع النمو الاقتصادي على المدى البعيد وتجسيد حتمية الصرامة في جميع دوائر الاقتصاد.
ومن جهة أخرى، تنبغى ملاءمة سياسة الاستهلاك مع الامكانيات الحالية والمستقبلية للاقتصاد. كما ينبغي، في الوقت نفسه، أن يكون تطوير المداخيل مطابقا لمدى القدم الذي أحرزه الانتاج الوطني.
وتستلزم هذه الاجراءات ضرورة منح المزيد من الاستقلالية للمؤسسات الاقتصادية قصد تحسين فعاليتها سواء على مستوى نموها الخاص أو على مستوى مساهمتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بصفة شاملة، خاصة عن طريق احترام معايير الانتاج والإنتاجية وعن طريق تحكم أفضل في قواعد التسيير.
وأخيرا، يجب أن يهدف هذا المسعى الى اعطاء البلاد قدرات ووسائل مادية وتنظيمية وبشرية ومالية تمكنها من استيعاب التطور التقني والتحكم في توظيفه لخدمة التنمية، كما يجب أن يكون هذا 208 الجريدة الرسمية للجمهورية العمل منسقا وشاملا وأن يتناول جميع قطاعات | الانشطة .
وهكذا، يمكن ضمان التحسين المستمر في سير الجهاز الإداري والاقتصادي والاجتماعى وتحقيق متطلبات التنمية الاقتصادية والانسجام الاجتماعي.
أولا - التخطيط :
ان ضبط سياسة تنمية تمتد الى جميع مظاهر الحياة الوطنية، يعنى طرح ضرورة العمل والتحرك في اطار تنسيق شامل، من أجل تنظيم الدعم المتبادل بين كل القطاعات، وتوفير الموارد وتسخير الوسائل حسب ما تقتضيه الاهداف المسطرة. وبالمقابل يجب تكييف هذه الاهداف مع الامكانيات المتاحة.
ولا شك أن الاداة التي تمكن من تحقيق مثل هذا التنسيق تتمثل فى التخطيط الذي ينبثق مباشرة من الاختيار الاشتراكي. 1 التخطيط أداة لتنظيم العمل وتحقيق أهداف - الاشتراكية :
يقتضى الاقتصاد الاشتراكي أولا تدخل القيادة السياسية من خلال التحطيط الوطني لتوجيه الاعمال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه جميع الجبهات، وهو يقتضى أيضا تقديرا سليما للمراحل المتلاحقة التي يجب أن يقطعها النشاط، ومعرفة مضبوطة لطاقات البلاد اعتمادا على احصاء دقيق للموارد الوطنية.
ان التخطيط يتطلب جهدا استنباطيا كبيرا وتفكيرا عميقا من أجل اكتشاف الامكانيات الجديدة واستثمارها وجعل الوسائل المستخدمة أكثر فعالية وأوسع أثرا، احتياطا للصعاب، وتجنبا للمخاطر، وتأمينا لنجاح العمل في نهاية المطاف، فالتخطيط ليس مجرد وسيلة تقنية للتوقع والبرمجة بل هو يعبر قبل كل شي عن سياسة معينة مثلما يعبر عن تطبيقاتها.
ومن هنا، فان التخطيط يجب أن يشكل الاطار المرجعي الوحيد لتحديد الانشطة وتنظيمها وتنسيقها وانجازها.
وفي هذا الاطار، يكون تدعيم التخطيط بطابعه الالزامي مدعوا لان يضمن التوازن الشامل والانسجام الكامل بين أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعبئة مجموع الموارد، وتحديد الاولويات، والتنظيم الفعال لمراحل تطور النشاط الاقتصادي.
كما أن للتخطيط هدفا أساسيا يتمثل في دعم الانضباط الجماعي، وتعزيز المسعى الموحد وتقرير استخدام مجموع الوسائل التي تملكها النشاط التنمية، وتوفير الشروط الضرورية الامة في الاتجاه المطلوب لتحقيق أهداف التنمية الشاملة حسب ترتيب الاولويات وفقا لما يقتضيه البناء الاشتراكي.
ويأتي ضمن هذه المتطلبات بطبيعة الحال، التراكم، ودفع التنمية في اتجاه تلبية مطامح الجماهير الشعبية وتحقيق المزيد من تقدم الامة.
ان هذا التصور للتخطيط يستلزم ارادة سياسية حازمة، يعززها وعى متبصر بأهداف التشييد الاشتراكي، ونظرة استراتيجية موفرة للشروط اللازمة، حتى تواصل الثورة تقدمها على اللازمة لتحقيقه بصفة متضامنة ومتكاملة. وهكذا يتمكن التخطيط من تنظيم التعبئة المكثفة للموارد الوطنية، البشرية والمادية، ومن تحسين الفعالية في تسيير الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فان التخطيط يكتسي طابعا الزاميا ويقتضى، بناء على ذلك، متابعة الانشطة عبر مختلف مؤسسات الدولة بغية الحرص على احترام الاهداف التي سطرتها القيادة السياسية.
بهذا الصدد يشكل التخطيط الاداة التي تسمح للقيادة السياسية بتحديد الأجال التي الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 209 تتلاءم وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية | الصعيد الاجتماعي أو على صعيد التنمية بصفة والثقافية.
لهذا، يصبح من الضرورى السهر على مراقبة تنفيذ الخطة ومحاسبة المسؤولين على تنفيذ أهداف المخطط في جميع المستويات، وتقييم النتائج المحصل عليها، واتخاذ ما يلزم بناء على ذلك، من جزاء أو عقاب، كما تجب محاسبة كل من كانوا، بحكم وظيفتهم، مكلفين بصفة مباشرة أو غير مباشرة بتوفير الظروف لانجاح مخططات التنمية التي قررتها القيادة السياسية.
ولكي ينهض التخطيط بدوره كاملا في بناء الاشتراكية، وتأمين رقى سريع للشعب، فلابد أن تكون معالجته للقضايا مبنية على الافكار التي تهتدى بها الثورة في مسعاها لتغيير المجتمع والانسان.
2 - يجب أن ينطبق التخطيط على كل مستويات الاقتصاد ويتخذ صيغة ديمقراطية ولامركزية | جلية ويصبح قضية الامة بأكملها :
ينبغي تدعيم ديمقراطية التخطيط ولا مركزيته بصورة خاصة، كما ينبغي، في هذا الاطار، تعزيز دور المؤسسات الاقتصادية والبلديات والولايات بصفتها أطرافا في عملية التخطيط .
كما يجب توسيع مجال التخطيط حتى يشمل مجموع الانشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
كل هذا، يتطلب التحسين المستمر فى الآليات التي تضمن الترابط بين المخطط الوطنى والبرامج الجهوية، والقطاعية ومخططات المؤسسة، في نفس الوقت الذي يتطلب فيه تحقيق الانسجام والترابط بين مجمل هذه المخططات.
و بهذه الكيفية، يساهم التخطيط في تعميق الديمقراطية الاشتراكية واثرائها بقدر ما يشكل عبر التنظيمات التي تمثل الجماهير، أداة مفضلة للتعبير عن الاحتياجات التي يجب تأمينها على عامة، وهكذا، تتمكن الدولة الاشتراكية من توجيه نشاطها الاقتصادي بصورة تجعل أولوياته تلبي الاحتياجات التي عبر عنها السكان.
وازاء ذلك، ينبغى ضمان اثراء التخطيط وتعزيز ديمقراطيته حسبما يتطلبه تطبيق نظم المخطط المترابطة على المستوى الجهوي وفيما بين القطاعات وعلى مستوى المؤسسة الاقتصادية، عن طريق آليات متواصلة لتعديل تسيير الاقتصاد وبرامج العمل. وان هذا التعديل سيتحقق في اطار المخططات السنوية، فيكون هدفه هو الحفاظ على الانضباط بالنسبة لترتيب الاولويات وبالنسبة لضمان التناسق العام للاهداف المحددة طيلة تنفيذ المخطط.
كما ينبغى على التخطيط تعزيز القطاع العمومي وتوسيعه باعتباره دعامة أساسية لتطبيق السياسة الاقتصادية والاجتماعية وتدعيم الاستقلال الاقتصادى للبلاد مع ادماج القطاع الوطني الخاص في مخططات التنمية.
3 - تكفل التخطيط بنشاطات القطاع الوطني الخاص :
ان ضرورة الاعتماد على كل الطاقات من أجل الاسراع بتنمية الاقتصاد وتلبية سائر حاجيات البلاد والمواطن، تقتضى مشاركة الادخار الوطني في مجهود التنمية.
ويتطلب ذلك تحديد آفاق للمستثمرين الخواص واعطائهم الضمانات المناسبة في اطار القانون قصد تجنيد أحسن لما يمتلكونه من موارد وتشجيع كل المبادرات المفيدة لخدمة التنمية الوطنية.
ويجب ادماج تنمية القطاع الوطني الخاص وتسييره فى اطار مخطط التنمية كما يجب أن يحترم الأولويات المحددة.
ومن الضروري أيضا أن ينظم تأطير هذا القطاع وتوجيهه ورقابته تنظيما يؤمن التكامل وتتفادى التضارب بينه و بين القطاع العام. 210 الجريدة الرسمية للجمهورية لهذا، ينبغي أن تحدد بوضوح، وفي اطار المخططات الانمائية الوطنية كل الميادين التي يرخص فيها بتدخل القطاع الوطني الخاص كما يجب أن توضح المكانة التي يمكنه أن يحتلها في مختلف قطاعات النشاط تكملة للقطاع العام.
ومن هنا، يتعين على مصالح التخطيط والادارات المعنية أن تعزز وسائل الاعلام الاحصائي والاقتصادي والتقني، حول سير القطاع الخاص ودوره ومكانته فى الاقتصاد. كما عليها أن تنشيء أدوات للتحليل، تسمح بدراسة القطاع الوطني الخاص ومعرفته على تنوعه، أخذة بعين الاعتبار الاوضاع الملموسة فى مختلف القطاعات ومختلف أنحاء البلاد.
ان التخطيط من شأنه أن يحول دون قيام القطاع الوطني الخاص بممارسة أنشطة طفيلية أو قليلة النفع، وتلك التي قد تتسبب في وجود علاقات تبعية دائمة للرأسمال الاجنبي.
و هكذا، سيشجع التخطيط القطاع الوطنى الخاص كيى يعمل على تنمية الانشطة المنتجة سواء كان ذلك في اطار الصناعة الصغيرة أو المتوسطة من أجل تكثيف الشبكة الصناعية ودعم التكامل الاقتصادي أو من أجل المساهمة في تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي الغذائي.
ان تطوير وسائل توجيه هذا القطاع ومتابعته ورقابته ستسمح بالتحكم في نمو المداخيل على كل المستويات وبمكافحة الغش والتسرب الجبائي والقضاء على الريوع والمداخيل غير المستحقة وغير المبررة، وأخيرا، وفى اطار استكمال تنظيم هذا القطاع، وادماجه في التخطيط، ستتخذ اجراءات تضمن للعمال الحق في تكوينهم وتحسين مستواهم وحماية حقوقهم الاجتماعية.
أنا صغار التجار والحرفيون فيتواصل تشجيعهم بصفة دائمة، وتقدم لهم المساعدة في كل الميادين حتى يتمكنوا من تقديم مساهمتهم في | الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه تحسين نوعية معيشة المواطن. وعليهم، مقابل ذلك، أن يحترموا القوانين التي تحكم أنشطتهم.
كما يجب أن تطور وتشجع الصناعات التقليدية في الريف بصورة خاصة، لكونها تكمل النشاط الفلاحي، الى جانب كونها تستطيع أن تؤمن مداخيل إضافية للأسر الريفية وتوفر في السوق عدداً من المواد والوسائل الضرورية لرفاهية المواطنين.
4 - يجب أن يعتمد التخطيط على الفنيات والمناهج العلمية :
ان التخطيط الذى يقتضى حتما تحسين نظم المخططات على كل مستويات الانشطة الاقتصادية والاجتماعية وتوفير شروط التسيير الموحد للاقتصاد وتدعيم جهاز التخطيط اللامركزي، يتطلب أيضا استعمال التقنيات والمناهج العلمية المسايرة لتطور فنيات التخطيط ونظم التسيير في العالم.
انه لا يمكن أن يبقى التخطيط على هامش تطور هذه التقنيات ولاسيما تلك التي تتعلق باستعمال الاعلام الآلى، بل ينبغي العمل على اكتسابها واستيعابها وتكييفها باستمرار.
ويفترض في التخطيط كذلك أن يعنى بتكوين المسيرين الاقتصاديين وتوعيتهم ازاء كل ما يتصل بمعالجة المعلومات الضرورية لضبط معطيات التخطيط الاساسية التي تشكل ركيزة لا غنى عنها.
لاعداد المخططات وتطبيقها وتقييمها ورقابتها.
وبعبارة أخرى، فان التخطيط الذي يمكن من تسيير الاقتصاد في وضوح ويوفر بالتالي الوسيلة الكفيلة باجتناب العقبات وتحسس الأمكانيات الجديدة.
يجب أن يكون قضية الجميع لامهمة الاجهزة المختصة وحدها.
كما يجب على التخطيط أن يعمل باستمرار على أن تحترم المؤسسات الاقتصادية كل المتطلبات التي يستلزمها مسعى تحقيق النمو وتخفيض التكاليف وتحسين النوعية وتكييف الانتاج مع الحاجيات. 1 الأحد 7 جمادى الثانيه عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 211 ويتعين على التخطيط أيضا أن يطور الادوات التي تمكن من اختيار المشاريع والبرامج وانضاجها، وأن يجند بصورة، عقلانية الوسائل الملائمة، على أن يتحقق ذلك في كل المستويات وباتصال وثيق مع التطور الحقيقى للطاقات الوطنية في مجالات التصور والتكوين والتنظيم والانجاز.
ومن ثمة، يتعين تحديد مهمة التخطيط وصلاحياته حتى لا تقتصر على تسجيل المشاريع ورصد الاستثمارات، بل يجب عليه أن يكون حاضرا وبفعالية في كل مراحل التنمية، وأن يقدم دوريا حصيلة تقييمية لمختلف العمليات المدرجة ضمن مخططات التنمية.
ثانيا - اللامركزية :
ترتكز سياسة اللامركزية على توزيع محكم للصلاحيات والمهام حسب تقسيم منطقى للمسؤولية داخل اطار وحدوية الدولة.
ومن هنا ينبغى أن تخول اللامركزية الولايات والبلديات كامل الصلاحيات للنظر في المشاكل ذات المصلحة المحلية أو الجهوية التي تتكفل بها، وينبغي أن تمتد هذه الصلاحيات الى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
و تستهدف اللامركزية منح الجماعات المحلية كل الوسائل اللازمة والمسؤولية التي تؤهلها لتضطلع بنفسها بمهام تنمية المنطقة التابعة لها كمجهود مكمل لما تقوم به الامة وبذلك تصبح هذه الجماعات هي الهياكل القاعدية للبناء الوطني الذي يرتبط نشاطه الخلاق بالمشاكل الملموسة التي تعيشها الجماهير الشعبية، مما يشكل محركا قويا لعملية التنمية في البلاد.
ولذا، يجب التأكيد على أن اللامركزية تهدف الى توزيع الصلاحيات بين المستوى المركزى والقاعدة.
وفي هذا الاطار، يتطلب التكفل الفعلى بالصلاحيات التي تخولها اللامركزية من المسؤولين المحليين تحديدا وترتيبا دقيقين للاعمال التي ينبغي | | الشروع فيها انطلاقا من تقدير صحيح لاولويات البلدية والولاية، ومن تدعيم الطاقات المحلية فى مجال الدراسات والانجاز والخدمات، مما يساعد على استحداث الشروط المواتية لتطوير حركية اقتصادية واجتماعية محلية.
وينبغي أيضا أن تدرج تنمية الانشطة المحلية في حركية شاملة ضمن مخططات التهيئة العمرانية سواء، على المستوى المحلي، أو على مستوى ولاية واحدة، أو أكثر، أو على المستوى الوطني.
ان تطبيق اللامركزية يتطلب تحديدا أفضل لاطار تمويل نشاطات الجماعات المحلية لاسيما من خلال موارد ذاتية مخصصة لها من الجباية أو من خلال تعبئة الفوائض التي توفرها المؤسسات المحلية.
وبعبارة أخرى، ولتجسيد المبادىء الاساسية للامركزية، يجب السعى باستمرار في داخل الولاية الواحدة لتحقيق التوازن بين الموارد وتوظيفها كلما أمكن ذلك، اذ ما فائدة اللامركزية اذا كانت تقتصر على تحديد الحاجات وتتوقف في مسعاها العملي على الموارد والوسائل التى تخصصها السلطات المركزية .
اذن، فتدخل الموارد والوسائل المركزية يجب أن يكون مكملا لما هو متوفر من موارد ووسائل على المستوى المحلي، وذلك ضمانا لتحقيق أهداف وطنية وتجسيدا لسياسة التوازن الجهوى.
أما فيما يتعلق بالمؤسسات الاقتصادية فيجب أن يتواصل العمل الذي شرع فيه من أجل تعزيز استقلالها، وتخليصها من الوصاية البيروقراطية. وعلى هذا الاساس يجب مواصلة عمليات التحديد الدقيق الميادين تدخل الادارات والمؤسسات الاقتصادية والبنوك والعلاقات القائمة بين هذه الهيئات.
وينبغي أن تقوم الهيئات المركزية، في هذا الاطار، بمهام التوجيه والتنظيم، والتخطيط، والتنشيط، والمراقبة، وأن تتكفل أيضا بمهام 212 الجريدة الرسمية للجمهورية التحكيم والتنسيق بين المؤسسات، بما فيها البنوك، وبغية تحقيق تعبئة فعالة للوسائل اللازمة لسير التنمية.
ان تقدم اللامركزية يتطلب أيضا البحث الدائم عن تدعيم انسجام هذا النشاط مع عمليات انتشار المؤسسات الاقتصادية وتوزيع قدرات التكوين التقني والجامعيى على جميع المستويات وفى كل الجهات.
وعليه، فان توسيع قاعدة بشرية مكونة ومنظمة قادرة على الممارسة الفعلية للمسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية، يشكل الهدف الاساسي لسياسة اللامركزية.
ان هذه المجهودات هي السبيل الامثل للتخفيف من آثار التكاليف الناجمة عن الاساليب البيروقراطية، والتوجيه الصارم لتنظيم الاقتصاد نحو مزيد من المرونة والديناميكية.
وأخيرا، فان سياسة اللامركزية تعتمد، قبل كل شيىء، على الجماهير الشعبية وعبقريتها المبدعة التي لا يمكن أن تتبلور الا من خلال العمل وممارسة المسؤولية. فهى تنطوى اذن على مضمون ديمقراطي متميز يجب توسيعه ودعمه على الدوام ثالثا - وسائل تنظيم الاقتصاد وأساليب التسيير :
ان تقدم الاقتصاد الحديث له صلة وثيقة بنوعية التأطير التنظيمي. فبالاضافة للتخطيط واللامركزية، أصبح من الضرورى اللجوء الى وسائل تضبط سياسة القروض ونظام الاسعار والجباية، ذلك أن أحد شروط نجاح نظام التسيير الاشتراكي يتمثل في منعه من التحول الى نظام بيروقراطي يتسم بخنق روح المبادرة وبظهور أشكال استبدادية لممارسة السلطة وبلورة امتيازات جديدة غير مستحقة تتناقض مع الاخلاق ومع المسعى الاشتراكي. 1 (1) - أساليب التسيير :
ان أنماط التسيير، حيثما وجدت في المؤسسة | الاشتراكية أو في التسيير الذاتي أو فى التعاونية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه هي قابلة بطبيعتها للتحسن والاكتمال، وبالتالى للتطور. فهى لا تشكل قواعد ثابتة غير قابلة للتغيير. ومعنى هذا انه يمكن تعديل هذه الهياكل وتحسينها طبقا لما تمليه التجربة، وما يتطلبه تنفيذ الاهداف الجديدة، ومسعى تنمية القوى الانتاجية، وفقا لارتفاع درجة النضج والوعي الاجتماعى لدى العمال، ولما تحقق من أشكال التقدم.
ان مشاركة العمال في تسيير المؤسسات هي احدى القواعد الاساسية للاشتراكية، ومن هناء يجب تنظيم هذه المشاركة بحيث تؤدى الى :
تشكيل جماعات منسجمة من المنتجين - المسيرين،
- تطوير الوظيفة الاقتصادية للمؤسسة، تعزيز وحدة التصور والقيادة في المؤسسة والوحدة الانتاجية بضمان الانضباط الضرورى لتحقيق أهداف التنمية بشكل منظم، مو مواصلة جهود التوضيح والتعميق للنصوص الاساسية التي يستند اليها التنظيم الاشتراكي للمؤسسات، والسعى باستمرار الى رفع مستوى الوعى السياسي والتكوين الاقتصادي لدى المكلفين بالتطبيق، وذلك تجنبا لاخطار الانحراف والتحجر البيروقراطي، لان التسيير الاشتراكي للمؤسسات ليس مجرد مسعى شكلي بل انه الاطار الملائم المشاركة العمال في تسيير كل الطاقات وتعبئتها حول أهداف المخطط من أجل ضمان تنمية المؤسسات تنمية منسجمة لصالح جميع الموطنين.
ان التكفل الامثل بالاهداف المحددة للقطاع الاشتراكي الفلاحى يتطلب تعميق الاشكال التنظيمية لهذا القطاع بحيث تتجه الى تقنيات الاستثمار العصرية والبحث عن الفعالية.
ان النمط التنظيمي للتسيير في حد ذاته، ليس أمرا مسلما به ولا مقياسا ثابتا للنهج الاشتراكي، بل ان موضوع نمط التسيير وجوهره يكمنان الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 213 أساسا في احداث وحدات اقتصادية فعالة ومفيدة ضمن زراعة متطورة عصرية .
وهذه النتيجة يمكن الحصول عليها بواسطة مزارع منظمة وباحجام متنوعة بدءا من المزرعة الفردية الى الوحدة الزراعية ذات الحجم الصناعى ولقد بدأت عمليات اعادة الهيكلة، التي شرع فيها، تحقق انسجام الانماط التنظيمية في القطاع الفلاحي بصفة تضمن للمزارع تسييرا عقلانيا | وفعالية اقتصادية على أساس معايير تأخذ بعين الاعتبار العوامل التقنية الاقتصادية للانتاج.
فينبغى، والحالة هذه مواصلة اعادة تنظيم القطاع الفلاحى من خلال اقامة مزارع عمومية تتكون من أراض متجانسة ذات مردودية اقتصادية ويمكن التحكم فيها من الناحية البشرية، وتخصص أساسا للانتاج الاستراتيجي.
وستحول بعض المزارع الفلاحية العمومية الى وحدات متخصصة فى اجراء التجارب العلمية والارشاد الفلاحي وتعميم نتائج التقدم التقنى وتكوين عمال الارض وتحسين مستواهم.
وينبغي أن يخضع نمط تسيير المزارع العائلية الصغيرة والمتوسطة، لنفس منطق التقييم | الامثل للطاقة الانتاجية.
وفي هذا المنظور، تسلم الاراضى الهامشية | والزائدة، بصورة دائمة للفلاحين الخواص حتى يتمكنوا من انشاء وحدات عصرية كفيلة بتجنيد قوى العمل العائلية وبضمان تعلق الفلاح بأرضه.
الدولة والخواص، أو فيما بين الخواص، عن تجزئة الاراضى، وان لا تفسح المجال لاية مضاربة.
وهذا يقتضى تطبيق سياسة محكمة في مجال اعادة التنظيم العقارى للاراضي، ترتكز على مقاييس اقتصادية وتقنية وقانونية موضوعية.
اما في المجال الصناعى، فان اقامة المؤسسة الاشتراكية قد خلقت الاطار التنظيمي الملائم الذي سمح لمختلف فروع القطاع الصناعي، بتنظيم هياكلها و ابراز كيانات يتعين أن يتكيف تنظيمها مع مختلف مراحل التنمية الوطنية ومع ما تحقق من رقى في مجال التحكم في التكنولوجيا والتقنيات الحديثة المتعلقة بتسيير المؤسسات.
ويجب أن يراعى هيكل التنظيم الداخلي للمؤسسات الوطنية الصناعية وقواعد تسييره، مبادىء اللامركزية واللاتمركز اللذين يشكلان أسس التنظيم السياسي والاقتصادي للبلاد.
وبهذا الصدد، يتعين على ادارة المؤسسة، في حدود المهام المنوطة بها، أن تحتفظ بوظائف الانتاج والتسويق والتطوير والتخطيط والرقابة، وكل ما يتعلق باقامة الهياكل والوسائل الاكثر تكيفا مع انجاز الاهداف المسطرة للمؤسسة وكذلك كل ما يساعد على تعزيز فعالياتها ورفع مستوى المردودية ومستوى انتاجية العمال.
ومن جهة أخرى، يجب أن يترك قدر كبير من حرية المبادرة للوحدة بحيث يمكنها أن تنجز عملها دون عرقلة ودون تحمل أعباء بيروقراطية غير كما ينبغى تشجيع الفلاحين على الاستغلال | مجدية.
المشترك الكلى أو الجزئى لعوامل الانتاج ووسائله، على أن يكون ذلك اراديا.
ولهذا الغرض، لابد من وضع اجراءات تستهدف اعادة الهيكلة العقارية للقطاع الزراعى من أجل القضاء التدريجي على تجزئة الاراضي وستنظم الصفقات المتعلقة بالاراضى الفلاحية الخاصة، بغية تسهيل اقامة وحدات زراعية مثلى ويجب السهر على أن لا تسفر الصفقات المبرمة بين وعلى المؤسسة الوطنية الصناعية العمل على احلال الصرامة في تطبيق قواعد التسيير والقيام أكثر فأكثر باعادة الاسبقية للفعالية الاقتصادية التي ترتكز أساسا على النتائج المالية، اذ يجب عليها بصفة خاصة ان تبذل الجهود الضرورية للتخفيض من تكاليف الانتاج والتوزيع وتحسين نوعية منتوجاتها وتسويقها بأسعار تنافسية، وبهذه الشروط، يكون النمو الاقتصادى للبلاد مضمونا 214 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ويستمر السير نحو التقدم التقني والثقافى | قيم العمل والصرامة التي هي وحدها الكفيلة والاجتماعي.
ان الهياكل الادارية والمالية طرف معنى بمجهود التنمية الصناعية، وان فرض مراقبة صارمة على أنشطتها ومسيريها يؤدى الى اشراك الجميع في تحمل المسؤولية.
و يجب أن يخضع تسيير المؤسسات الاشتراكية في القطاع الصناعى لمقاييس الفعالية الاقتصادية .
والتسيير الاشتراكي للمؤسسات اطار ملائم لتعبئة العمال من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا شراكهم في معركة الانتاج وفي عملية دعم القطاع الاشتراكي فالتسيير الاشتراكي للمؤسسات ليس مجرد مسام شكلي بل هو يهدف الى مشاركة العمال في التسيير وتعبئة كافة الطاقات حول أهداف المخطط قصد ضمان تطوير المؤسسة الاقتصادية تطويرا منسجما فعالا يستفيد منه المجتمع.
لذلك يتعين أن يتكيف اطار تطبيقه فيأخذ في الحسبان ضرورة تشكيل جماعات متتجانسة من المنتجين المسيرين، وتدعيم الوظيفة الاقتصادية للمؤسسة، وتعزيز وحدوية التصور والقيادة داخل المؤسسة ووحدة الانتاج، مع ضمان الصرامة والانضباط الضروريين لتحقيق أهداف التنمية بصفة منظمة.
هذا، وان اعادة الهيكلة العضوية للمؤسسات الاشتراكية المرتكزة على المبادىء العامة الرامية الى تبسيط المهام وتوضيحها ، والتحكم في التسيير والتوزيع المجالى الامثل للانشطة والمراكز القرار، وللوسائل البشرية والمادية المتوفرة، تشكل عاملا بارزا لتحسين فعالية المؤسسات الاقتصادية وتعزيز لا مركزيتها وتحقيق ديمقراطية تسيير الاقتصاد.
ومن المؤكد أنه لا يمكن أن تعطى مجهودات التنمية وتنظيم القطاع الصناعي، مدلولها التام من غير التزام العمال وتعبئتهم المتزايدة حول بضمان استمرارية التنمية الصناعية وديمومتها.
كما أن الاعمال التكميلية لاعادة الهيكلة المالية للمؤسسات الاقتصادية وملاءمة محيطها التجارى وتكثيف العلاقات الاقتصادية الداخلية و اصلاح نظام الاسعار والجباية وضمان انسجام سياسة الاجور، وتطوير أساليب الحفر والتشجيع كلها من الاعمال التى ينبغى مواصلتها وتعميقها حتى يتسنى تدعيم المؤسسة الصناعية ضمن عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن فعالية نظام التسيير تخضع أيضا لاستعمال الادوات التى تضبط الاقتصاد.
(2) – النظام المالي :
فالنظام المالى مدعو الى القيام بدور ذي همية متزايدة فى مجال دعم التسيير المخطط لاقتصاد الوطني، عن طريق انتهاج سياسات ملائمة ولاسيما في ميدان تجنيد الادخار والقروض والجباية والمبادلات الخارجية. ولتحقيق هذه الغاية يجب ادماج التخطيط المالى بصفة أكثر فعالية في المسار العام لهذا الضبط حتى يكون أداة فعالة في التخطيط الاقتصادي.
وفى هذا الصدد، ينبغى التركيز على أهمية التحولات النوعية لطرائق تدخل القطاع المالى قصد جرد موارد التوفير الموجودة في الاقتصاد وحصر الادوات التى تتلاءم مع تعبئتها حصرا فعالا.
و هكذا يستطيع النظام المالى أن يؤدى دورا نشيطا في حشد الموارد وتخصيصها تبعا لاولويات المخططات السنوية أو المتعددة السنوات.
(3) – التقشف :
ان مطلب الصرامة يفرض تطبيق التقشف على مجموع أنشطة الدولة والجماعات والمؤسسات الاقتصادية .
ذلك ان التقشف يقتضى خاصة مكافحة التبذير على اختلاف أشكاله سواء على مستوى الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 215 الادارات أو على مستوى مجموع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وهذا يستلزم على الخصوص أن يطبق التقشف على جميع المواطنين دون تمييز بينهم، وأن يهدف بالدرجة الاولى الى التخلص من استهلاك الكماليات، واعطاء المواد ذات الاستهلاك الواسع الأفضلية.
ان طابع التقشف الذى اتسمت به مرحلة بناء الاشتراكية والنهوض بالامة، والذي كان بالامس هو القاعدة الذهبية للمجاهدين خلال حرب التحرير، سيظل احدى الفضائل الاساسية للشعب الجزائري واحدى القيم الخلقية التي تصنع عظمة الثورة الجزائرية.
4) (4) - النظام الجبائي :
ينبغى أن يتكيف النظام الجبائي تدريجيا مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية على الامدين المتوسط والبعيد. كما ينبغي توسيع الاعمال الهادفة الى تحسين تأطير المداخيل غير الأجور قصد القضاء على أوضاع الريع غير المنتج والحث على تكثيف استعمال التوفير الخاص في الاستثمارات المنتجة.
ومن اهداف الجباية ادخال التعديلات الضرورية لتحسين المردود الجبائي بنسبة كبيرة، واعتماد جهاز فعال لمكافحة الغش والتهرب من أداء الضريبة قصد ضمان توازن الموارد وتوظيفها والحيلولة دون استهلاك جزء هام من الدخل القومي وتبذيره. 5 (5) - الاستقلال المالي :
ان الاستقلال المالى للبلاد والحفاظ على المصداقية في قدرة الدولة على الوفاء بديونها، سيظلان من الواجبات الاكيدة في توجيه السياسة الاقتصادية. وفي هذا الاطار ينبغى اقامة تنظيم دقيق لشروط اللجوء الى المساهمة الخارجية في ميدان التكنولوجيا والخدمات على أساس المحاور الآتية :
السهر على الحد من اللجوء الى المساهمة - الخارجية حتى تقتصر على البرامج أو أجزاء البرامج التي لا تستطيع الطاقات الوطنية أن تتكفل بها.
دراسة كل الامكانيات التي تسمح بمشاركة الوسائل أو المنتوجات الوطنية في اعداد هذه البرامج وتطبيقها.
التنظيم المنهجى للتراكم واكتساب المهارة التكنولوجية كلما وقع اللجوء الى وسائل الانجاز الاجنبية.
- تحديد برامج مدققة وتطبيقها من أجل التعويض التدريجي للمساهمة الخارجية بوسائل وطنية في كل المستويات المعنية.
ان الاستقلال المالى للدولة يعني أيضا أن يكون اللجوء الى التمويل الخارجي الضرورى للتنمية، محل متابعة مستمرة ومراقبة دائمة قصد التحكم فى الاستدانة الخارجية حتى يبقى مستواها متطابقا دائما مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحتى لا يشكل، بأي حال من الاحوال، عائقا للاستقلال الاقتصادي.
(6) - احتكار الدولة للتجارة الخارجية :
وبالاضافة الى ذلك، فان احتكار الدولة للتجارة الخارجية يشكل مكسبا ثمينا لدعم نشاطها في ميدان المبادلات الخارجية وتوجيهها حسب ما تمليه المصلحة الوطنية.
ان ممارسة هذا الاحتكار وكذا طرق تنظيمه وتسييره ينبغى أن تكون موضوع تعديلات مستمرة قصد القضاء على أوجه النقص التي تظهر في سيره والقضاء على التعقيدات البيروقراطية وضمان التموين السليم للاقتصاد بأقل التكاليف.
ويجب أن يساعد احتكار الدولة للتجارة الخارجية على محاربة كل استيراد للمواد غير الضرورية، ويشجع تصدير الانتاج الوطني. 216 الجريدة الرسمية للجمهورية كما ينبغي أن يساهم احتكار الدولة في التوزيع الجغرافي لمبادلات الجزائر وتوجيهها بصفة خاصة نحو البلدان التي تربطها بها علاقات صداقة ولاسيما بلدان الجنوب.
غير أنه مهما بلغ اتساع سياسة التعاون هذه فلا تجوز الغفلة، لحظة واحدة، عن المبدأ الاساسي القائل بأن تنمية البلاد هي قبل كل شيء ثمرة المجهودات التي يبذلها أبناء الجزائر، وان الاعتماد على النفس هو القاعدة الدائمة لحركة التنمية. 7 (7) - تجنيد العمال :
لذا، فان تجنيد كافة العمال وادماجهم داخل المجالات الحية للاقتصاد هما احدى القواعد الاساسية للمسيرة الاقتصادية.
لقد تطلبت هذه التعبئة تطبيق سياسة للاجور مكيفة بصورة استهدفت في المرحلة الاولى الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه تهدف الى تشجيع العمل المنتج في القطاعات الاستراتيجية.
8) (8) - نظام الاسعار :
اعتبارا لاهمية نظام الاسعار بوصفه أداة لقياس فعالية المؤسسات الاقتصادية والتحكم في التكاليف وتحسين القدرة الشرائية للمواطن، يجب تكييف نظام الاسعار بصفة دائمة قصد القضاء على الجمود المتصل بطرق تحديدها للوصول تدريجيا الى اقامة نظام أسعار نسبية من شأنه أن يساعد، في اطار يكون قد تم تخطيطه، على الحفز الاقتصادي للمؤسسات وتوجيه الاستهلاك نحو موارد الانتاج الوطنى مع ضمان الحماية الفعلية للقدرة الشرائية للمواطن.
وفي هذا المضمار، ينبغي في المستقبل أن تعكس أسعار الانتاج، وتغطى تدريجيا المصاريف والتكاليف في ظل شروط فعاليته.
التخفيف من الفوارق ومحاربة اللامساواة، (9) - تنظيم الاعمال التجارية :
حتى تتوصل في مرحلة ثانية الى توزيع أكثر عدالة للاجور حسب المساهمة في المجهود الوطني للانتاج والتنمية.
ان الامر يتعلق، في اطار النظام الوطني للتخطيط، بالتوصل الى تحديد ما يأتى وتكييفه واستكماله :
مجموع الضوابط الضرورية لتحديد أحسن للاجر الاساسي ونظام التعويضات.
أساليب حفز العمال، في اطار الربط بين - الاجر والانتاج، وذلك عن طريق تحديد الاطار العام الذى يضمن لكل القطاعات، تقييما سليما لمردوديات الانتاج، من أجل تحقيق الزيادة في الانتاج والانتاجية، وتحسين فعالية المؤسسة الاقتصادية والادارات، وتأمين توزيع عقلاني للعمال المؤهلين.
و بالاضافة الى هذه الاجراءات ينبغى البحث بصفة مستمرة عن الصيغ الملائمة والفعالة التي / ان تنظيم الاعمال التجارية على كل مستويات الدولة والجهاز الاقتصادي يجب أن يبقى الشغل الشاغل.
ان تحكم الدولة في تجارة الجملة سيسمح بوضع قطاع الانتاج والمستهلكين في مأمن من التدخلات ذات الطابع الطفيلي. كما سيساعد على تجنب وضعيات الريوع غير المنتجة، ويوجيه التراكم الذي يفرزه القطاع التجاري نحو التنمية الاقتصادية .
وفي هذا الاطار، فان الانشطة المتعلقة باعادة هيكلة المؤسسات التجارية واعادة تحديد الوظائف والمسؤوليات في هذا الميدان، يجب أن تهدف الى تنظيم أحسن للوظيفة التجارية والى تقوية مسؤوليات المسيرين.
وهذا يعنى أن تنظيم الوظيفة التجارية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المقاييس المتنوعة التي تحدد مجمل أنشطته ولاسيما تلك المتعلقة بظروف التخزين والنقل والتوزيع.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 217 ان تجارة التجزئة التي تشكل شبكة متشعبة | تسمح بتأمين وصول كل المواد التي يحتاج اليها المواطن حيثما كان، ستبقى من صلاحيات القطاع الوطني الخاص بينما يبقى تدخل الدولة متمثلا في مراقبة التجار وفي اقامة نقاط بيع نموذجية.
(10) - النظام التعاقدي :
ان التنظيم المحكم للاقتصاد يقتضى تعميق النظام التعاقدى فيما بين المؤسسات ومجهودا متواصلا في ميدان الاعلام الاقتصادي.
وهذا يعنى استعمال أجهزة الاعلام وتعبئة كل طاقاته البشرية والمادية حتى تساهم فعليا في إنجاح معركة التنمية وذلك :
- بتوضيح البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمخططات التنمية.
- بالمساعدة على وضع سياسة اعلام اقتصادي قادرة على التعريف بالانتاج الوطني وترقيته والعمل على تنمية نمط استهلاك يتماشى وامكانيات البلاد ويتطابق مع الواقع الوطني.
الفصل الثاني التنمية الريفية ان النتائج المعتبرة المحصل عليها في مجالي ترقية الفلاح والنهوض بالفلاحة يجب أن تكون حافزا لمواصلة الجهود ومضاعفتها للرفع من مستوى هذا القطاع وتطويره ليصل الى مستوى استثمار كل امكانياته قصد تلبية حاجيات البلاد الغذائية.
وبهذا الصدد، تبين التجربة أن جزءا هاما من الاراضى الفلاحية المتمثل في المزارع العائلية الصغيرة والمتوسطة قد ظل، مدة طويلة، دون الاهتمام اللازم.
وزيادة على ذلك، فان مجهودات التنمية غير المتوازنة في اتجاه مختلف فروع النشاط الاجتماعي والاقتصادي لم تساعد على اعطاء القطاع الفلاحى المكانة التى كان يجب أن يحتلها فى استراتيجية التنمية الشاملة.
وعليه، وبالرغم من الحصول على بعض النتائج، فان الفلاحة بقيت قطاعا ضعيفا عاجزا عن الارتقاء الى مستوى امكانياته الحقيقية وعن الاستجابة لحاجات البلاد فى المجال الغذائي. وقد ترتيب على التخلف الذي عرفته التنمية الزراعية تبعية غذائية متزايدة.
أولا - الاهداف السياسية والاجتماعية للتنمية الفلاحية :
ان تزايد الحاجات الاجتماعية، بسبب النمو الديمغرافي السريع، والانتقالية الاجتماعية المكثفة والنسبة المرتفعة للتعمير، تفرض اعادة اتزان عميق لسياسة التنمية لصالح الريف عامة والفلاحة خاصة. وتتطلب هذه الآفاق معالجة جديدة للتنمية الريفية.
ونظرا للامكانيات التي تتوفر عليها البلاد فى المجال الزراعى، ونظرا لضرورة اعطاء الاولوية لتأمين الاحتياجات الوطنية من المواد الغذائية، ونظرا الى ان سرعة التنمية تتحكم، الى حد كبير، في مجموع الاقتصاد الوطنى، فان الفلاحة ستظل تحتل مكانة مرموقة في مخططات البلاد التنموية.
، وما كان للثورة في القطاع الزراعي، بعد ما استهدفت التحويل الجذري للمجتمع الريفي، أن تكتفى بمجرد توزيع الاراضي من دون أن تمكن، في نفس الوقت كل الفلاحين من بلوغ ظروف العيش والعمل الملائمة للمبادى الاشتراكية ومقتضيات التقدم.
وفي هذا المنظور، تدرج سياسة التنمية الريفية ضمن أهدافها ما يأتي :
- التحويل الجذرى للعلاقات الاجتماعية في الريف،
- تحديث مناهج الانتاج وتقنياته،
- التزام الفلاحين بأهداف سياسة التنمية، : 218 الجريدة الرسمية للجمهورية تنظيم المنشآت والخدمات المتصلة بالانتاج - وبسياسة تسويق تضمن للمنتج الدخل اللائق بالجهد المبذول رفع شأن الجهد الشخصي للمنتج باعتباره عنصرا حاسما في نجاح معركة الانتاج ومن أجل تلبية الاحتياجات الوطنية حفز الفلاحين على الاستمرار في الارتباط بالارض والاعمال الزراعية
- مكافحة النزوح الريفي الذي يدفع بأحسن المزارعين الى قطاعات أخرى جمل الفلاحة مصدر تراكم للاقتصاد - الوطني، علاوة على ما تؤديه من دور في تغطية احتياجات البلاد الى المواد الغذائية.
ان كل هذه الاهداف تتمحور حول فكرتين أساسيتين وثيقتى الارتباط هما تدعيم القواعد المادية والهيكلية للانتاج الفلاحي والاستجابة للتطلعات الرئيسية لسكان الريف.
ثانيا - تحديد تصور شامل للتنمية الفلاحية :
يجب أن يتم تصور القطاع الفلاحي ككل لا يتجزأ.
ويتعين أن تخضع التنمية الفلاحية لتصور شامل مرتكز على آفاق منسجمة متكاملة مع القطاعات الاخرى، بحيث لا يمكن عزلها عن ظروف تطور المسار العام للتنمية.
ان فعالية الفلاحة ومردودية الانتاج الفلاحي تتوقفان على توفير عوامل الانتاج ووسائل التقدم التقني.
كما ان القطاع الفلاحي الخاص يتشكل من مجموعة واسعة من الفلاحين ومن ثمة ينبغى افادته بحصة وافرة من الامكانيات المخصصة لتدعيم المزارع تقنيا، ومن القروض، ومن تعميم التقنيات الفلاحية العصرية التي من شأنها تكثيف الانتاج و توسيعه.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ان عصرنة الريف وادماجه في المخططات التنموية كضرورة حتمية، يقتضيان تحويل ظروف الانتاج ووسائل الانجاز والشروط التنظيمية التقنية الضرورية.
ومن جهة أخرى فان فك العزلة عن المجال الريفي وادماجه التام ضمن الحلقات الاقتصادية والاجتماعية لمن أهم العوامل الضرورية للتحولات الجذرية في عالم الريف.
وفي مجال السكرع الريفى تتعين حتما مشاركة الفلاحين في انجاز البرامج المخصصة لهم.
اذ الأمر يتعلق بتهيئة التجمعات السكنية الموجودة وتوسيعها وتجهيزها، والسهر على ضرورة ربط احداث التجمعات الجديدة بالحاجيات الحقيقية لتنمية شاملة.
بيد أنه يجب على تنمية المنشآت الاساسية في الوسط الريفي أن تتكفل بانجاز هياكل التربية والثقافة والتكوين المهني والصحة والحماية الاجتماعية التي لا بد منها لتحسين اطار المعيشة في العالم الريفى. وتنفذ هذه الاعمال تدريجيا ضمن تصور شامل مدمج في الطار مختلفة المخططات.
ثالثا - المحاور الكبرى لسياسة التنمية الريفية :
ان سياسة التنمية الريفية، بعد أن تحقق استرجاع الاراضي المغتصبة ترمى الى تحوير الهياكل الريفية التقليدية للفلاحة، كما ترمى الى تطويرها بصورة تمكنها من القيام بالمهمة المنوطة بها، في اطار استراتيجية البناء الاقتصادي للبلاد والعمل المرحلى من أجل تحقيق الاكتفاء الغذائي.
1 - الاكتفاء الغذائي :
يتطلب تحقيق الاكتفاء الغذائي مضاعفة انتاج المواد الاستراتيجية الضرورية لسد الحاجيات الاساسية للبلاد، وبما أن القمح سيظل أساس تغذية مجتمعنا، فان انتاجه بكميات كافية، سيبقى أحد متطلبات استقلالنا الاقتصادي.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 219 وبفضل الجهود الضخمة والوسائل الواجب تجنيدها، ينبغى للتنمية الفلاحية أن تكون قادرة بعد تجاوز المستوى الضرورى للامن الغذائي، على المشاركة تدريجيا في احداث التراكم الاقتصادي الضرورى لحاجات التنمية الشاملة.
و يتطلب مجموع هذه الاعتبارات تنويع الانتاج الفلاحى بما يتطابق ومقتضيات نمط استهلاك متزن يأخذ في الحسبان التقاليد الغذائية للبلاد. 2 الاستخدام الاقصى للتربة والمحافظة عليها :
ان عدم وجود نشاط واسع لحماية الاراضي وغياب سياسة شاملة لاستعمالها بكيفية رشيدة سوف يؤديان حتما إلى انخفاض خطير فى مساحة التربة الصالحة للزراعة. وستدعم المجهودات الكبيرة المبذولة للتصدى لهذا الوضع بما يلى :
تحديد المناطق الفلاحية عبر الوطن، بغرض الحفاظ على الاراضى الاكثر صلاحية للزراعة.
المحافظة على الاراضى الفلاحية بواسطة - سلسلة من العمليات واتخاذ عدد من الاجراءات قصد حمايتها، استعمال الاراضى وفقا لسياسة التهيئة
- العمرانية، أي ادماجها في كل المخططات التنموية
- تطبيق برنامج واسع يستهدف استصلاح الاراضي والمحافظة على الرأسمال العقارى بواسطة صرف المياه، ومكافحة الانجراف، وتوسيع الثروة الغابية المرتبطة بالمشاريع الفلاحية الكبرى، وحماية أحواض السدود.
مجهود خاص لاستصلاح السهول والمساحات الشمالية المسقية واستعمالها لتنمية بعض الزراعات الضرورية،
- اتخاذ اجراءات تساعد على توسيع المساحات الفلاحية، بالنسبة الى الجهات والمناطق التي ما تزال حتى الآن مهمشة أو غير مستثمرة،
- جعل المناطق الجبلية المتأثرة بأضرار الانجراف تستفيد من العمليات الرامية الى | الحفاظ على طاقاتها الهامة البشرية منها والعقارية والمائية، تواصل أشغال التشجير في المناطق ذات - الطابع الغابي مع اعطاء مكانة مرموقة للانواع ذات المردودية العالية وتلك التى يمكن أن يكون لها اسهام فعلى فى تنمية الصناعة ببلادنا أو في مضاعفة الانتاج الغذائي بصفة عامة،
- تهيئة المساحات الغابية قصد ضمان ديمومتها وتأمين تقويمها.
3 - تهيئة المناطق السهبية واستصلاحها :
يتكون هذا المحيط من أراض شاسعة، تشكل حمايتها بالنسبة إلى البلاد الضمان الاول، ضد تصحر يهدد بالخطر.
فالسهوب قد عانت خلال عشرات.
السنين، التدهور الذي تحول تدريجيا الى اتلاف مساحات كثيرة من الغطاء النباتي، الذي يكسو هذا الجزء المترامى الاطراف من التراب الوطني.
هذا، وان نمو قطعان الغنم، واستقرارها بغير انتظام، وكذا قلة الجهد الوطني لاستصلاح الاراضي، وعدم وجود نظام خاص باستعمال المراعي، زيادة على ممارسة معممة وحديثة العهد لتسمين الماشية، كل ذلك ساعد على تفاقم الآثار السلبية وزاد من حدة تدهور النسيج النباتي.
وتستهدف سياسة التنمية الريفية، في السهوب والاراضي الرعوية، تنظيم النشاط الرعوى على أساس علاقات اجتماعية اقتصادية جديدة تهدف الى اعادة الاعتبار لصغار المربين في المجتمع، ورفع مستوى معيشتهم، وتحديث وسائلهم الانتاجية، والحفاظ على المراعى بكيفية معقولة.
وهكذا، فان قضية التصجر ، ومقاومة الرمال الزاحفة تستوجبان منح برامج صيانة الغطاء النباتي وتوسيعه الاولوية، ضمن هذه السياسة التنموية. 220 الجريدة الرسمية للجمهورية ويتعين على التهيئة المتكاملة لهذه المناطق المتسعة أن تأخذ في الحسبان الانشغالات الاقتصادية، من خلال اختيار محكم للعمليات وللنباتات واشراك المربين في جميع مراحل هذه البرامج.
وعلى صعيد آخر، تتميز السهوب بوجود موارد هامة، كالمياه الباطنية، والمياه الجارية، والاراضي الصالحة للعلف، والمزروعات الفلاحية، لاسيما الحلفاء التي ينبغى دراسة امكانية استعمالها وتحليلها وتشجيعها لتغذية الماشية، بالاضافة الى دورها الرئيسى كمادة أولية في صناعة الورق.
وينبغى أن تندرج كل هذه العمليات في المخططات الرئيسية للتهيئة المحددة من حيث الزمان والمكان، والمقامة بانتظام قصد ادخال التصحيحات الضرورية وابراز الجوانب الايجابية لمختلف التجارب التي وقع الشروع فيها.
4 - استصلاح الاراضي في الجنوب :
ان الثروة الحقيقية في جنوب البلاد لا تكمن فقط فيما يدخره باطن الارض من نفط وغاز بل كذلك فيما سيفتح أمامها مستقبلا من آفاق للزراعة وبالتالي لتوطين الانسان الذى يستطيع استصلاح الاراضي بفضل عمله ومهارته وعبقريته.
وبالفعل فإن الموارد المائية الهامة والاراضي الشاسعة التي تتوفر عليها هذه المناطق ينبغى تعبئتها واستغلالها في اطار مخطط على نطاق واسع، باستخدام أحدث التقنيات لتأمين انتاج زراعي مكثف ومتنوع يساعد على المساهمة في التحقيق التدريجى للاكتفاء الغذائي والتوصل الى تغيير عميق لهذه المناطق.
وستكون زراعة النخيل باعتبارها ثروة وطنية كبرى موضوع عمليات خاصة للحفاظ عليها وتجديدها وتوسيع نطاقها.
ان تعميم الانتاج المدعم بالتدابير التشجيعية الملائمة وتوفيره، يجب أن يسمحا بتحويل الفلاحة في الجنوب الى فلاحة أكثر انتاجا وأحسن انتاجية.
ويمكن تربية الماشية أن تحتل مكانة بارزة، اذا الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وقع اختيار السلالات والاجناس التي تتكيف مع الوسط الطبيعي، ووضعت أساليب التربية التي تتلاءم مع المعطيات المناخية الخاصة بهذه المنطقة .
5 - الثروة الحيوانية :
واذا كان القطاع الاشتراكي قد عرف محاولات ناجحة الى حدما في مجال تكثيف الانتاج الحيواني وتحسين السلالات، فلا بد من الاعتراف بأن التقدم المسجل في هذا القطاع كان ضعيفا نسبيا بوجه عام.
وللتمكن، مستقبلا، من تطوير تربية المواشى يجب أن يهتم اهتماما خاصا بتوسيع زراعة الكلأ التي يمكن أن تخفض من نسبة الاراضي البور وتسمح باستصلاح المناطق السهبية التي لا يجوزا أن تظل مجرد مناطق رعوية، وأن تجعل صغار المربين يشاركون فعليا في انجاح العملية، لان تضافر جهود الجميع ضرورى للتوصل الى حل مشاكل تزويد البلاد بالكميات اللازمة من اللحوم.
و بهذا الصدد، يجب أن يتواصل توسيع الطب البيطرى، وتنظيمه، لضمان التغطية الصحية للمواشي والسماح باستعمال التقنيات الجديدة في هذا الميدان الحيوى من ميادين الاقتصاد الوطني.
وبما أن منتوجات البحر تشكل موردا غنيا بالبروتينات قادرا على الاسهام في تخفيف الضغط على طلب اللحوم، فانه من اللازم مواصلة الجهود الرامية الى تطوير الصيد البحرى بمجموعة من الاجراءات ينحصر أهمها فيما يلى : 1 I ) - تحسين ظروف عمل الصيادين بما يساعد على التخفيف من عزلتهم الاجتماعية الاقتصادية وجعلهم أكثر تفتحا على التقدم، 2 (2) - دعم التدابير الضرورية لتجديد هيكل الصيد البحرى، وتكثيفها، وتوسيع المؤسسات الاشتراكية العاملة في هذا القطاع،
(3) - تحسين ظروف عمل القطاع الخاص في هذا الميدان، وذلك بتوفير الدعم له وبالقضاء على الوسطاء الطفيليين، الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 221 4 (4) - جعل موانىء الصيد البحرى تحظى بعناية خاصة لمواصلة عصرنتها وتوسيعها، 5 (5) - تطوير أحواض السمك في الاماكن الساحلية الملائمة لذلك 6
(6) - تطوير الاسطول البحرى للصيد في أعالى البحار.
ه تحديث تقنيات الانتاج :
يجب أن تولي السياسة الزراعية أهمية خاصة لادخال الطرائق والتقنيات الملائمة على أنشطة التسيير والانتاج، ومن ذلك :
- التوظيف الامثل للامكانيات المتوفرة مع الحرص على استعمال الآلات الأكثر فعالية في تحقيق الاعمال الزراعية،
- استعمال المواد الكيماوية، والطرائق الملائمة لتسميد التربة، ووقاية المحاصيل، وحماية النباتات انتاج البذور، والمشاتل المنتقاة، واستعمالها، وكذلك السلالات الحيوانية الاكثر مردودية، ومضاعفة اعداد مشاتل الفواكه والغابات.
ان استخدام التقنيات العصرية في هذا الميدان، مرهون مثلما هو الامر في كل تجديد تكنولوجي، بالتعميم الجيد، والبحث والتقييم المستمرين، والتكييف المتواصل لخصائصها مع اهتمامات المزارعين.
7 - تعبئة الموارد المائية :
ان موارد الجزائر، في مجال المياه السطحية والجوفية، هي احدى الثروات الرئيسية التي يرتكز عليها رخاء البلاد مستقبلا، كما يعتمد عليها نجاح تطورها الاقتصادي والاجتماعي. ويتطلب هذا التطور تنمية مرموقة للامكانيات المائية من أجل تلبية احتياجات السكان واحتياجات النشاط الاقتصادي. ومن هنا فان تسوية مشكل المياه عبر التراب الوطني، شرط أساسي، تعمل الدولة على تحقيقه لضمان التقدم المستمر للتنمية.
ففى الوقت الحاضر تستثمر المياه السطحية بنسبة قليلة أما المياه الجوفية فلم يقع الشروع في استغلالها الا أخيرا، وبالاضافة الى ذلك فان معرفة الموارد المائية في البلاد، تستلزم بالنسبة لسياسة الدولة، فى مجال المياه التأكد المستمر من الاحصائيات والتقديرات المائية.
ان سقي الاراضى المفلوحة، والمساحات التي اكتسبتها الزراعة أخيرا، وانجاز المشاريع الصناعية، والعمل على التهيئة العمرانية في الحواضر والبوادى، كل ذلك يتطلب بذل جهد مستمر لتعبئة الطاقات المائية السطحية والجوفية على حد سواء ولبلوغ هذا الغرض، لا بد من :
- مواصلة تكثيف الجهود الموجهة لانجاز السدود، والتنقيب في الهضاب العليا وفي الجنوب بوجه خاص، والاهتمام اللازم بالاستغلال الامثل للمياه الجوفية الألبية.
- تكثيف عمليات الري الصغيرة والمتوسطة، وتوسيعها بما يضمن استعمال كل المياه والانتفاع بها الى أقصى حد ممكن.
وضع برامج لجلب المياه على أساس خطط توجيهية تشمل المناطق المائية الكبرى.
- تنشيط سياسة الرسكلة ومعالجة مياه الوحدات الصناعية.
تشجيع عملية تحلية مياه البحر حيثما اقتضى الامر ذلك حتى توجه لتغطية جزء من حاجات السكان، وذلك بغية الاقتصاد في المياه والحفاظ على الموارد المائية التقليدية التي تعطى الفلاحة الاسبقية في استعمالها. 8 تكوين الرجال :
ان العصرنة والتقدم الشامل للارياف مرهونان بترقية الانسان العنصر الرئيسي في كل 222 الجريدة الرسمية للجمهورية نشاط اقتصادي واجتماعي، ومن ثمة فتكوينه تكوينا علميا وتقنيا ينبغى أن يكون هدف كل المساعي التي يتعين القيام بها.
وعلى أساس المقاييس المحددة في هذا المجال بالنسبة لمختلف المستويات ووفقا للتخصصات والسمات المميزة لكل المناطق، ينبغى السهر على أن يستجيب التأطير التقنى فى القطاع الفلاحي، في أقرب الآجال، لمتطلبات الزراعة العصرية التي تشهد تحولا سريعا.
ان حصيلة هذا التكوين من مهندسين وفنيين واطارات سيجرى تعيينهم بالدرجة الاولى وبصورة مكثفة للعمل على مستوى الانتاج والهياكل المدعمة له كما سيتواصل التكوين المهني والعلمي والفني وتكوين مسيرى الانتاج بصورة مكثفة.
ثم ان السن المتقدمة لعمال الارض تستوجب خطة عمل محكمة من شأنها أن تحفز وتشجع الشباب على خدمة الارض، وبذلك يتم القضاء على الميول السلبية المتمثلة فى النزوح الريفي واهمال القرى. 9 البحث العلمي الاساسي والتطبيقي : - ان البحث عن القواعد العلمية التي يستلزمها تكييف التقنيات الفلاحية العصرية مع ظروف البلاد من مناخ، وتربة، ومياه، وغيرها، مطلب أساسي لنجاح عصرنة الفلاحة.
كما أن الرصيد العلمى والتقنى المتراكم عبر العالم ينبغى استغلاله منهجيا في اطار هياكل بحث ملائمة .
وبما أن التنمية الفلاحية مرتبطة أشد الارتباط بالعلم والتكنولوجيا فمن الضرورى دعم البحث العلمي والتقني، وتشجيعه في هذا الميدان الذي يحظى بالاولوية. وتشترك في انجاز هذه المهمة المعاهد ومراكز البحث بالجامعات الوطنية، مع ايلاء مهارة المنتجين وخبرتهم عناية خاصة .
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ولكي يكون هذا البحث بناء، ينبغي أن يرتكز على شبكة من المزارع النموذجية المختصة والمتعددة الخدمات عبر كل التراب الوطني.
كما ينبغى أن يتم ذلك على مقربة من الاماكن التي يجرى بها النشاط الانتاجي، وان يكون مشجعا فى النهاية للوحدات الزراعية والمزارعين وينبغى كذلك مضاعفة المحطات التجريبية، والمختبرات المختصة، والاستفادة من تجارب الفلاحين العريقة وحسن الملاحظة لديهم، ومن نتائج الابحاث العلمية. وحتى يكون لنتائج البحث بعد حقيقي، يجب أن تطبق بمجرد التأكد من فاعليتها على المزارع وأن تستعمل كل الوسائل الحديثة، لتطويرها. كما يجب تعميم التعريف بالاكتشافات المتصلة بالتقنيات الجديدة للانتاج وبالنتائج المتعلقة بانتقاء الاصناف النباتية والسلالات الحيوانية، وأن يتم ذلك على نطاق واسع بالوسائل البيداغوجية اللازمة، وذلك لتدعيم مهارة الفلاحين باستمرار، وتغيير عقليتهم حتى يكونوا متفتحين على التقدم والعلم. 10 تنظيم وسائل دعم التنمية الريفية :
يجب أن تضمن الهياكل المكلفة بدعم النشاط الزراعى مردودا مرضيا للفلاح مقابل عمله، وأن تسمح بتقييم أفضل للمحصول الزراعى، في نطاق سياسة تؤدى في نفس الوقت الى صيانة القدرة الشرائية لمجموع العمال. وتدل التجربة على أن الفلاح، في غياب تقنين العلاقات بين المنتج وهيكل الدعم يقع فى الغالب ضحية لمنطق اداري يعرقل نشاطه ويحد من امكانياته.
والمبدأ العام الذي يجب أن لا نغفله في هذا الميدان هو أن وجود هذه الهياكل ليس له ما يبرره خارج الاهتمامات الناجمة عن التنمية الفلاحية.
ان القروض والدعم المتعدد الاشكال لاستصلاح أراض جديدة، وتعميم المعارف والتقنيات، والتزويد بالمواد الوسيطة والتجهيزات، والنشاط المتصل بجمع المحاصيل وتسويقها.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 223 كلها عوامل ينبغي أن تلبى بالضرورة حاجيات التنمية الفلاحية. وعلى الهياكل المعنية أن تكون قريبة من الفلاح، والمربى، وتجعل نمط تسييرها | مرنا بسيطا يساعد الفلاحين على تأدية مهامهم.
أى أنه ينبغي أن تشكل محيطا حقيقيا نشيطا للقطاع الفلاحي يخدم جميع الفلاحين.
ومن هنا، يتحتم على هذه الهياكل أن تقترب من المنتج وليس العكس، كما يجب أن يخضع وجودها ونمط تسييرها لمنطق الانتاج الفلاحي واحتياجاتها.
وأخيرا، ينبغي السهر على أن تكون مختلف هياكل الدعم والمساندة متماشية مع توزيعها الجغرافي، وتحديد مهامها وفق خاصيات الفلاحة واحتياجاتها .. 11 سياسة الاسعار :
سياسة الاسعار أداة هامة لتنظيم الاقتصاد تساهم في توزيع محكم للدخل، ولذا يتعين التحكم في تركيبة الاسعار والفوائد بالكيفية التي تمكن الفلاح من تحسين دخله.
ان وجود الوسطاء الطفيليين بين المنتج والمستهلك يضر بالقدرة الشرائية لكل منهما، ولا تترتب عليه أية قيمة مضافة في الانتاج.
وعليه، فان سياسة الاسعار مرتبطة ارتباطا وثيقا بسياسة اقامة دوائر تجارية ذات مردودية وبسياسة توزيع ديناميكي مكيف مع مختلف الاوضاع والخصائص المحلية.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في تمكين سياسة الاسعار الفلاحية التي يتم تصورها جيدا وتطبيقها فعليا، من تأطير حقيقى لمداخيل العالم الفلاحى حتى تشكل عنصرا هاما في تنظيم الاقتصاد.
غير أن الانشغال المشروع الخاص بضمان مدخول معتبر للفلاح، يجب الا يكون مبررا | لاستغلال جزئي أو غير كاف للاراضي، بل بالعكس يتعين على سياسة الاسعار أن تحفزه على الاستعمال الامثل للطاقات التي يتوفر عليها.
رابعا الاطار القانوني :
ان حماية الاراضي، والزام كل مالك باستغلال أرضه بكيفية فعالة، والتصدى للمشاكل المتعددة المترتبة على تجزئة المزراع، وحقوق أعضاء الواحدات والجمعيات والتعاونيات وواجباتهم، والعلاقات الواجبة اقامتها بين مختلف كيانات الانتاج أو الخدمات طوال عملية التنمية، وكيفيات تشكيل نسب الفائدة، وأدوار مختلف الاجهزة وواجباتها ازاء القطاع الفلاحي، وكيفيات المراقبة تجاه مختلف هياكل الانتاج، والمساعدة، والدعم، كل ذلك يشكل مواضيع هامة يجب أن تقنن بنصوص ملائمة.
ولهذا الغرض، يمكن توجيه الادخار الوطني الخاص نحو عمليات استصلاح الاراضي وتكثيف الانتاج الفلاحي وان مساهمته في انجاز الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحقيق الاستغلال الغذائي تمكنه من الاستفادة من امتيازات تكوين مساوية على الاقل لتلك التي يطمح اليها، لو استثمر ادخاره في قطاعات أخرى من الاقتصاد الوطني.
ومن جهة أخرى، فان عملية الاستصلاح التي هي الوسيلة المفضلة لتوسيع المساحة الفلاحية، يجب ألا يتعرض لاى عائق خلال عملية انجازه عبر التراب الوطني.
خامسا التعبئة الواسعة الدائمة للمبادرات المحلية والهياكل اللامركزية :
ان طبيعة النشاط الزراعي تتطلب روح المبادرة، وترفض رفضا مطلقا مساوىء البيروقراطية والزراعة هي أكثر قطاعات الحياة الاقتصادية استفادة من تحقيق اللامركزية التي تحرر روح المبادرة وتسمح بحل المشاكل في عين المكان ولا يمكن تصور تنفيذ سياسة تنموية فلاحية ترمى الى الاستقلال الغذائي للبلادة 224 الجريدة الرسمية للجمهورية والانطلاق فى عملية تراكم التقنيات، دون اشراك مجموع المعنيين وخاصة منظمة الفلاحين.
سادسا - العلاقة بين الفلاحة والصناعة :
ان الفلاحة والصناعة تتكاملان بداية ونهاية ويتعزز هذا التكامل باستمرار عن طريق تشييد اقتصاد وطني عصري شمولي تكون قطاعات نشاطه متوازنة.
وفي هذا المنظور، تتعين ترقية صناعة وطنية حقيقية تتمحور حول تلبية حاجيات الفلاحة الوطنية وتزويدها بمختلف أنواع وسائل الانتاج، حتى تتقلص التبعية للخارج.
كما يستحسن وضع سياسة أكثر تلاؤما وتنشيطها فيما يتعلق بتوزيع وسائل الانتاج عبر البلاد، توزيعا يكون متماشيا مع حاجات الانتاج.
وينبغي تدعيم ذلك بسياسة عملية لصيانة التجهيزات في عين المكان بواسطة اليد العاملة المحلية الريفية المكونة مسبقا لهذا الغرض، مع ضمان كل الشروط الكفيلة بانجاح هذه المهمة الاساسية.
وبهذا الصدد يكون من الضرورى تشكيل | وحدات فلاحية صناعية من أجل تعزيز العلاقة بين الفلاحة والصناعة وتنظيمها.
الفصل الثالث التنمية الصناعية تهدف التنمية الصناعية بالجزائر، في اطار الاختيار الاشتراكي، الى بناء اقتصاد عصري مستقل، قوى، مزدهر، يضمن للشعب الجزائري ظروف العمل والحياة الكريمة.
ذلك أن التنمية الصناعية ليست مجرد وسيلة للانماء الاقتصادي، بل انها تندرج ضمن مسار تنمية شاملة تعطى التصنيع فى الجزائر مدلولا و أبعادا ثورية حقيقية.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وترمى التنمية الصناعية الى احداث تغييرات عميقة في البنيات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، من أجل تشييد اقتصاد عصري تتكامل فيه الانشطة الانتاجية وتتكثف المبادلات بين فروع القطاع الاقتصادى الواحد أو بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وبذلك تندرج التنمية الصناعية ضمن منظور اشتراكي يعطيها مدلولها العميق وأبعادها السياسية، وتسهم بفعالية في وضع القواعد المادية للاشتراكية التي يقاس واقعها بالاساس الاقتصادي الذي ترتكز عليه.
ذلك أن اختيار الاشتراكية في الجزائر ينبع من مفهوم الاستقلال الوطني، ويستلزم تحقيق الاستقلال الاقتصادي.
فعلى التنمية الصناعية أن تتواصل بتعزيز القاعدة المادية الموجودة مع ترقية صناعة متطورة ومتنوعة تمتد الى كافة الفروع، وتؤدى تدريجيا الى تحسين مستوى حياة المواطنين ورفع مستواهم العلمى والتكنولوجى والى التهيئة العقلانية للمجال الترابي وانشاء الفوائض الاقتصادية.
ان عملية التصنيع ضرورية لسير الاقتصاد الحديث المتحرر من التبعية الاجنبية، على أن المسار الصناعى لتشييد قاعدة مادية يجب أن يتوجه بحزم نحو تعزيز اقتصاد وطني مستقل متكامل، متمركز حول نفسه بحيث تدعم في أحضانه العلاقات بين القطاعات، والمبادلات بين مختلف فروع الانشطة.
على هذا الاساس يتعين على كل مرحلة صناعية أن تمد البلاد بالوسائل الخاصة لتنميتها، وذلك بجعل الانتاج الوطني يستجيب لاهم حاجاتها الاساسية من مواد استهلاكية ومواد تجهيز، بالاعتماد على التكييف المستمر للهياكل الاقصادية وطرق التسيير وأساليبه مع مقتضيات التقدم العلمي والتقني.
كما يجب أن يندرج كل برنامج صناعي في اطار التنمية الشاملة والمنسجمة للاقتصاد الوطني.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 225 بهدف ايجاد تكامل حقيقي بين مختلف القطاعات | والتوفيق المحكم بين تكاليف البرامج والموارد المتوفرة حتى لا يؤدى التصنيع الى تفاوتات قد تلحق أضرارا بالاقتصاد والمجتمع.
ان التنمية الصناعية، اذ تسعى الى التعميم المنظم للتقدم التقني عبر مختلف أنحاء البلاد والى التكوين الدائم للعمال من أجل التحكم فى تكنولوجيات تزداد كل يوم تعقدا، فانها تساهم في خلق عقلية صناعية، واطلاق العنان للمبادرات التي تحدث تغييرات عميقة فى الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، التصدى لاشكال التبعية الاقتصادية الموروثة عن الاستعمار وتوفير امكانيات معتبرة.
لقد كانت الاستراتيجية الانمائية المتبعة خلال الفترة المنصرمة ترمى الى اعطاء مفهوم الاستقلال الاقتصادي محتوى ملموسا باسترجاع الثروات الوطنية وجعل الصناعة القاعدية حجر الزاوية في عملية التصنيع.
وكانت هذه الاستراتيجية تهدف الى تطوير صناعات المواد الاولية التى تقدم دعما حاسما العملية احداث مناصب الشغل الى جانب توفين مما يؤدى الى بروز مجتمع | الشروط الضرورية لضمان استقلال الاقتصاد عصرى يمكن الانسان من التفتح، ويضمن للبلاد تعزيز استقلالها.
وينبغي أن يتطور هذا التصنيع وأن تتزايد وتيرته حسب القدرات البشرية والمالية للبلاد، علما بأن هذا التطور لا يتم تدعيمه والتعجيل به الا من خلال المسار التنموى المستمر الذى يعززه تحسين متواصل لمهارة اليد العاملة. ففى هذا المسار الديناميكى القائم على أساس العمل والصرامة يمكن خلق ثروات جديدة، ومن ثمة ايجاد مناصب جديدة للتشغيل وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
ولضمان استقلال البلاد الاقتصادى، يجب أن يتخذ التصنيع طابعه الهام الذي يمكنه من انتاج حاجات التنمية ومن تلبية الحاجات الاجتماعية.
وبذلك يستطيع على المدى البعيد، أن يسهم فعليا، في تحقيق التراكم واخراج البلاد تدريجيا، من التبعية الاقتصادية، وفى وضع قواعد حقيقية للتنمية بواسطة اكتساب رصيد علمى وتكنولوجي يسمح بتنويع امكانيات البلاد وتوسيعها فيما يخص تصدير المنتوجات غير المحروقات.
أولا - محتوى التنمية الصناعية :
اتسم تاريخ التنمية الصناعية في الجزائر بالمعركة التي خاضتها غداة التحرير الوطني قصد ببلوغ درجة من التكنولوجيا يرتفع مستواها باطراد.
وفعلا، فقد سمحت هذه الاستراتيجية باسترجاع الثروات الصناعية عن طريق تأميم الاسهم التي كانت في حوزة الاجانب، من ناحية، كما سمحت من ناحية أخرى، بتدعيم هذه المكاسب باقامة قاعدة صناعية معتبرة.
ان الجزائر، اذ عمدت الى تأميم الثروات النفطية والمنجمية، واقامة وحدات تحويلية لها، واحداث مركبات متكاملة كبرى، وتطبيق أحدث التكنولوجيات، قد وفرت لنفسها وسائل تمكنها من دعم نشاطها الانمائي.
وقد أصبح من الممكن الآن، بفضل المؤسسات الاقتصادية الوطنية الموجودة في جميع مجالات النشاط، المكلفة بتنفيذ برامج الاستثمار، ان توضع تدريجيا تحت تصرف الصناعة والفلاحة والمنشآت، مواد، وأحيانا تجهيزات ضرورية لتحقيق تطور يعطى النمو الداخلي المطلوب دفعا جديدا.
ان دروس التنمية الصناعية المستخلصة من عشريتي التشييد الاقتصادى، تبرز ضرورة اجراء تقييم دورى منظم لمسار التصنيع، كما تبرز ضرورة تكييف البرامج حسبما تستلزمه الاهداف 226 الجريدة الرسمية للجمهورية المسطرة، والنتائج المحصل عليها والمعطيات الاقتصادية الجديدة.
على أن تقييم الفترة المنصرمة التي كانت بلا شك غنية بالمنجزات والتجارب، يمكن من ابراز الحدود التي تفرضها طاقات الاستيعاب الوطنية.
وقد كان يفترض في انجاز البرامج الانمائية الصناعية أن ترافقه اقامة وسائل وطنية للدراسة والانجاز، وكذا وضع برامج نوعية للتكوين بفعل ما يوفره ذلك للبلاد من عمال أكفاء مؤهلين.
ان غياب سياسة مدعمة في هذا المجال قد انجر عنه بروز اختلالات وتفاوتات بين مختلف القطاعات، وداخل القطاع الواحد، من ناحية، وحال، من ناحية أخرى، دون تجميع المعارف الضرورية للانتقال الى أنماط انجازية أقل كلفة وأقل تبعية.
ونظرا الى أن ضخامة هذه البرامج الصناعية لم تكن تتناسب اطلاقا مع موارد البلاد، فقد أدت الى مضاعفة التبعية للخارج على ثلاثة أصعدة : على الصعيد الاقتصادي بما تسببت فيه من انفتاح على الخارج، وعلى الصعيد المالى بما تسببت فيه من استدانة كبيرة، وعلى الصعيد البشرى بما تولد عن ذلك من اللجوء المتكرر الى المساعدة التقنية الاجنبية.
هذا، وان اسناد معظم عمليات انجاز الاستثمارات الى المؤسسات الاجنبية واعطاء الافضلية في الاختيار للمشاريع الضخمة لم يعودا بالفائدة المرجوة على مسار التصنيع.
وقد أدى ذلك الى الحيلولة دون تحقيق التكامل في الانشطة، ودون التحكم في التكنولوجيا وتطور الهندسة الصناعية الوطنية، مما أفضى الى مضاعفة الكلفة الاقتصادية والمالية في مرحلتى الانجاز والاستثمار.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه | 1 التحديات :
ان أهداف التنمية الصناعية التي يدور حولها الصراع وطنيا ودوليا تفرض ضبط استراتيجية صناعية مناسبة تكون في مستوى متطلبات العصر المتميزة بتحولات تكنولوجية على جانب كبير من الاهمية وبالازمة البنيوية المستمرة للاقتصاد العالمي، مما يزيد في متاعب البلدان النامية.
ثم ان تزايد الحاجات الاجتماعية المرتبطة بتزايد عدد السكان والمداخيل، والانخفاض المتوقع في الموارد الطاقية، واعادة هيكلة الاقتصاد في البلدان المصنعة على حساب البلدان النامية، كل ذلك يستوجب تقييما دوريا للاستراتيجية التنموية الصناعية، وتحديد الأولويات في كل مرحلة حتى تتمكن الجزائر من تحقيق أهداف التنمية الصناعية المطلوبة .
ان البلدان المصنعة تتقدم بخطوات كبرى على طريق التنمية الاقتصادية التي يشجعها باستمرار تنافس كبير على الصعيد العالمى ان عبقرية شعوب هذه البلدان تتركز اليوم على الصناعات والتكنولوجيا الأكثر طموحا سعيا الى بناء حضارة صناعية من طراز جديد قائم على الالكترونيك والاعلام الآلى، والروبوتيك والبيوتكنولوجيا.
فلا يجوز لبلادنا أن تظل على هامش التحولات التكنولوجية الهامة التي تشكل التحدى الرئيسي | بالنسبة الى المستقبل.
فعلى الصناعة أن تتجه نحو الانشطة التي أصبح فيها تأهيل الانسان بالتكوين والاعلام من الادوات الحاسمة للرقى، فصناعة المستقبل، ومنها صناعة الدفاع الوطني، عوامل تقدم لا مناص منها فى الاستراتيجية التنموية. -2 الضغوط :
ان ضغوط المرحلة الجديدة يجب أن تكون موضوع دراسة معمقة وخاصة ما يتعلق منها بالموارد المالية ونوعية الهياكل الاساسية واعداد العمال المؤهلين، وكذلك وضع تنظيم محكم للاقتصاد.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 227 ان هذه الضغوط تقتضى الاعتماد على استراتيجية انمائية صناعية صارمة للغاية ومنسجمة مع طاقة الاستيعاب البشرية والمادية والمالية، كما أنها تتطلب استبعاد كل أشكال | التبذير، وتستدعى توفير الشروط اللازمة في مجال تكوين الرجال واقامة الهياكل الاساسية المرافقة لاضفاء المزيد من الفعالية على برامج العمل. وهي تستوجب أخيرا تصورا أكثر تلاؤما للاطار التنظيمي قصد تشجيع كل المبادرات وتعبئة مجموع الطاقات الوطنية.
تلك هي الشروط التي تجعل الجزائر واعية بمدارات معركة التنمية وتحديات المستقبل خصوصا وأنها تتوفر على تجربة صناعية تستطيع أن تستخلص منها عدة دروس، وهو ما يجعلها قادرة على تجاوز الضغوط التي تعرقل مسار التقدم، ومؤهلة لبناء اقتصاد وطني قوى مزدهر بفضل العمل، والصرامة، والتعبئة المكثفة لكل الموارد.
ثانيا - أهداف التنمية الصناعية : 1 تزويد البلاد بصناعة شاملة ومتوازنة :
لقد بدأت الصناعة تضفى طابعها العميق على واقع البلاد، غير أنه يتعين مواصلة تنميتها بالاستجابة للاهداف المتوخاة من خلال مقتضيات التنمية الوطنية من جهة، وبتصحيح أوجه النقص ووضع حد لضعفها الناتج أساسا عن المعدل الضئيل للاندماج الصناعي الوطني وعن التبعية للخارج، من جهة أخرى.
وتقتضى التنمية الشاملة والمتوازنة تناسبا ملائما بين القطاعات والفروع والاقسام والتكنولوجيا والاحجام ووتيرات النمو التي تتطابق مع ضرورة جعل المجال الصناعى كلا متكاملا نشيطا وذا مردود عال كما تنعكس فى هيكلة النسيج الصناعي وتكثيفه، وهى تهدف أيضا الى جعل العلاقات القائمة بين مختلف فروع الانتاج | والخدمات أوثق وأكثر انتظاما حتى تتعزز المبادلات بين الصناعات. وتقتضى التنمية الصناعية | أيضا اقامة وتدعيم عدد من الهياكل مثل البحث العلمى المتصل بالتنمية ومكاتب الدراسة والتسيير الصناعي، والتكوين والصيانة فهي كلها تقتضى دورا حاسما في عملية التراكم وتجديد الطاقة الانتاجية.
واذا كان التصنيع أداة فعالة وحاسمة في بناء الاقتصاد الحديث، فان البحث المتواصل من أجل تحسين الانتاج واقامة صناعة مصنعة وتدعيم الصناعة الثقيلة، كل ذلك من شأنه أن يساعد على تحقيق التكامل والاندماج الصناعيين في جميع المجالات. 1.1 مواصلة تنمية الصناعات الاساسية :
ان الصناعات القاعدية، باعتبارها الاساس الذي يعتمد عليه تصنيع البلاد لهى حتمية لتدعيم النسيج الصناعي الموجود وضمان توسيعه باحداث ديناميكية تنموية ذاتية مستمرة.
ان الطاقة الانتاجية المتوفرة في الصناعات القاعدية كصناعة الحديد والصلب والعدانة والبيتروكيمياء ومواد البناء، الجديرة حقا بالاعتبار، غير أنه لا بد من تطوير القدرات الموجودة وتحسين مستوى استخدامها كي تكون سندا لاعادة تجديد القاعدة الصناعية وتوسيعها. 2.1 تمكين صناعة وسائل التجهيز من تأدية دور أساسي :
ان صناعة مواد التجهيز بكيفية محدودة تشكل عائقا خطيرا يحول دون تحقيق تكامل الاقتصاد الوطنى لان الشرط الاساسي للنمو المستقل يكمن فى تطوير صنع مواد التجهيز وبالدرجة الاولى ذات الطابع التكرارى انطلاقا من هندسة صناعية وطنية تسمح للبلاد بالانتقال من المرحلة الحالية المتميزة بتراكم التقنيات الى مراحل انتاج الآلات وبناء المصانع اعتمادا على الامكانيات الوطنية في الدراسات والانجاز.
ان تحقيق أهداف الاستقلال الاقتصادي والنمو المستقل ينبغي أن يؤديا الى مسعى تدريجي 228 الجريدة الرسمية للجمهورية ومتواصل للتكامل الصناعى كما أن التنمية الصناعية الرامية الى ابراز قطاع انتاجى مدعو الى الاسهام بفعالية فى تكوين الدخل الوطني، تتطلب أن يكون امداد القطاع الصناعى بالمواد الاولية والوسيطة اللازمة لسيرها امدادا منظما ومضمونا، كما تتطلب توفر طاقات الدراسة الهندسية وصناعة مواد التجهيز وقطع الغيار ضمانا لصيانة القطاع الصناعي وتكييفه وتجديده وتوسيعه. 3.1 - مو مواصلة اضفاء القيمة على المواد الاولية والمنتوجات الوسيطة :
ان استقلال التموين بالمواد نصف المصنعة والمواد الوسيطة مرهون بتنمية فروع معينة كالبيتروكيمياء والكيمياء، مما يسمح باستخلاف المنتوجات المستوردة حاليا وتوفير مواد بديلة للمواد الطبيعية غير الموجودة أو التي يندر وجودها في البلاد.
وتشكل المواد الاولية، لاسيما منها الموارد المعدنية والعضوية الطبيعية، عناصر ذات أهمية بارزة لكل تنمية صناعية بصفة عامة ولتنمية الصناعات القاعدية بصفة خاصة.
والواقع ان الجزائر تتوفر في هذا الميدان على موارد يتعين احصاؤها بمنهجية شاملة واستغلالها بصورة تضمن تغطية احتياجات البلاد وتعزيز الاستقلال الاقتصادى. ومن هنا يتحتم القيام بمضاعفة التنقيب الجيولوجى قصد التعجيل بتحديد مواقع الحقول وتقدير مواردها. لاجل ذلك، فان البحث المنجمي سيحتل مكانة مرموقة في كل المخططات التنموية.
ولكي نضفى على مواردنا الطبيعية قيمة قصوى، يجب أن تتضمن التنمية الصناعية برامج تهدف الى التحويل فى عين المكان للموارد الطبيعية المعدنية والفلاحية على حد سواء.
وفي مجال تقويم الموارد الطبيعية، فان أنشطة تطوير المحروقات تشكل قطاعا أساسيا.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه فقد أدت المحروقات وما زالت تؤدى دورا بارزا في تمويل التنمية الوطنية غير أنه ينبغى أن ندرك أن هذه الموارد آيلة الى النضوب زيادة على أنها غير قابلة للتجديد.
وهكذا فان توفير الطاقة كعامل للنمو الاقتصادى والرقى الاجتماعي يكتسي طابعا متميزا وحيويا.
ان هذه المعطيات تقتضى أن نجعل ضمن الاولويات تعميم تقنيات المحافظة على الموارد | الطاقية، ودعم التنقيب عنها، وتحسين فعاليتها ومردوديتها، ولا بد كذلك من انتهاج أسلوب عقلاني في تسيير الثروة الطاقية بهدف امداد الاقتصاد الوطني على الأمد البعيد. ويترتب على هذه الاختيارات وضع نمط وطنى للاستهلاك الطاقوى يأخذ بعين الاعتبار أفضلية استعمال الغاز الطبيعى ورفع انتاج الطاقة الكهربائية ومواصلة برامج الكهربة وتطوير المنشآت الاساسية لتوزيع المنتجات البترولية.
ويتعين، من جهة أخرى، التوجه نحو الاستفادة من جميع عطاءات الطاقة الجديدة والمتجددة، والسعى بالخصوص الى ادخال الطاقة النووية تدريجيا بتحديد أهداف متطابقة مع قدراتنا على التحكم فى التكنولوجيا الخاصة بها.
ويشكل استرجاع المواد القابلة للرسكلة 6 واعادة استعمالها، مصدرا هاما من مصادر الموارد شبه الطبيعية. كما أن اعتماد برامج أعمال مفصلة دقيقة سيمكن في مختلف فروع النشاط، من تقليص التبذير والاقتصاد فى الموارد التي غالبا ما تكون نادرة أو باهظة الثمن. ويؤكد ضرورة هذه العمليات ان التبعية للخارج بالنسبة للامداد ببعض المواد قد تزداد حدة في المستقبل.
فمن هذا المنطلق يجب التفكير في اعداد برامج استثمارية نوعية سواء من قبل المؤسسات الاقتصادية الوطنية أو في اطار ترقية الصناعة المحلية. وسيشكل اعلام المواطنين وتربيتهم وتوعيتهم الدعامة الرئيسية لنجاح هذه العمليات.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 229
2 - تحقيق التكامل والانسجام بين الصناعة والقطاعات الاقتصادية الاخرى. 1.2 - الصناعة في خدمة الاقتصاد :
ان توطيد التكامل الاقتصادي في اطار تنمية شاملة متزنة، يرتكز على البحث المنهجي عن التكامل والانسجام بين الصناعة والقطاعات الاقتصادية الاخرى، لاسيما الفلاحة والرى والمنشآت الاساسية والاسكان والدفاع الوطني.
وبهذا الصدد، ينبغى أن تؤدى هذه القطاعات دورا رئيسيا وان تكون هى غاية التنمية ومحركها. وسوف تتطور الصناعة لتلبية حاجيات هذه القطاعات أساسا، مع العلم أن الاولويات سترتب حسب الحاجات المذكورة. وضمن هذا الاطار ستحظى اقامة صناعة للدفاع الوطني باهتمام خاص. 2.2 الصناعة في خدمة الفلاحة :
ان الفلاحة والصناعة تتكاملان وينبغى اعطاء الاولوية لهذا التكامل، لان تقويم المواد الاولية الزراعية يقتضى تنفيذ برنامج صناعي للتحويل الفلاحي والصناعي بالتنسيق الوثيق مع قطاعات الفلاحة والصيد البحرى والغابات.
واستخلاصا لنتائج التجربة المكتسبة فى هذا المجال، يتعين اخضاع المشاريع لمقتضيات الصرامة على مستوى استكمال تصميمها وانجازها | وتوفير شروط استغلالها.
كما ينبغى تشجيع اقامة المركبات الفلاحية الصناعية المتكاملة حتى يمكن الوصول الى التنسيق الوثيق بين أنشطة التجهيز في الوحدات التحويلية وبين توجهات الانتاج الفلاحي، والى تحسين النتائج الاجمالية عن طريق الاستعمال العقلاني للمنتوجات الفرعية. كما يتعين من جهة أخرى، ترقية العلاقات التعاقدية بين الفلاحة والصناعة من أجل ضمان تموين قار ومخطط لكل من هذين القطاعين وتحديد الاسعار طبقا لقواعد | | منطقية تصون مقتضيات التنمية الخاصة بكل نشاط.
ان مقتضيات التنمية الفلاحية تتطلب من الصناعة تزويد الفلاحة بالعتاد والمواد التي تمكنها من تحقيق مستويات جد مرتفعة في الانتاج والانتاجية. 3.2 - الصناعة والتهيئة العمرانية :
ان التركيز على المناطق الساحلية، وغيرها من المناطق الخصبة خلال العهد الاستعماري واهمال باقى البلاد قد تسببا في ظهور اختلالات لابد من ازالتها نهائيا.
ولهذا تسعى الجزائر المستقلة والاشتراكية الى استخدام موارد المناطق التي حبتها الطبيعة للنهوض بالمناطق المحرومة بغية بناء بلد متزن يشكل مجموعة صالحة ومتضامنة اقتصاديا.
وسينصب الجهد الوطنى على تمديد الصناعة الى الهضاب العليا والمناطق الجبلية والجنوب حتى تتحول الى أداة تتصدى لنزوح السكان نحو الحواضر، وتصبح عاملا يسهم في رقي المناطق الريفية ..
كما ستهدف المساعى، أساسا، الى اقامة عدد من الانشطة وتدعيمها بغية توجيه الاستثمارات الصناعية نحو المناطق الداخلية مع اعتبار المقتضيات الاستراتيجية للتهيئة العمرانية والمحافظة على الاراضى الفلاحية واعطاء الاولوية للموارد والثروات المحلية.
وفي هذا الاطار، فان اقامة هذه المجموعات الصناعية ينبغى أن تتم بكل عزم وحزم مع السهر على أن تكون بالخصوص ذات أحجام وتكنولوجيات تتلاءم مع خاصيات كل منطقة. ولذلك فانه من الضرورى تبنى مسعى جديد في مجال التصميم والاختيار الصناعي، يحافظ على متطلبات التكامل والمردودية الاقتصادية لتدعيم عملية تكثيف النسيج الصناعى وضمان التحكم في تطويره. 230 3 الجريدة الرسمية للجمهورية 3 تدعيم صناعة متنوعة وتطويرها :
ان ديناميكية التنمية والاهمية التي تضفيها على الحاجات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تقتضيان استثمارا صناعيا يتواصل ويتسع باستمرار.
و بما أن حاجات الاقتصاد الوطني لم تلب كلية وبصفة مرضية من طرف الانتاج الوطني، رغم المستوى الذي تتميز به الطاقة الانتاجية الصناعية المنجزة، فان انجاز الوحدات الصناعية فضلا عن كونه يشكل الوسيلة الأكثر فعالية لتعميم الرقى، يسمح بتعزيز المسار التنموى الحقيقى المستقل وعلى هذا الاساس ستتواصل برامج انجاز وحدات الصناعة والتحويل التي تشمل تشكيلة واسعة من المنتجات الصناعية المستعملة في الانشطة الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، ضمن الفروع الموجودة بهدف رفع قدرات الانتاج وتلبية الحاجات المتزايدة للبلاد. كما يتعين توسيع هذه البرامج للفروع الأخرى لمواجهة الحاجات الجديدة التي تنجم عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد.
ويتعين على المؤسسات الاقتصادية الوطنية أن تعمل على اقامة الخدمات الصناعية وتنشيط القدرت الوطنية وتطويرها، لان هذه الانشطة تشكل عاملا مشجعا على مشاركة متزايدة للجماعات المحلية والقطاع الوطني الخاص.
والى جانب البرنامج الواسع لانجاز الوحدات الجديدة، في معظم الفروع الصناعية، ينبغى توجيه اختيار الفروع والتقنيات نحو انجاز وحدات ذات احجام يمكن التحكم فيها.
ومن جهة أخرى فان التزايد السريع لليد العاملة يفرض على الاقتصاد الوطني احداث عدد متزايد من مناصب العمل، وعلى القطاع الصناعي أن يستمر في تقديم مساهمته الفعالة قصد تحقيق هدف التقدم والعدالة الاجتماعية.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وينبغي أن تقترن عملية احداث مناصب الشغل بتحسين الانتاجية. ذلك أن المحافظة على انتاجية مرتفعة هي وحدها الكفيلة بضمان التقدم مناصب المستمر، وتوفير ثروات جديدة تسمح بانشاء تشغيل جديدة.
ومن جهة أخرى فان احداث مناصب الشغل في القطاع الصناعي سيتجه بمزيد من الصرامة نحو المناصب المنتجة مباشرة، الأمر الذي سيحد من المناصب غير المنتجة بقدر الضرورة.
ان اتساع تشكيلة منتوجات الوحدات الصناعية قد بدأ يغطى احتياجات كبيرة، لاسيما فى مجال التغذية والالبسة والتربية والبناء.
ومع ذلك يتعين تدعيم شروط التراكم الضرورية وتحسينها لانتاج المواد الاستهلاكية العادية والضرورية مع السعى الى تنويع صنع تشكيلات جديدة من المنتجات تتكيف مع المقتضيات المتزايدة في مجال الاستهلاك الذي يتطور بسرعة من جراء حركية المداخيل والنمو الديمغرافي.
كما ينبغى أن تكون التنمية في هذه القطاعات شاملة وان تمتد تدريجيا الى كافة تشكيلات المنتجات بدءا بالمنتجات الغذائية الاساسية الى صناعات الالبسة وتجهيز السكن وتوفير حاجات العائلات، اضافة الى الترفيه والتثقيف مع التركيز على التحسين النوعى والكمى للمنتجات.
وينبغي تطبيق برامج نوعية تلبي حاجات الدفاع الوطنى والمخططات التحويلية في المجال الصناعي وكذلك اقامة برامج للتكييف والتحديث تستفيد منها مجموع الفروع الصناعية.
ان قيام صناعة تحويلية متنوعة يتطلب جهدا مدعما ودائما لتعبئة كافة القطاعات والموارد الوطنية. فالقطاع الوطني الخاص يتوفر على طاقات ادخار ومبادرة ينبغى ادراجها في عملية التخطيط والتنمية الوطنية.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 231 كما سيعزز تكثيف النسيج الصناعي بمساعدة الجماعات المحلية في انجاز الوحدات الصناعية الصغيرة والمتوسطة الحجم.
ترقية الصناعات التي تضمن بلوغ التقدم 4 - التكنولوجي :
ان اعداد المستقبل الصناعي للبلاد يتطلب تنفيذ عمليات ملائمة تستهدف التحكم في بعض الصنات كالاليكترونيك، والاعلام الآلى وتقنيات التبليغ والروبوتيك، والطيران والبيوتكنولوجيا.
وينبغى اقامة هذه العمليات بشكل تدريجي استجابة قبل كل شيء لتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة للبلاد مع الاسهام فى مجهود البحث العلمى وتحسين مستوى التأهيل. وفي هذا المجال، فان الاطارات الجزائرية، مدعوة الى تحمل مسؤولياتها كاملة لتطوير التكنولوجيا والتحكم فيها.
كما ينبغى أن تعتمد هذه العمليات على هياكل الانتاج والبحث العلمى. ويستطيع القطاع العام، عند الضرورة أن يستخدم صيغ مشاركة مع أطراف أجنبية قادرة على أن تضمن له اكتساب التكنولوجيات وتصدير منتوجاته. 5 ترقية الصناعة الصغيرة والمتوسطة وتنشيط الصناعات التقليدية :
ان المستوى الذي بلغه النمو الاقتصادي ومقتضيات التكامل تجعل الصناعة الصغيرة والمتوسطة تستقطب اليوم مزيدا من الاهتمام نظرا لمساهماتها المتعددة في الاقتصاد الوطني.
ويتمثل أحد الاهداف الرئيسية في المجهود التنموي للبلاد في تعبئة كل القدرات البشرية والمادية المتوفرة في اطار سياسة اللامركزية | وفي تشجيع روح المبادرة وتحرير كل الطاقات الخلاقة .
ان الصناعة الصغيرة والمتوسطة، بتعددها وتنوعها ومدى انتشارها عبر التراب الوطنى، تساهم في انجاز أهداف التهيئة العمرانية واضفاء القيمة على الموارد المحلية وتكثيف النسيج الصناعى واحداث مناصب الشغل وتعبئة الادخار الوطني وتلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.
ولتحقيق هذه الغايات يتعين أن يندرج نشاط الصناعة المذكورة في نشاط القطاعات الصناعية الاخرى ضمن مفهوم اندماجي متكامل ومتمم لها.
ويجب كذلك تقويم وتطوير القدرات التي تحتوى عليها الصناعة التقليدية في كل مجالات النشاط الوطني، وذلك بتشجيع المبادرات التي من شأنها أن تساهم في تنمية الاقتصاد، واشعاع الثقافة وازدهار المجتمع.
معنى ذلك أن العمل ينبغى أن يكون مستمرا الحماية قطاع الصناعة التقليدية وتنظيمه وتشجيعه .
ثالثا - مسار التنمية الصناعية :
ان الاختيار الاشتراكي يستلزم، ضمن الاهداف المسطرة للتصنيع البحث عن ترقية الانسان بتمكينه من الوصول الى كل ميادين التقدم.
وتعتبر التكنولوجيا وسيلة لتحسين انتاجية العمل اذ تجعل امكانات العلم في خدمة التقدم وترقية . الانسان.
ان اكتساب التكنولوجيا والتحكم فيها شرطان ضروريان للتنمية المستقلة والسريعة للبلاد.
ان التحكم فى التكنولوجيا لا يتحقق بصفة تلقائية أو آلية فهى ليست مجرد تقنية انتاج، بل مجموعة من المعارف النظرية والعملية لا تنقل نقلا بل تكتسب بالممارسة والتجربة.
ومن هنا، فان استيعابها وتكييفها لا يتمان الا من خلال هياكل استقبال مواتية وفي اطار سياسة بحث تنموى ملائمة. 232 الجريدة الرسمية للجمهورية رابعا - تعبئة وسائل التحكم في التكنولوجيا وتطويرها :
ان تصميم أي مشروع صناعي يتضمن تكاملا بين التحكم في التكنولوجيا والنتائج المرتقبة. وبما أن التقنيات غير محايدة، فانه تنجر عن الاختيارات التكنولوجية، علاقات تبعية ينبغى أخذها في الاعتبار لدى تطبيق أية سياسة تكاملية تستهدف تحصين الاقتصاد الوطني.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ان القدرات والتأهيلات في مجال الدراسات والانجاز، يمكن اكتسابها على أحسن وجه عندما يكون المرء طرفا معنيا في مراحل تصميم المشاريع الصناعية وانجازها. لهذا ينبغى الاستفادة من مردودية كل التجارب والمؤهلات المكتسبة في هذا المجال بغية انجاز مشاريع أخرى وتنميتها.
والى جانب تنمية الهندسة الوطنية التي ستمكن من التحكم التكنولوجى وبلوغ الابداعية وفي هذا النطاق لا بد من توسيع مشاركة | التقنية ينبغى الاهتمام خاصة بالصيغ التعاقدية المؤسسات الاقتصادية الوطنية في انجاز المشاريع الصناعية وضمان ترقية التجهيزات الصناعية المنتجة في الجزائر.
كما يتعين أن تنهض الجزائر حتما بالتقدم التكنولوجي انطلاقا من مواردها البشرية وامكانياتها الصناعية والعلمية.
انه لتحد ضخم ومتعدد الاوجه ذلك الذى تواجهه البلاد في هذا المجال بما يحتم العمل على خلق الظروف المواتية للتحكم التكنولوجى ثم احداث طاقة تكنولوجية وطنية ذاتية وترقيتها.
ان الامر يتعلق بتعميق تنظيم المؤسسات العلمية والتقنية قصد تشجيع التنافس وتنميته والحث على الابداع وعلى البحث، لاسيما | التطبيقي منه، وتحسين تداول المعلومات العلمية | والتقنية، وتطوير العلاقات بين الباحثين والجامعيين والمسيرين الاقتصاديين. • وينبغى تشكيل فرق من المهندسين والتقنيين والموظفين الاكفاء تسند لهم مسؤوليات متزايدة الاهمية في مجال الدراسات وانجاز المشاريع.
ان الاستثمارات الصناعية، باستثناء المعقد منها بسبب حجمها وطبيعتها، غالبا ما تتميز بتكرار العناصر والمجموعات الفرعية المتشابهة التي يمكن التكفل بها والتحكم فيها بواسطة الامكانيات الوطنية للدراسات والانجاز.
التي قد تبرم بين الاجهزة الاقتصادية الوطنية والاجانب بحيث تضمن أحسن استفادة ممكنة من التجارب الصناعية في العالم.
وعلى هذه الصيغ التعاقدية أن تجسد أساليب صارمة تلزم الشركات الاجنبية بقبول نقل فعلى لتكنولوجياتها ومهارتها الصناعية وباعطاء الطاقات الوطنية الاسبقية في مجالات الدراسة والاسناد والانجاز.
وعلاوة على ذلك، يتعين وضع الهياكل المناسبة لتوجيه الاختيارات التكنولوجية ومتابعتها ومراقبتها، وشروط العمل بها.
وفي اطار هذه الهياكل، يتعين، على سبيل المثال، تطوير أعمال ضبط المقاييس والاعلام الاقتصادى مما سيحقق الانسجام في عملية التنمية باضفاء العقلانية على مختلف جوانب الانتاج والمبادلات، لاسيما الجوانب التي تأخذ في الحسبان التكامل التقنى والمادى لمختلف الوحدات الاقتصادية. 1 التحكم في الصيانة :
لقد بذلت مجهودات جبارة في جميع الميادين لتزويد البلاد بتراث صناعي حديث غير أن نقص القدرات الوطنية فى ميدان الصيانة وضعفها يفرضان اللجوء المتكرر الى الخارج ويتسببان في مضاعفة التكاليف.
ومن ثمة، تعد الصيانة المكثفة للامكانيات الاقتصادية من الشروط الاساسية للتمكن من الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 233 الاستعمال الاكمل للقدرات الانتاجية ومن تفادى | أخطار تسرب الاستثمارات.
ومن ناحية أخرى، فان أسباب التقدم في الانتاج والانتاجية والاستعمال العقلاني المتزايد | للتجهيزات كلها مرهونة بالتحكم فى الصيانة التي تشكل بعدا أساسيا للتنمية والابداع والمهارة التكنولوجية الخلاقة.
والى جانب تنظيم الصيانة، ستهتم البرامج الاستثمارية الخاصة بانشاء ورشات لصنع قطع الغيار وتجديدها، مما يساعد على اقامة علاقات تكاملية في المجال الاقتصادي.
كما تنبغى الاستفادة من اللجوء الى الاجانب بخصوص أعمال الصيانة المعقدة، وذلك بواسطة صيغ ملائمة تسمح بتعجيل عملية التمهين والحد من التبعية .
ان تحسين الصيانة يقتضى، من جهة أخرى، تكوينا مهنيا دائما للعمال وتوعيتهم توعية مستمرة تجعل من الصيانة انشغالا أساسيا دائما. 2 توفير الشروط الضرورية لجعل الصناعة عدا قطاع المحروقات مصدرا دائما وصالحا للتراكم :
ان ضعف اقتصاديات العالم الثالث غالبا ما ينجم عن كون ايراداتها من العملة الصعبة تنتج عن بيع تشكيلة محدودة من المنتوجات المصدرة، تقتصر في معظم الحالات على منتجات ذات قيمة مضافة ضعيفة. ولقد ابرزت التجارب الاخيرة للازمة الاقتصادية العالمية مدى ضعف اقتصاديات البلدان النامية.
وفي الجزائر يرتكز تراكم وسائل الدفع الخارجى على منتوج المحروقات وحده، وبالاضافة الى ذلك، فان امكانياتها التصديرية لهذا المنتوج | تنخفض تدريجيا بسبب نفاد الحقول الموجودة وارتفاع الاستهلاك الوطني. ثم ان التقسيم الدولي للعمل أدى الى تدهور متزايد لعلاقات التبادل والى انخفاض في ايرادات العملة الصعبة.
وهكذا يصبح احداث الوسائل، وتوفين الشروط الكفيلة بخلق المداخيل، وتراكم موارد مالية مرتفعة من العملة الصعبة، هدفا رئيسيا ذا أولوية مطلقة باعتبار أنه يتعين على الجزائر أن تعتمد قبل كل شيء على نفسها لضمان ديمومة تنميتها .
ان اكتساب الفعالية فى أية صناعة يشكل مصدرا واسعا للتراكم، ولذلك ينبغي توفير كل الشروط الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. وعليه فان الامر يتعلق، قبل كل شيء، بتوفير الشروط التي تسمح بتحقيق فائض يخصص للتصدير، علاوة على سد الحاجات الاساسية للسوق الداخلية. ونظرا لهيمنة علاقات القوى على السوق الدولية، فانه يتعين على الصناعة الوطنية أن ترفع من مستوى منافستها. ولا يمكن تحقيق ذلك الا بالاستعمال الامثل لاداة الانتاج والتحكم فى تكاليفه وبصناعة منتجات تكون جودتها مطابقة للمقاييس الدولية.
الفصل الرابع التنمية الثقافية والاجتماعية أولا - الثقافة الوطنية : 1 -- 1 التراث التاريخي :
ان التاريخ هو ذاكرة الامة الجماعية. وهذا يجعل العناية به ضرورة ثورية تتصل اتصالا عميقا بالمسعى العام للثورة الجزائرية الذي ما فتىء يرمى الى تخليصه من مظاهر التشويه والتحريف والتزييف التي لحقت به على أيدى مؤرخي المدرسة الاستعمارية، الأمر الذى يتطلب تكثيف الجهود الرامية الى جمع كل التراث التاريخي الجزائري ونشره والتعريف بابطال الشعب ومشاهيره عبر التاريخ، وتخليد مآثرهم وكتابة سيرهم وتبليغها عبر وسائل الاعلام حتى تقتدي بهم الاجيال الصاعدة. 234 الجريدة الرسمية للجمهورية يجب أن تشمل العناية المنهجية كل حلقات التاريخ الجزائري البعيد منه والقريب، بحيث لا تهمل أية فترة من فتراته. لان مثل هذه العناية الشاملة تسمح باستجلاء مواطن العبر واستخلاص الدروس التي يهتدى الشعب بها في مواقفه الحالية والمقبلة.
على أنه من الضرورى اعطاء العهد الاستعمارى والمقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي اهتماما خاصا، لاسيما فترة ثورة الكفاح المسلح الذى فجر طاقات شعبية هائلة، وشهد بطولات وسجل تضحيات تشكل مجموعة ملاحم لا بد من ابرازها واستجلاء أبعادها لتسترشد بها الاجيال المقبلة، لان الارادة التي عبأت قوى الشعب في مرحلة الكفاح المسلح تظل قاعدة ضرورية لمعركة البناء.
ومن الواضح أن العناية بالتاريخ لا تعنى أن نبقى سجناء الماضي، ولا أن نقدسه تقديسا أعمى الى حد الخلط بين ايجابياته وسلبياته، فضلا على أن نجعل منه مراحل متضاربة نتبنى بعضها ونتنكر لبعضها الآخر.
2 - التراث الثقافي :
ان هذا التحليل يؤدى فى الواقع الى تناول التراث ككل، ذلك ان الشعب الجزائرى بمشاركته في الاحداث التاريخية الكبرى، وتفاعلاته مع مختلف تيارات المنطقة، قد أكتسب خبرة ووجدانا مشتركا يتجليان فى اسهاماته الفكرية وأشكال التعبير التي ابتكرها أو تبناها، ومن خلال اتصاله بالثقافات العالمية وتكييفه اياها حسب عبقريته الخاصة. وفي هذا السياق يجب أن تدرس مظاهر - الابداع عند المجتمع الجزائرى، سواء ما تعلق منها بالاسهامات الفكرية والعلمية والادبية أو بالمجال العمراني، أو الصناعة التقليدية، أو التنظيم الاجتماعي، أو مختلف أشكال التراث الشعبي التقليدي. وهذا يستوجب عناية خاصة بالفنون الشعبية التي تصور الماسي والاحداث العظمي التي عاشها شعبنا، وتشجيع الابحاث والدراسات التي تدور حولها.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه 3 العمل الثقافي :
اذا كان تحقيق اشتراكية وسائل الانتاج هو الشرط المسبق لاقامة المجتمع الاشتراكي فان اشتراكية وسائل الانتاج الثقافي هو أيضا شرط أساسي للرقي الثقافي، وهو يستلزم، حسب ما يقتضيه التصور العصرى للثقافة، توفير أجهزة ثقافية متنوعة تدعمها روح التجديد، ويعززها الحرص على خدمة الجماهيير الشعبية وفقا للوجهة التي يقتضيها التقدم على أن الفن والانتاج الثقافي لا يمكن أن يحققا الجودة المرجوة منهما الا اذا توفرت في الفنانين والمنتجين الثقافيين عموما المواهب الضرورية، وآمنوا برسالة فنهم في مجتمعهم، وبذلوا دوما قصارى جهدهم في الارتقاء الى المستوى المطلوب بالتكوين المستمر وتنمية هذه المواهب دون انقطاع.
وان ذلك يستلزم اتخاذ التدابير اللازمة لاكتشاف المواهب وتشجيع أصحابها على الانتاج والابداع.
وعلى الصحافة والاذاعة والتلفزة، ومؤسسات النشر والمتاحف ومدارس الموسيقى والسينما والمسرح والمراكز الثقافية ودور الشباب، الى جانب المكتبات العمومية المنتشرة في البلديات والاحياء والمزودة بالوسائل السمعية البصرية، أن تعمل على نشر ثقافة رفيعة مشوقة ، كفيلة بالاستجابة لحاجات المواطن ورفع مستواه الفكرى.
و ينبغي من جهة أخرى تكثيف الاهتمام بتحديد سياسة للكتاب تستجيب للحاجات المتزايدة والمتنوعة لدى الطلبة، ورجال الثقافة، والباحثين، والشبيبة المثقفة والعمال الذين هم في طريق التخصص ولدى القراء العاديين بصفة عامة، الذين ينبغى تشجيع حب القراءة وتنميته لديهم حتى يصبح تكاثرهم عاملا حضاريا يتأكد باستمرار.
وبما أن التنشيط الثقافي والتربوى، يولي القضايا الايديولوجية والجمالية والفنون الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 235 التكوينية مكانة كبرى، فيتعين أن يكون أحد الاهداف الرئيسية التى تتجند له وسائل الاعلام والثقافة. وينبغي تطوير النشاط الثقافي في اتجاه الشباب، خاصة عبر المنظومة التربوية، وتنويعه بتشجيع الابداع والانتاج، ومضاعفة المعارض والتظاهرات المفيدة، التي تعرف بالثقافات المعاصرة.
كما ينبغى اعطاء جمع الآثار المتعلقة بالثورة التحريرية وجردها وحمايتها عناية خاصة، لانها تشكل صلة هامة بين الاجيال الصاعدة، وتاريخها النضالي المجيد.
ان تنظيم العمل الثقافى، الذي يهدف الى ابراز المعالم التذكارية وتحديد المواقع التاريخية وتسجيل الآثار القديمة والتعريف بالتراث الثقافي للجزائر عموما، يتوقف على تنفيذ تخطيط يعد على أسس عقلانية وصارمة حتى يتحقق تطبيق السياسة الثقافية بصورة مرضية في مجال البحث والتكوين والانتاج فى الوقت الذى يتم فيه دعم الهياكل القاعدية الموجودة، وتطويرها، سعيا الى اقامة شبكة وطنية واسعة ومتنوعة من الانشطة الثقافية .
ثانيا - التربية والتكوين :
1 - الأهداف :
ان للتربية والتكوين دورا بالغ الاهمية في تطوير الشخصية الوطنية وفي اقامة مجتمع منسجم، يكون فيه المواطن متصلا بجذوره، متعلقا بأرض أجداده، أخذا بأسباب التقدم.
فالتربية هي المنشأ الذى لا بديل عنه لشحذ الاحساس لدى الانسان وتكوين المواطن، وتأصيل الشخصية، ونقطة الانطلاق لكل حياة فكرية خصبة.
وذلك يتطلب عناية دائمة بمنظومة التربية والتكوين والثقافة من أجل تحسينها في اطار مشروع واسع يربط التعليم والتكوين بالتنمية، لان التكفل بالمشاريع والمخططات المستقبلية يقوم، قبل كل شيىء، على هذا النظام، الذى يتوقف عليه | تكوين ما يلزم من مهارات، واعداد ما تتطلبه البلاد من كفاءات قادرة على التكيف مع التحديات التي تواجهها البلاد في المستقبل، وتوفير ما يلزم من شروط لتحقيق نهوض اقتصادي في ظل انسجام اجتماعي لا يتنكر للماضي، ولا يدير ظهره للتقدم.
على أنه يجب الحرص على تجنيب منظومة التربية والتكوين نوعين من الاخطار : -- خطر التكوين غير المتصل بالحياة العملية وما ينتج عنه من شهادات لا جدوى منها ولا يستطيع حاملها أن يجد منصبا له في سوق العمل.
- خطر التكوين الذى يرتكز فقط على تقدير ميكانيكي للحاجات دون ارتباط بالحقائق الاقتصادية للبلاد.
ان مختلف الانشطة التي تقوم بها الثورة لتنمية البلاد، كيفما كان تنوعها وبصرف النظر عن اختلاف طبيعتها التى تجعلها متمايزة في الظاهر، تحتفظ في واقع الامر بترابط وثيق فيما بينها.
واذا كان النظام المتعلق بالتربية والتكوين قد قطع شوطا كبيرا في توسعه وشموله لربع سكان البلاد، فانه اليوم مدعو أكثر من أي وقت مضى الى العناية بجانب المحتوى وخاصة المحتوى الايديولوجي. 2-2 منظومة التربية والتكوين :
تتميز منظومة التربية والتكوين باجبارية التعليم الاساسى وتعميمه على الاطفال البالغين سن الدراسة، وهذا بفضل المدرسة الاساسية التي أصبحت الاداة المفضلة لتوفير فرص التعليم لجميع الاطفال الجزائريين.
ولكي تتجاوب المنظومة التربوية مع أهداف الثورة يجب عليها أن تولي التكوين الايديولوجي والسياسي، والمدني والديني، والاخلاقي، في برامجها الاهمية التي تستحقها طبقا للاختيارات 236 الجريدة الرسمية للجمهورية الكبرى للتشييد الوطنى. الا أنه لا بد من ملاءمة التكوين السياسي مع الاختيارات الاساسية للثورة، واعداد برامج ملائمة في مختلف مراحل التربية والتعليم والتكوين. وتشكل هذه الجوانب من التعليم محاور هامة من شأنها ضمان تكوين الشباب تكوينا مطابقا للقيم الوطنية العربية الاسلامية بصورة تؤكد اختيارات البلاد الاساسية.
ان رصد مبالغ ضخمة لتكوين الانسان دون السعى، في نفس الوقت وفي موازاة مجهود التكوين الى توفير مناصب عمل في البلاد يعنى بالنسبة للجزائر، اما الحكم على نفسها بمواجهة أزمة اجتماعية واخلاقية حادة، واما قصر دورها على تزويد البلدان المتقدمة بالاطارات والعمال الاكفاء، فتصبح البلدان الاجنبية هي التي تقطف ثمار الموارد الطائلة التي ضحت بها الجزائر في سبيل تعليم شبابها وتكوينه.
من أجل هذا لا بد من مواصلة الجهود في طريق التخطيط الصارم للتكوين المدرسي والجامعي لكي يزول الاختلال بين القطاعات ويتحقق الوصول الى تناسب أكبر بين التكوين والشغل.
ولكي يتحقق تنظيم التوزيع بين مختلف هياكل التكوين وشعبه لا بد من وضع نظام ناجع للتوجيه المدرسي، والجامعي، والمهني، على أساس الاحتياجات المخططة، والمعايير الموضوعية، على أن يتم ذلك دون الاخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية، ومع استبعاد كل شكل من أشكال التمييز.
ان التنظيم الملائم لهياكل التربية والتكوين والتثقيف، والبحث العلمي، والتطبيق، يمثل ركيزة استراتيجية لسياسة النهوض العلمى، والتقدم التقني، والتحول النوعى لمنظومة التربية والتكوين بصورة موحدة، ومنسجمة، في جميع مكوناتها.
ان المدرسة الاساسية التي تمتد على تسع سنوات، تعتبر حجر الزاوية في بناء منظومة التربية والتكوين. كما أن ادراج التقنيات المتعددة الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه في هذا المستوى، يمثل العنصر الاساسي في تحديث التعليم الاساسي.
على أن هذا النظام يتطلب ضبط نوع من التعاون، تحدده نصوص ملائمة بين الاطراف الاجتماعية المعنية والمدرسة.
وينبغى أن يكون التعليم في المدرسة الاساسية منظما على نحو يهيء وييسر الانتقال الى الشعب التي تأتى فى مرحلة ما بعد المدرسة الاساسية.
والتعليم الثانوى العام والتقني نظام يأتي امتدادا للمدرسة الاساسية، وممر اجباري نحو التعليم العالى من جهة، ونحو الشغل من جهة أخرى. وينبغي أن يكون منسجما ومتبلورا في مجمو. وعة متناسقة تتحدد فيه الفروع وفقا لطبيعة الشروط الاقتصادية، واحتياجات المجتمع المخططة. ويعتبر هذا التعليم معبرا حقيقيا مفتوحا على دنيا العمل.
وقد تميز هذا التعليم دائما ببنياته المختلة على حساب التعليم التقنى. ولذا ينبغى القضاء على هذا الاختلال البنيوي في أقرب الآجال وتوجيه التعليم التقنى ليصبح أكثر اتساعا وأحسن نوعية حتى يرضى تطلعات التلاميذ وآبائهم وتزول تلك النظرة التحقيرية اليه.
وينبغي علاوة على ذلك، ان يمنح توسيع هياكل التكوين المهني والتمهين الاولوية حتى يصحح الاختلال الراهن، ويستجيب التكوين المهني لاحتياجات الطلب الاجتماعي خاصة بالنسبة للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 18 سنة.
وبذلك يتم تقليص نسبة التسرب المدرسي، ويمكن القول إن النجاح في هذا الميدان مرهون بتجنيد الطاقات المتوفرة ورفع مودوديتها.
ومن هنا يجب أن يتكفل التمهين والتكوين في المؤسسة الاقتصادية، باعتبارهما المجالين اللذين يتطلبان من الهياكل المعنية التزاما أكبر، بجزء معتبر من الاهداف التي تطمح الثورة الى تحقيقها.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 237 كما يجب تطوير الهياكل الجامعية لتلبية أهداف التنمية طبقا للمخططات المرسومة وبتنسيق مع القطاعات الاقتصادية ان اقامة معاهد جامعية متخصصة وتوزيعها عبر التراب الوطني حتى تتعدد مراكز الاشعاع والتثقيف فضلا على مراعاة امكانيات الجهات فيما يتعلق بالتكوين العلمى والتقنى، يساعدان على صهر الشباب الجامعي الوافد من جهات مختلفة في بوتقة واحدة والقضاء على مخلفات العقلية الضيقة.
ان نجاح مجموع برامج التنمية يتوقف في الاساس، على تحسين منظومة الترابية والتكوين ورفع مستواها وامكانياتها كما وكيفا وتنظيما.
وفعلا فان أغلبية الاهداف المسطرة تستلزم مستوى عاليا من التأهيل فى جميع الميادين. ويجب في المستقبل مواجهة القضايا المتعلقة بتحسين نوعية التعليم بكل ما يلزم من تصميم وصرامة وتفتح فكر. ذلك أن متطلبات المرحلة الراهنة تفرض أن تعطى النوعية اليوم اهتماما أكبر. فقد ولي العهد الذي كان يستلزم ، لاسباب موضوعية أخذ مسألة الكم بعين الاعتبار.
كما يجب في هذا الميدان تعبئة المهارات العلمية، وقدرات التفكير والتصور والتحليل للمناهج ومحتوى التعليم الاكثر ادراكا لقضايا المستقبل.
وانطلاقا من هذا الاساس فان تحسين تأهيل التأطير وتحسين الشروط المادية لتسيير جهاز التربية والتكوين، لا يمكنان من رفع المردودية الاقتصادية للوسائل الضخمة التي جندتها المنظومة التربوية فقط، بل يسمحان أيضا بالوفاء للعهد الذي قطعه جيل نوفمبر، الا وهو تسليح الشباب | بالمعارف العلمية والثقافية الكافية التى تجعله قادرا على مسك زمام مصيره ومواجهة القرن الواحد والعشرين في أحسن الظروف.
ويجب، من جهة أخرى، أن ينصب هذا المجهود على تكوين المكونين وبالقضاء على أوجه النقص المسجل في الميادين العلمية والتقنية بالتأكيد على نوعية التكوين. كما يجب أن تتخذ الاجراءات اللازمة الكفيلة باشراك التقنيين والاختصاصيين العاملين في قطاع الانتاج في عملية التكوين كلما دعت الضرورة الى ذلك.
وينبغى دعم عملية تجديد المعلومات وتطبيقها بصورة كاملة تسمح للاطارات بتحديث معارفهم وتحسين تكوينهم.
ويتعين أيضا مواصلة السياسة الهادفة الى جزارة الوسائل البيداغوجية بالتصميم والترجمة والتأليف واحداث صناعة للكتاب تلبى الاحتياجات المتزايدة لمجموع مراحل التعليم. كما يجب بذل جهد خاص في اتجاه تحديث المناهج البيدوغوجية بواسطة اللجوء الى تقنيات التمهين الحديثة ولاسيما الوسائل السمعية البصرية. 3 التعليم التحضيرى للمدرسة - التكوين المستمر ومحو الامية :
ان تطبيق سياسة التكفل بالاطفال في نظام للتعليم التحضيرى للمدرسة حتى سن الست سنوات، هي من طموحات الجماهير الشعبية. غير أن امكانيات الدولة لا تكفى وحدها لتنفيذ مثل هذا المشروع الطموح اذا لم ترافقها جهود مشتركة بين الاسرة والمصالح الاجتماعية والمؤسسات العمومية. وعليه، ينبغي أن تتضافر جهود كل الاطراف المذكورة من أجل العمل على وضع سياسة تحقق التكفل بالاطفال في هذه السن حتى لا يلقى كل العبء على الدولة وحدها.
وتحقيقا لهدف ترقية الانسان، ينبغي أن يتم ضمن كل مؤسسة اقتصادية واجتماعية أو ثقافية تطبيق سياسة ترقية داخلية منظمة وشاملة تفتح آفاقا واسعة للعمال الراغبين في رفع مستوى معارفهم، وتحسين مؤهلاتهم المهنية، واكتساب الشهادات اللازمة لارتقائهم في سلم مناصب العمل في المؤسسة. ذلك أن الترقية الداخلية تشكل محورا هاما في تطبيق سياسة تكوين شاملة تخدم 238 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجماهير، وتمثل عنصرا جد ايجابي في محاربة | الامية. ويمكن أن يعتمد في ذلك على مساعدة | الجامعة ومعاهد التكوين الموجودة في البلاد.
ان القاعدة الاساسية للتحول الثقافي في أي بلد تتمثل في مكافحة الامية وتعميم التعليم.
ان محو الامية التي هي من مخلفات الاستعمار علاقات مكثفة ودائمة بين التكوين العالي والبحث التطبيقي والاستثمار والانتاج في مجموع قطاعات النشاط لانه لا فائدة ترجى من بحث علمى يعيش في بروج عاجية.
وعلى الجامعة الجزائرية ومؤسسات التكوين العالي أن تجعل من مساهمتها الواسعة في البحث يجب أن يشمل كل المواطنين المعنيين رجالا العلمى جسرا متينا يربطها بعملية التنمية الوطنية ونساء، ويساهم في تعميم استعمال اللغة الوطنية.
وفي هذا الاطار ينبغى أن تتكفل هياكل التربية والتكوين بالانشغالات المتعلقة بمحو الامية، وتلبية رغبات الترقية التي يعبر عنها المواطنون الذين لا يترددون على المدارس وذلك بغية احداث نظام كامل يضمن الترقية المستمرة للكبار. ويتعين ادراج هذا المسعى في مخططات التنمية. كما يجب أن تساهم وسائل الاعلام الوطنية في عملية محو الامية والتكوين المستمر، وتقوم الهياكل المعنية للدولة باعداد برامج متدرجة وايجاد السبل والمناهج الملائمة، وتكوين المعلمين والمنشطين الذين يتكفلون بمحو الامية.
كما يتعين تنظيم التطوع، وتأطيره، وتوجيهه، تنظيما يسهم اسهاما فعالا في هذا النشاط.
وزيادة على ذلك، ينبغى السهر على الاستعمال الامثل للمنشآت الاساسية المدرسية والتكوينية باتصال مع الجماعات المحلية، والوحدات الاقتصادية، والمنظمات الجماهيرية، وذلك من أجل تطوير التكوين المستمر، وتحسين مؤهلات الشباب والعمال والتنظيم الناجح لمحو الامية.
4 - البحث العلمي :
يتم تطوير البحث العلمى والتقنى، الذى قطع منذ نشوئه خطوات لا يستهان بها، على ضوء تطور سلك الاساتذة الجامعيين، وجزارته، وتقدم عملية تأطير فروع نشاطات البلاد في مجموعها عن طريق تخطيط محكم يندرج ضمن انشغالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعبر تنظيم | عن طريق ايجاد الحلول العلمية الملائمة للمشاكل التي تعترضها.
ويجب أن يرتكز البحث العلمي والتقني في تطوره خاصة على الاهداف التالية :
- تطوير القاعدة البشرية.
- التقويم المستمر لرأس المال العلمي والتكنولوجي المكتسب.
تعميم الثقافة العلمية والتقنية، لاسيما بتدعيم تعليم المواد العلمية في كل مستويات المنظومة التربوية.
التحكم فى الاعلام العلمي والتقني بمختلف أشكاله .
دعم التشاور وتعميمه بين مؤسسات البحث العلمي والتقني وهياكل الانتاج قصد التكفل على الخصوص، بالمشاكل الملموسة، التي تواجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الاهتمام بميدان العلوم الانسانية نظرا لما يمكن أن تقدمه من حلول لكثير من القضايا الاجتماعية.
ان ترقية البحث العلمى وتطويره، على أساس مراعاته للمشاكل الموضوعية، التي تعترض البلاد، تساهم مساهمة فعالة في توسيع قدرة البلاد التكنولوجية وتعزيزها، وتخفف من تبعيتها للخارج في هذا الميدان.
فبناء نظام وطني للبحث العلمي والتقني الموجه والهادف، هو بمثابة استثمار طويل المدى وأداة تتحكم بها البلاد في مستقبلها.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 239 كما أن بروز مجموعة علمية ديناميكية تتوسع باستمرار يضمن للبلاد اعداد المستقبل ويمكنها من أن تصبح عضوا عاملا ونشيطا في المجموعة الدولية.
وعليه، لابد من العناية الكاملة بالباحثين والتكفل بتوفير احتياجاتهم حتى يتمكنوا من ممارسة أعمالهم في أحسن الظروف.
ثالثا - الاعلام :
ان الاعلام قطاع استراتيجي يتصل اتصالا وثيقا بالسيادة الوطنية، فهو يتجاوز مجرد سرد الوقائع وملاحقة الاخبار وتغطية الاحداث الوطنية والدولية، ليؤدى دورا أساسيا في معركة التنمية الوطنية، والدفاع عن الثورة، وتحقيق التعبئة وشحذ اليقظة، وتعميق الوعى فالاعلام بهذا المفهوم، أصبح أداة رئيسية فى تشكيل المحيط واعداد النظرة الى الاشياء، وصياغة المفاهيم والتصورات، كما أصبح من مستلزمات النشاط السياسي والايديولوجى والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي. اذن فهو وسيلة أساسية من وسائل الثورة، يعبر عن أهدافها، ويعمل على تعميقها، ويدافع عنها في الداخل، ويتصدى للذود عنها والتعريف بمنجزاتها في الخارج.
ولقد تعاظمت أهميته بفعل ما تتمتع به وسائله من قوة ايحاء وجاذبية، وخاصة منها الوسائل السمعية البصرية التي أصبحت تحتل مكانة مرموقة فى حياة المواطنين. فالامر يتعلق هنا بظاهرة اجتماعية جديدة ذات أهمية بالغة، سواء بالنسبة للآفاق الجديدة التي تفتحها أو للآثار العديدة التي تترتب عليها.
ومن هنا فان الجهود المبذولة فى هذا الميدان التي استهدفت النهوض بهذا القطاع خاصة فيما يتعلق بتوسيع شبكة البث الاذاعى والارسال التليفيزيوني وتقويتها، بغية تطويرها والزيادة في فعاليتها بما يتماشى والمتطلبات الاعلامية العصرية، ينبغى أن تتواصل الامكانيات مع تعبئة كل الطاقات التي تمكن الاعلام الوطني من أداء رسالته الكاملة لتدعيم الثورة والدفاع عنها، حتى يكون قادرا على التصدى للغزو الثقافي والاعلامي ومواجهة التحديات.
ان الثورة العلمية والتكنولوجية التي أثرت في وسائل الاتصال الجماهيري، قد أحدثت تأثيرا عميقا في قطاع الاعلام، وغيرت كليا الاشكالية القديمة فى هذا الشأن. فعدم التوازن الموجود على المستوى العالمي قد ازدادت حدثه لذلك، وأصبحت أغلب دول العالم الثالث تعيش أوضاعا خطيرة من التبعية تشكل تهديدا خطير!
لسيادتها.
ان كل هذه الاعتبارات قد أدت الى بروز مشاكل الاعلام، وجعلتها في مقدمة الانشغالات الكبرى للبلاد، وبناء على ذلك وتماشيا مع خط التقاليد المكتسبة أثناء الكفاح المسلح، يجب أن يؤدى الاعلام دورا هاما في المرحلة الحالية للتشييد الوطنى بوصفه وسيلة مثلى لنشر ايديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني، ولربط علاقات وطيدة بين القيادة السياسية للبلاد والجماهين الشعبية.
وينبغي أن يستجيب الاعلام لحق أساسي من حقوق المواطن، وهو حقه في اعلام موضوعي كامل. ولا شك أن تجسيد هذا الحق يتطلب توفير كل وسائل الاعلام، وجعلها في متناول جميع الفئات الاجتماعية، وتعميمها على جميع مناطق البلاد.
ومن جهة أخرى، فان الدفاع عن مصالح الثورة، والتعريف بانجازاتها ومكتسباتها، والتصدى لمحاولات تشويهها، تتطلب كلها اعلاما مسؤولا في الداخل، وحضورا اعلاميا ملائما في الخارج.
ولكن هذا الدور مرهون بالتزام العاملين في حقل الاعلام بايديولوجية الثورة ووعيهم الكامل لمبادئها وأهدافها واختياراتها الاساسية المتصلة بخدمة الجماهير الشعبية. 240 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وهناك وظائف أخرى يتعين على الاعلام أن ويتكفل بها، زيادة على تلك المهام الحيوية. ذلك أن الاثر البالغ الذي تحدثه الوسائل التي يستعملها، يجعل وسيلة لا نظير لها في ميادين التربية، والتكوين، والتنشيط الثقافي، وتربية الذوق الجمالي، والفنون، وتنظيم مجالات تسلية سليمة ونافعة وجذابة بالنسبة الى غالبية المواطنين.
كما أن وجود اعلام مسؤول من شأنه أن يساهم أيضا في دعم ممارسة الرقابة بكشف الاخطاء، والمواقف السلبية والتجاوزات، والاهمال والتبذير، وكل أشكال الانحراف.
ومن البديهى أن هذه الاهداف لا يمكن تحقيقها الا عبر اعلام وطنى قوى، وجيد التنظيم، مسؤول وملتزم، يتمتع بالمصداقية، ويستجيب للحاجات المتنوعة والعديدة للجماهير، ويعبر عن طموحاتها بهذا فقط يمكن الاعلام أن يحظى بثقة الرأى العام، ويؤدى مهامه على أحسن وجه.
ان التكفل بتحسين نوعية الانتاج في هذا المجال، وضمان الاستجابة لمطالب مواطنين أصبحت احتياجاتهم الاعلامية أكثر تشددا وتنوعا بفعل ارتفاع مستوى التعليم، والقيام باسهام فعال في تطوير الثقافة ودعم الهوية الجماعية، هي التي تمكن الاعلام من استقطاب جمهور واسع ومن تنمية قدراته النقدية، وتعزيز صموده، وتصديه لغزو الوسائل الاعلامية الاجنبية.
ان الجزائر، في الوقت الذي تكافح فيه داخل المحافل الدولية، من أجل اقامة نظام اعلامي دولى جديد وعادل، تعتبر أن بذل جهود معتبرة لتحسين قدراتها الخاصة هو وحده الكفيل بمواجهة التغلغل الاجنبي في هذا المجال للحد من آثاره السلبية.
غير أن هذا المسعى لا يتنافى مع قيام تعاون مفيد | وتبادل منظم بين كل الاطراف. ذلك أن الاعلام بكل دعائمه يشكل وسائل لا تعوض لنشر المعرفة | والتفهم والتعاون بين الشعوب وترقية ثقافاتها.
و بالرغم من النجاح المسجل يبقى علينا بذل مجهودات أخرى نظرا لما يتطلبه هذا القطاع، وللسياق الوطني والدولي الذي يتحكم في تطوره.
ذلك أن الامر يتعلق قبل كل شيء باعطاء تجهيز مختلف الوسائل الاعلامية والهياكل الضرورية | أهمية خاصة لتحسين الانتاج، وتوزيع الصحافة الوطنية، والوسائل السمعية البصرية، والاذاعة عبر مجموع التراب الوطني. وينبغي القيام بعمل ضرورى للتقدم في هذا المجال، سواء من حيث التخطيط أو التنظيم أو التنسيق بين القطاعات وخاصة في مجال الاختيار التكنولوجي والمنشآت.
ان التقدم التكنولوجي الكبير في مجال الاعلام والاتصال يجعل من الضرورى تطبيق برنامج تكوين يهدف الى رفع مستوى كفاءة العاملين في الاعلام، وضمان التحكم في التقنيات الجديدة.
رابعا العمل والتشغيل والأجور : 1 العمل والتشغيل :
ان العمل، باعتباره المصدر الرئيسي لكل تقدم اقتصادي و اجتماعي، والعنصر الاساسي للتراكم، ليس حقا فحسب، بل هو أيضا واجب وشرف وميزة اخلاقية تساهم في تكوين شخصية الانسان، وتحفظ كرامته.
المواطن ان رقى البلاد، وتقدمها الاقتصادي، وترقية ، ترتبط كلها، بالعمل لكونه الوسلية الوحيدة الكفيلة بضمان تحقيق الاهداف المسطرة في مخططات التنمية.
وبما أن المجتمع الاشتراكي يقوم على أساس العمل والكرامة، فانه يقضى جذريا على التطفل والفراغ اللذين يجعلان الانسان عالة على الامة ولا يضمن الحق في العمل لكل الجزائريين فحسب، بل يسعى أيضا ليصبح كل مواطن في المستقبل مدركا أن العمل فرض عليه لتشييد البلاد وضمان الانتاج وان وجود مواطن قادر على الشغل وعاطل عن أي نشاط يعد خسارة للاقتصاد الوطني.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 241 ولهذا يظل احداث مناصب العمل هدفا أساسيا للثورة حتى يمكن تشغيل جميع المواطنين القادرين على العمل.
ان التشغيل المكثف لكل المواطنين العاملين يطرح قضية تشغيل المرأة. واذا كانت النساء يشكلن نصف عدد المواطنين القادرين على العمل فان بقاء المرأة خارج حقل الانتاج يعني ضعفا في الاقتصاد الوطني، وتأخرا فى التطور الاجتماعي وتثبيتا للفكر المتخلف.
ورغم أن البحث عن التشغيل الكامل يعنى انتهاج سياسة متواصلة لاحداث مناصب العمل وتكوين العمال، فان المطلوب ليس توفير العمل للافواج الجديدة مع العمال توفيرا يتطابق مع النمو الديموغرافى، ولا تأهيلهم للقيام بمهامهم في الانتاج فحسب، بل المطلوب كذلك هو الاستجابة لمقتضيات الانتاجية التي يؤدي ارتفاعها الى توفير فائض من قوى العمل يجب أن يعاد تشغيله بكيفية أنجع. وبالفعل فان الهدف هو توفير مناصب عمل منتجة تفيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية فائدة ملموسة، ذلك أن الامر لا يتعلق باحداث مناصب عمل لمجرد التشغيل، لان مناصب العمل غير المنتجة لا تصلح في أي نظام في العالم، و بالاحرى فى بلادنا المتأثرة بارتفاع التكاليف الاجتماعية.
واذا كانت ديناميكية التشغيل في المستقبل تتوقف أساسا على التوسع المنتظم في القاعدة المادية للاقتصاد وعلى فعاليته العامة، مع اعتبار ضرورة امتصاص سوء التشغيل والقضاء على البطالة، | التعجيل بتجهيز المنظومة التربوية والتكوينية بما | يلزم من وسائل وكفاءات حتى يمكنها أن تحقق، رغم ضخامة المطلب وتعقده، التحسين السريع للتأهيل والتأطير في كل مستويات هذا الجهاز الاقتصادي والاجتماعي، وتسهل مهمة تكيف العامل مع الشغل الذي يمارسه.
ان نمو البلاد يؤدى فى هذا السياق الى ظهور نمط جديد للشغل يتطلب معرفة تقنية وفكرية تسمح باحداث مناصب مناسبة للاجيال التي نشأت بعد تعليم وتكوين الاستقلال ، . فانها ونظرا لا لما تستطيع تلقته هذه الاجيال من أن تكتفى بأشغال تقليدية فقط، بل تشترط أنواعا من العمل أحسن اعدادا تتوفر خاصة في قطاعات الانتاج الصناعي وفى الانماط الحديثة للفلاحة، وفي الخدمات التابعة لهذه وتلك. على أن هذه الديناميكية تتطلب أيضا احكام استعمال أداة الانتاج وضمان مردوده، عن طريق اعتماد الشغل المنتج وتنميته كما وتقليص تتطلب أن يتم المناصب غير في ضوء المنتجة الى التجربة حدها الأدنى.
التي عاشتها البلاد، تحديد الاختيارات في مستوى الحصول على أحسن نسبة من الشغل والقضاء على العوائق التي تعترض صلاحية وحدة الانتاج وتطويرها. وعليه يجب المادى ضمان للتشغيل نسب هامة منطقة لتقليص تكاليف النقل من إلى أخرى وضمان الترقية للشغل الأكثر تأهيلا بفضل التكوين المكمل الذى يتلقاه العامل خلال قيامه بعمله.
وعلاوة على ذلك، فان التنمية تختلف حتما من جهة الى أخرى، ولهذا تتطلب تنقل الاطارات والعمال المؤهلين من الجهات التي فيها فائض في فانها لا يمكن أن تتحقق على حساب الفعالية | التشغيل الى الجهات التي تعاني عجزا في هذا الاقتصادية والاجتماعية أو حسب شروط تؤدى الى رهن المستقبل.
وبما ان هذه الديناميكية مرتبطة بنجاح سياسة التكوين، وتحديد التأطير وتوزيعه، وتطوير التنظيم، وتحسين التحكم والزيادة المستمرة في نتائج الجهاز الاقتصادي والاجتماعي، فانها تفرض الميدان. ويمكن أن تكون هذه الحركة المهنية والجغرافية مصدر حيوية للاقتصاد الوطني، لذلك يعد التحكم فيها عاملا قويا من عوامل ترقية الفرد ورفع مردودية الجهاز الانتاجي.
ان الفلاحة تشكل جزءا من القطاع الانتاجي الذي يشغل قسما كبيرا من المواطنين، ولهذا 242 الجريدة الرسمية للجمهورية ينبغي أن تعبأ الوسائل الضرورية من أجل اعادة الاعتبار للعمل الفلاحي وتهيئة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن من المحافظة على تمركز اليد العاملة المؤهلة فى الارياف لفائدة الانشطة الزراعية، وتساعد على التحكم في الهجرة من الريف الى المدينة حتى يتقلص سوء التشغيل الى حده الادنى.
ومن ناحية أخرى، فان السهر الدائم على توزيع الشغل وضبط هياكله سيسمح بتحقيق نوع من التوازن على الصعيدين الجهوى والمحلى بين مختلف فئات الشغل الفلاحي والصناعي والخدمات ويضمن التجانس الاجتماعي المنشود عبر مجموع التراب الوطني.
وهكذا، فان اقامة شبكة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة حول مراكز حضرية صغيرة تشجع انتشار الشغل على نطاق واسع يمتص فائض اليد العاملة.
وهناك محرك آخر هام يسهم في مجهود احداث مناصب العمل، ويشارك تبعا لذلك في اعادة توازن التوزيع السكاني، ويتمثل هذا المحرك في انجاز مجموعات صناعية كبرى في الهضاب العليا.
كما يسهم تشجيع الصناعة التقليدية بمختلف أشكالها في احداث مناصب عمل. وبالاضافة الى ذلك، فان تنمية الصناعة الصغيرة والمتوسطة العامة منها والخاصة، علاوة على تأثيرها في تقويم الموارد المحلية والاندماج الصناعي والتوازن الجهوى، ستحظى بالدعم لتوفر مناصب عمل جديدة بأقل التكاليف.
ان القضاء على الفوارق الجهورية يتطلب تحسين هياكل الشغل الجهوى تجنبا لانقسام الوطن الى جهات تتوفر على يد عاملة مؤهلة ذات تقنيات عالية، وجهات أخرى لا تملك الا يدا عاملة بسيطة .
وبما أن عمل المرأة أصبح اليوم حقيقة ملموسة، فيجب أن يقترن بقواعد صارمة تخصص الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه لضمان حماية الامومة، وتماسك الاسرة وضبط التكيف اللازم للاعمال التي تمارسها المرأة، وايجاد الظروف الضرورية لتوسيع مجال أعمالها. غير أن ادخال المرأة الجزائرية في حقول الانتاج يجب أن تراعي فيه الاحوال المترتبة على دورها اما زوجة، حرصا على صيانة الاسرة ودعمها لكونها الخلية الاساسية التي تنبني عليها الامة.
2 - الأجور :
ان سياسة الاجور في اقتصاد اشتراكي المنهج يجب، لكي تتسم بالعدل والفعالية، أن تكون مستمدة من المبادى التالية :
- التساوى في العمل يستلزم التساوي في الاجر»،
- كل حسب مقدرته ولكل حسب عمله.
ان انسجام الاجور ينبغي أن يرتكز خاصة على مواصلة التصنيف الوطني الشامل لمناصب العمل، بعيدا عن كل جمود بيروقراطي، حتى يمكن تطبيق المبدأ القاضى بتساوى الاجر عند تساوى العمل.
وترتكز سياسة الاجور على مبدأ الحد الادنى للاجر المضمون يراعى في تحديده كلفة المعيشة وتطور الانتاج الوطني، وعلى مكافأة اضافية تتطور نسبتها تبعا لانتاجية العمل ونتائج المؤسسة.
يجب أن يكافأ العامل حسب حجم العمل الذي يقوم به وتبعا لنوعيته، وهذا ما يسمح بمكافأة الجهد وحفز المبادرة وتشجيع الانتاج. فليس الاجن والمزايا المرتبطة به سوى مقابل للقيمة التي تترتب على العمل.
اذن، يجب دفع الأجر للعامل في جميع الانشطة حسب ما يقوم به فعلا بناء على تقدير دقيق وواضح للعمل والتأهيل، ذلك ان الاشتراكية ترفض التساوى الشكلى البسيط الذي لا يأخذ بعين الاعتبار الكفاءة الشخصية والمهارة الفردية، لانه تشجيع على الخمول والكسل.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 243 وفعلا، فليس هناك ما يدفع الى الكسل ويقتل الابداع مثل التساوى الابله ، والثراء الذى ليس له | مقابل انتاجى فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية للامة .
ان الاعتبارات الاجتماعية التي تلبي بعض الاحتياجات دون مقابل انتاجي لا يمكن احترامها وتأمينها الا من خلال انتاج ينمو كما وكيفا، لانه لا توجد أية معجزة تسمح بتوزيع ما لم يتم انتاجه بعد.
ان ربح معركة الانتاج، وضمان رفع مستوى الانتاجية، وتوسيع مكاسب الثورة وتعميقها، تتطلب كلها احداث حوافز مادية ومعنوية ترتبط بمقاييس عملية ثابتة، تعزز التعبئة الشاملة للعمال وتضاعف الجهود التي يبذلونها في التنمية، كما تشكل في الوقت نفسه وسيلة لتوزيع الدخل الوطني توزيعا عادلا.
وتستهدف العملية الجارية لتمكين سياسة الجباية من توزيع أحسن للدخل، تعديل الجباية على أساس ضبط محكم للدخل غير الأجر حتى يحقق فعالية أكبر في عملية تحصيل الضرائب ومكافحة التهرب من دفعها.
ومن الواضح أن المصالح الادارية مدعوة فى قيامها بهذه المهمة الى الحرص على عدم جعل سياسة الجباية وسيلة بيروقراطية لتحصيل الضرائب بكيفية تقضى على مصادرها ، وتؤدى الى الغاء الهدف المراد تحقيقه منها. لكن يتعين على دافعي الضرائب | في مقابل ذلك أن ينظروا الى السياسة الجبائية على أنها وسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي، وأن يعتبروها واجبا يؤدونه نحو مجتمعهم ودولتهم التي تقدم لهم خدمات كثيرة لولاها لما حققوا ما حققوه من ثروات وأموال.
خامسا - سياسة الأسرة والنمو الديموغرافي :
تمثل الاسرة، بالنسبة الى الاطفال، المدرسة الاولى التي تعدهم للاندماج في المجتمع. ولهذا ينبغى أن تكون حماية الام والطفل مضمونة في اطار السياسة الصحية الشاملة للوصول بالاسرة الى توازن يتماشى والنمو الديموغرافي الكفيل بالتحسين المنتظم لمستوى المعيشة..
ويتضح في هذا المضمار أن معدل النمو الديموغرافي الحالي يعرقل كل امكانيات التحسين الكمي المطلوب، اذ يجعل مشكلة توفر الحاجات الحالية والمستقبلية أكثر تعقيدا، ويحول دون التحسين النوعى الذى يعد مفتاح التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
ان عدم التحكم في هذا النمو الديموغرافي المفرط، عامل ضغط قوى يساعد على دعم تيار نزوح السكان، ويزيد في الاختلالات الجهوية ويضاعف الطلب الاجتماعي، ويؤدى الى رهن التنمية، واعادة النظر فى المجهودات التي تبذل من أجل رفع مستوى المعيشة وتحسين اطار الحياة.
لذلك يجب أن تتضافر الجهود الفردية والجهود الجماعية لحل هذه المشكلة. واذا كانت الدولة والجماعات المحلية مسؤولة في هذا الميدان، فان المواطن يتحمل هو الآخر نصيبا من هذه المسؤولية ولهذا يجب عليه أن يتحمل قسطه من الاعباء التي تفرضها هذه الوضعية.
وبما أن التحكم فى النمو الديموغرافي لا تظهر نتائجه الا على المدى البعيد، فالمشكلة اليوم مطروحة، وتستلزم التعجيل بايجاد الحلول الملائمة لها لكى لا تبقى عبئا ثقيلا يرهق الاجيال القادمة.
ان التوازن الديموغرافي الاختياري مطلب حتمى لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي للامة.
لهذا يجب الالحاح على ضرورة اعتماد سياسة للاسرة تتحدد في اطار القيم الوطنية، وتجسدها برامج عمل مناسبة تستهدف تخطيط النمو الديموغرافي. 244 الجريدة الرسمية للجمهورية ويجب أن تحمل هذه السياسة الاسرة مسؤولية متنامية تجاه المجتمع تقوم على احترام أكبر للام والطفل، وعلى مشاركة كاملة وواعية وارادية للجميع، حتى يساهموا في تحقيق التناسق بين الزيادة الديمغرافية والنسبة المتزايدة للتطور المتوخى.
لكن تطبيق هذه السياسة يتطلب توفير الوسائل البشرية والمادية والمالية الضرورية لانجاز البرنامج الوطني الخاص بتنظيم الولادات، في اطار حماية الام والطفل معا.
ومن الضرورى أيضا تجنيد وسائل الاعلام والمؤسسات الثقافية المختصة، والمساجد والمنظمات الجماهيرية، والاتحادات المهنية، والعلمية، والثقافية، للقيام بالتوعية المستمرة لقضايا الاسرة وأهمية رسالتها في بناء مجتمع متطور داخل بلد مزدهر.
سادسا - الحماية الاجتماعية :
ان الحماية الاجتماعية للمواطنين مكسب من مكاسب الثورة الاشتراكية يجب دعمه باستمرار تبعا للانجازات المحققة في مجال التنمية الاقتصادية. ومن هنا تعمل السياسة الاجتماعية للثورة من أجل توزيع عادل وملائم لتكاليف التنمية وثمارها من خلال السهر على جعل الفئات الاجتماعية، التي ما زالت محرومة تستفيد من خيرات هذه التنمية.
وتسهر الدولة على ضمان مستوى معيشي لجميع العمال وعائلاتهم، يجعلهم في مأمن من المشكلات المادية عن طريق تقاعد ،محترم، ومن خلال الحماية الكاملة من حوادث العمل ونوائب الدهر، كما تولى اهتماما خاصا لقضايا المسنين المعوزين يجب تعزيز الظروف المتعلقة بالتنظيم الافضل للوقاية الصحية والتأمين، وطب العمل مع التركيز على تنظيم الوقاية فى مجال مكافحة الامراض المهنية خاصة.
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ان الحماية الاجتماعية للعمال في القطاع الخاص مضمونة عن طريق تطبيق الاجراءات القانونية للعمل وخاصة في مجال الوقاية الصحية والامن.
أما الخدمات الاجتماعية فى المؤسسات ومختلف الهيئات الوطنية فتتخذ فى شأنها اجراءات مكملة لتنظيم تسييرها واقامة تضامن بين مختلف فئات عمالها.
لكن التدخل لفائدة المعوقين والاطفال الذين يعانون صعوبات والاشخاص المسنين، واجب وطنى، ينبغى أن تنهض به الدولة والمجتمع.
ولا بد أن يتواصل بذل الجهود لحماية المجاهدين وذوى الحقوق حماية كاملة عن طريق التكفل بمشكلاتهم الاجتماعية والاعتناء بالمصابين ومعطوبي الحرب منهم عناية خاصة. وان الاهمية المتزايدة للأعباء الاجتماعية، من خلال الميزانية الاجتماعية، تتطلب من أحكام تنسجم مع التخطيط الاجتماعي. لان هذا التخطيط يستهدف تسيير هذه الموارد تسييرا أفضل، وتحقيق توزيع اجتماعي تتحسن نوعيته باستمرار.
سابعا العمل لصالح الشباب :
يشكل الشباب أهم ثروة اجتماعية، ويمثل طاقة حيوية لتحقيق التقدم والتغيير نحو الافضل عليه ترتكز بالدرجة الاولى استمرارية الثورة وتشييد الاشتراكية.
لكنه لا يستطيع أن يرتفع الى مستوى المسؤوليات التي تنتظره الا اذا تشبع بعظمة المهام التي يجب عليه أن يضطلع بها، وأعد في اطار قيمنا الوطنية اعدادا يجعله يستطيع أن يتسلم المشعل ممن سبقه بروح المسؤولية.
غير أن اعداد الشباب لمسؤولياتهم الاجتماعية.
يتطلب مجهودات متناسقة ومتطابقة في مجالات الصحة، والتربية والتكوين، والتعبئة السياسية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 245 وتنظيم وسائل التسلية، والتنشيط الثقافى والرياضي.
واذا كان جيل نوفمبر 1954 قد حرر البلاد وأرسى دعائم الاشتراكية فانه يتطلع اليوم أن يجد في الجيل الجديد من هم أهل لحمل هذا التراث بأمانة وفهم مغزاه التاريخي بصدق.
ان القيادة السياسية، وعيا منها بأهمية هذا التحدى الذي يتحكم الى حد كبير في تنمية البلاد ومستقبل الثورة، قد أعطت منذ الاستقلال، بعض قطاعات الشباب الاولوية، لاسيما قطاع التربية والتحولات الاجتماعية التي تعيشها البلاد، قد أدت الى ارتفاع عدد الاطفال والشباب الذين يتعرضون لبعض الامراض الاجتماعية، أو الذين هم في طريق الجنوح. ولذا يتعين، في هذا الميدان بذل مجهودات كبيرة لضمان حمايتهم وادماجهم في المجتمع، تجنبا لظاهرة التهميش الخطيرة.
يجب أن ترتكز سياسة الشباب الشاملة والمنسجمة على الاستراتيجيات القطاعية التي حددت في مجال التربية والتعليم، والتكوين، والصحة والحماية الاجتماعية والثقافة، والتسلية. ونظرا والتعليم، والتكوين، الذي عرف وما يزال يعرف الضخامة الجهود اللازم بذلها وأوجه النقص التي تطورا معتبرا يتحقق به تدريجيا الاصلاح الجذري المنشود لبناء نظام حقيقى للتربية والتكوين التام يكون متناسقا ومفتوحا، يتكامل فيه التكوين العام والتكوين المهني.
ويستطيع الشباب أن يستفيد من التكوينين معا، لكى يتم اعداده اعدادا جيدا لتحمل مسؤولياته كمواطن مسؤول وعامل فعال.
ويعتبر، في هذا المجال التقدم الكمى الهائل الذي سجل في ميدان التربية والتكوين، منذ الاستقلال الى اليوم، أحسن تعبير عن العناية الكبرى والاولوية الدائمة اللتين حظى بهما قطاع الشباب، زيادة على المجهودات التي بذلت لجعل المنظومة التربوية تتماشى وديناميكية التقدم الاقتصادي والاجتماعي ومسيرة الثورة نفسها، وبغية النهوض بقطاع التكوين المهني حتى يستوعب فئات الشباب المتزايدة الراغبة في التكوين والتأهيل.
وان الخدمة الوطنية تعتبر مكسبا آخر من مكاسب الشباب، اذ تساهم في تكوينه فى مختلف | الميادين العسكرية والثقافية والمهنية، كما تعمل على اذكاء حسه الوطني وتنمية شعوره بعظمة المسؤولية التي تنتظره لخدمة الثورة، والمساهمة في التشييد الوطني.
ومن الجدير بالذكر أن زيادة المشاكل الاجتماعية الناجمة عن ديناميكية التنمية | يجب تداركها فانه يمكن تطبيق هذه السياسة تدريجيا مع ادراجها في مخططات التنمية الوطنية.
المقبلة التي ينبغى أن تأخذ بعين الاعتبار، الجانب الشامل لكل الاعمال المقررة في هذا المجال والتنسيق اللازم فيما بينها.
ويجب أن تكون المؤسسات التربوية، بمفهومها الواسع، المحور الاساسى لتنمية سياسة اندماجية للشباب، وتشكل المدارس، والثانويات، والجامعات ومراكز التكوين، ونوادى الشباب، مراكز الادماج المفضلة للاعمال التى وقع الشروع فيها قصد جعلها أكثر فعالية. فالنشاط الثقافي، والرياضي والتسلية والتبادل، والتنظيم والتعبئة السياسية، عناصر مكملة ضرورية للتعليم والتكوين في اطار التربية الشاملة التي تقوم بها هذه المؤسسات.
ولا يحق للشباب المثقف على الخصوص أن ينقطع عن الجماهير التي نبع منها، وينبغى للاطارات الشابة أن لا تنسى ما بذلته الثورة من أجلهم، ولهذا عليهم أن يلتزموا بالعمل في المشاريع الوطنية باعتبارهم أبناء هذه الثورة. وتمثل الخدمة المدنية الوسيلة الملائمة لهم ليساهموا في حل المشاكل التي تواجه البلاد.
ويجب أن يؤدى تطبيق هذه السياسة الى ضمان تعبئة واسعة للشباب في اطار منظمتهم لكي 246 الجريدة الرسمية للجمهورية يشاركوا في انجاح أى مشروع يكونون في طليعة المستفيدين منه. وفعلا، لا يمكن أن تجد السياسة الخاصة بالشباب أهميتها الحقيقية وكل أبعادها، الا اذا شاركوا في اعدادها وتنفيذها.
فمشاركتهم ضرورية لضمان نجاح الاجراءات المقررة خاصة في ميدان النشاط الثقافى والرياضي، وفي التطوع للمهام الثقافية والانجازات الحقيقية التي تتطلب التزام الشباب التزاما نضاليا وحماسيا.
ولكي تقوم تعبئة الشباب على قواعد سليمة وصلبة تضمن استمرارها، ينبغي أن تشمل الشباب والاطفال من خلال دفع جديد وشامل لحركة الكشافة التي لا تكمل النشاط التربوى للمدرسة فحسب، بل هي كذلك يوتقة للتكوين المدني والوطني كما أثبتت ذلك فى اطار الحركة الوطنية عشية انطلاق ثورة أول نوفمبر 1954.
ومن الواضح أنه اذا كان العمل في سبيل مصلحة الشباب يكتسى مظاهر مختلفة ويشمل هيئات الحزب ومنظمة الشبيبة والاجهزة الادارية والجماعات المحلية، فانه يقتضى من العائلة أن تتحمل نصيبها من المسؤوليات الملقاة على عاتقها.
ويتطلب تطبيق ذلك عملا مستمرا فى مجال التنسيق والتخطيط والتوجيه والتنشيط والمتابعة لكى يضمن لهذه العملية طابع المسيرة الشاملة المنسجمة.
ان تحقيق هذه السياسة ونجاحها يكتسيان في المراحل القادمة أهمية معتبرة لانها تتناول : مجالا استراتيجيا حاسما في تنمية البلاد ومستقبل الثورة واستمرارية اختياراتها الاساسية.
ثامنا - الجاليات الجزائرية في الخارج :
ان الاغتراب ظاهرة أفرزها الواقع الاستعماري، وهو من أخطر المشاكل الموروثة عن الاستعمار.
وعلى الرغم من كون الجاليات الجزائرية موجودة في عدد من البلدان الا أن أعلى نسبة منها تقيم بفرنسا. ويعاني أفراد هذه الجاليات الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه بالاضافة الى محنة الغربة، أنواع التمييز العنصري وما يصحبه من اضرار، وعدم أمن، وفقدان استقرار، ومس بالكرامة بفعل بعض التيارات المتطرفة.
ومن أجل ذلك، تسعى القيادة السياسية لكى يحظى كل أبناء الجاليات الجزائرية، حيثما وجدوا، بالاهتمام الدائم والعناية البالغة، وهي تبذل جهدا خاصا لمواجهة الاوضاع المؤلمة التي يعيشها الجزائريون في بعض البلدان الاوروبية، وفي فرنسا خاصة.
وتضطلع الامة بواجباتها نحو الجالية المغتربة التي قامت بدور حاسم خلال فترة الكفاح المسلح بفضل ما قدمته من تضحيات جسام، ويظل الدفاع عن حقوقها وأمنها وسلامتها أحد الاهتمامات الوطنية الرئيسية. كما تستمر الجهود المبذولة اللازمة لتقوية الشخصية الوطنية للجاليات الجزائرية المغتربة وصيانتها في البلدان المضيفة.
وفي هذا المجال، تتخذ أجهزة الدولة جميع الاجراءات اللازمه التي تدعم المجهود الوطني الرامي الى تسهيل عودة المعتربين الارادية واعادة ادماجهم في الحياة الوطنية، وتنشىء الهياكل المناسبة لتحقيق هذا الغرض كلما دعت الحاجة الى ذلك، ولا تدخر وسعا في الحرص على حل المشاكل الاجتماعية الناجمة عن ادماجهم في الحياة الوطنية.
وينبغى أن لا ننسى بأن عودة المغتربين الى أرض الوطن تتوقف قبل كل شيىء على القرار الذي يتخذونه بأنفسهم، ومن ثمة، عليهم أن يجعلوا رجوعهم الى أرض الوطن والتزامهم بالكفاح من أجل تشييد صرحه أحد أهدافهم الاساسية.
تاسعا - الصحة :
تتكفل الدولة برعاية صحة المواطنين وتحسينها، لذلك يجب أن يساهم نشاط الصحة العمومية فى رقى الانسان واعدداه للعيش في عالم | دائم التحول.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية - 247 واذا كانت التنمية بجميع أبعادها تساهم مساهمة شاملة في تحسين صحة الجماهير الشعبية فان صحة المواطن أحد الشروط الاساسية لانجاح . عملية التنمية الشاملة.
- اعداد تخطيط داخل المخطط التنموى العام في البلاد لضمان تغطية صحية ناجعة متوازنة تعطى ديمقراطية العلاج مفهومها الحقيقي.
ويقوم هذا التخطيط على دعامة تتمثل في وعلى هذا الاساس يعتبر الطب المجانى مكسبا - ضرورة تكييف تكوين عمال الصحة مع حاجات ثوريا وقاعدة لنشاط الصحة العمومية وتعبيرا عمليا عن التضامن الوطنى، ووسيلة تجسد حق المواطن في العلاج.
وعلى هذا الاساس يجب أيضا السهر على دعم المنظومة الصحية الوطنية بالاجراءات التالية :
رفع مردودية الهياكل الموجودة والتي ستنشأ فيما بعد، وبذل مجهود خاص لدعم الهياكل القاعدية المكلفة بتقديم العلاج الصحي الاولى قصد تخفيف الضغط على المراكز الجامعية والمستشفيات الكبرى المتخصصة.
- العمل المنسق مع كل القطاعات المعنية المحاربة الآفات المتولدة من المحيط
- اعتماد سياسة نشيطة فى مجال الوقاية والتربية الصحية، تكون أحسن وسيلة لرفع مردودية الهياكل العلاجية، لان قيمة المنظومة الصحية لا تقتصر على العلاج المقدم فقط، بل تمتد خصوصا الى القدرة على ضمان وقاية فعالة بواسطة برامج صحية توجه الى المواطنين المهددين بالاخطار مو مواصلة حماية الامومة والطفولة، والرقابة الصحية في المدارس والانشطة المتعلقة بالتغذية وطب العمل، ومكافحة الآفات الاجتماعية بكيفية تعطى الصحة العمومية مضمونا اجتماعيا بارزا،
- اقامة هياكل مختصة لها علاقة بالمشاكل الجديدة الناجمة عن التنمية (حوادث) العمل والامراض المهنية)،
- توحيد جميع الاعمال الصحية مهما يكن نوعها (علاجية ووقائية أو طبيعة الهياكل (عمومية أو خاصة التي تقوم بها، تبعا للمطالب الحقيقية للسكان السكان وتوزيعهم على مختلف مناطق البلاد، وتوفير الظروف الملائمة لحياتهم وعملهم. ففى مجال التكوين يتعين العمل على تحسين النوعية من خلال التكييف المستمر مع التقدم العلمي وتنمية البحث الطبي.
وتدعم الاستثمارات الهامة التي تحققت في مجال الصحة بالتحكم الأكبر في تسيير مجالات الادوية والتجهيزات الطبية على مستوى الاستيراد أو التوزيع من جهة، أو في مجال الصيانة والمنشآت الصحية من جهة أخرى. وان المكانة الاستراتيجية للادوية تدعو الى انشاء صناعة أدوية تأخذ في الاعتبار حاجاتنا وامكانياتنا الحقيقية.
عاشرا - السكن :
تعد قضية السكن وستبقى، من أهم انشغالات القيادة السياسية والامة، ويتطلب حلها تضافر جهود الدولة والجماعات والمؤسسات والمواطنين.
وتتخذ الدولة الاجراءات اللازمة لمواصلة . ودعم العمل الرامي الى تمكين العمال وفئات المواطنين الاكثر حرمانا في المدن والقرى من الحصول على سكن، في اطار برامج تعد لهذا الغرض، وتدمج ذلك في مخططات التنمية، وتقرب هؤلاء العمال من أماكن عملهم، وتفسح لهم المجال لامتلاك مساكنهم.
ويكمل عمل الدولة في هذا المجال، تعبئة وسائل الجماعات المحلية والمؤسسات التي يجب عليها أن تدرج عملها ضمن هذا المنظور الرامي الى تحقيق الاهداف المرسومة.
ونظرا لاهمية الاهداف المنشودة واستكمال الجهود التي يبذلها القطاع العام تشجع الدولة مساهمة استثمار القطاع الوطني الخاص في مجال الترقية العقارية. 248 الجريدة الرسمية للجمهورية وهكذا، فان الدولة تواصل مساعدتها لكل مواطن يرغب في بناء سكن عائلى، سواء كان ذلك في اطار فردي أو جماعي من خلال تشجيع التوفير خاصة.
ولا يمكن تنمية بناء المساكن بكيفية منسجمة ومتتابعة، الا في اطار سياسة عامة للتهيئة الحضرية قادرة على استعمال المساحات استعمالا رشيدا مع المحافظة على الاراضي الفلاحية.
ويتعين الحد من توسيع المدن الكبرى والتحكم في توسع المدن الصغيرة والمتوسطة عن طريق تنظيم تنميتها.
ويعتبر ان انشاء مدن جديدة وسيلة مثلى لاستغلال المجال الجغرافي استغلالا رشيدا ومتوازنا، خاصة فى الهضاب العليا والجنوب، كما هو الشأن بالنسبة لانشاء مراكز حياة ملائمة في المناطق الريفية.
ويجب أن تدمج المبانى الجديدة في مجموعات مهيأة تحتوى، بالاضافة الى المساكن على التجهيزات الاجتماعية والتربوية والخدمات والتجهيزات المرافقة لتوفير الحاجات اليومية للعائلات، وفقا لتصورات عمرانية عصرية تستجيب لمتطلبات محيط يقوم على الاهتمام بتحسين نمط الحياة.
ان هذا المفهوم الخاص بالمجموعات السكنية المتكاملة يتطلب برمجة دقيقة وواقعية تمس سائر الاستثمارات القطاعية المترتبة على احتياجات سبق احصاؤها في الوسط الحضري والريفي.
وعلاوة على ذلك، ينبغى أن تستمر عمليات تجديد التجمعات الحضرية والريفية لحل المشاكل المتولدة عن القدم الذى تعانيه بعض المبانى والقضاء على تدهور المحيط وادماج المرافق الاجتماعية والثقافية الضرورية..
كما ينبغي أن يعاد الاعتبار لمواد البناء التقليدية المحلية، وان تستعمل أوسع استعمال الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه ممكن، مع أخذ الخصائص الجهوية بعين الاعتبار والبحث عن مواد محلية جديدة واستعمالها.
ومهما يكن فان السكن يظل قضية الجميع سواء في ذلك تنميته أو المحافظة على صيانته ونظافته . وعلى هذا يجب أن تتضافر جهود جميع المواطنين فردية كانت أو جماعية وجهود الدولة والمؤسسات التابعة لها.
الحادي عشر - التربية البدنية والرياضة :
التربية البدنية شرط ضروري لصيانة الصحة، وتعزيز طاقة العمل، ورفع القدرة الدفاعية لدى الامة. وتعتبرها قيمنا الوطنية ذات منفعة لا تقل عن منفعة التعليم، وتربطها بالشباب اعتمادا على قاعدة «العقل السليم في الجسم السليم».
والرياضة، فضلا على المزايا التي توفرها للفرد، تشجع وتطور خصالا معنوية هامة مثل الروح الجماعية والاخوة وحسن التضامن والتعود - على العلاقات الاجتماعية. ولهذا لا تعتبر مجرد تسلية، بل تتأكد فى نطاق مفاهيم العصر على أنها أحد الفروع الاساسية في كل سياسة تحرص على تكوين الانسان.
وهي زيادة على كونها عامل توازن نفسي و بدني، تعد وسيلة لتعبئة الشباب في الاعمال الوطنية النافعة، وتساعد على تجنب الانحرافات التي يؤدى اليها الفراغ.
غير ان الاهتمام بها والتحفل بحاجاتها ينبغي أن لا يقتصرا على السلطات المركزية وحدها، بل يجب أن تتضافر جهودها وجهود البلديات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، والمبادرات الخاصة الجماعية والفردية، لاسيما أن ميدان الرياضة بالذات، يمثل أحد الميادين التي يجب أن تجسد فيها اللامركزية.
ولهذه الاسباب كلها يصبح تنظيم الانشطة الرياضية جزءا أساسيا من العمل لتكوين الشباب | ورعاية صحته .
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 249 ولتحقيق هذا، ينبغى اعتماد سياسة تعليمية تمكن التلاميذ والطلبة من ممارسة مختلف أنواع الرياضة، كما ينبغى تجهيز مؤسسات التعليم بالتجهيزات المناسبة تدريجيا. وزيادة على ذلك يتعين على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والجماعات المحلية أن تطور الانشطة الرياضية في اطار تنظيم وسائل التسلية لمستخدميها، وتنشيط الاحياء والقرى في الارياف لفائدة الشبان.
و بهذه الكيفية يندمج شبابنا في حركة رياضية حقيقية تشمل كامل الوطن وتتخذ الرياضة طابع نشاط جماهيرى يفيد الفرد والجماعة.
يجب أن يعكس تنظيم حركة النشاط الرياضي الوطني أولوية تنمية الرياضة الجماهيرية من خلال ديمقراطية حقيقية في ممارسة الرياضة وتعميمها. وهذا العمل هو وحده الكفيل باقامة القاعدة الصلبة لترقية رياضة النخبة التي تتطلب انشاء جهاز فعال للانتقاء، وبالتحسين المستمر للمحتويات، والاشكال وطرق التطبيق، اعتمادا على العلوم والتقنيات المطبقة في الرياضة.
وتفرض التنمية المنسجمة الشاملة على فروع النشاط الرياضي الوطني أن تبذل جهود خاصة في مجال تكوين الاطارات لتوفير الانشطة الرياضية والتأطير اللازم لجميع الفئات. كما تفرض اعتماد العقل في تصور التجهيزات والمعدات الرياضية حتى تتطابق مع متطلبات مختلف أنواع الممارسة الرياضية هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ينبغي أن تسهر الهياكل الرياضية الاساسية الهامة التي تتوفر في البلاد على صيانة المنشآت والتجهيزات صيانة مستمرة .
بيد أن ضخامة الطلب في هذا المجال تستدعى التعجيل بترقية الصناعة الوطنية التي توفر ما يحتاج اليه الشباب في مجال الرياضة والراحة والتسلية.
اما الاعتمادات التي تخصص لتحقيق هذه الاهداف فلها منفعة كبرى للمواطن، اذ انها لا تدخل ضمن السياسة الاجتماعية والثقافية للثورة والعمل من أجل صنع انسان جزائري جديد فقط، بل هي زيادة على ذلك، تسهم في تعزيز أحسن رأسمال تملكه الامة، وفي تقويمه، الا وهو شبابها.
وان المجهود الضخم الذى تبذله الثورة في مجال التكوين، على جميع المستويات وفي مجال الصحة يجد في ذلك تكملته الطبيعية التي تولى العناية بالبدن وصيانته، نفس الاهمية التي تمنحها لازدهار الفكر وتفتحه .
الثاني عشر - السياحة والترفيه :
تتمتع الجزائر في هذا المجال بامكانيات سياحية متعددة يمكن أن يؤدى استثمارها الى ميلاد صناعة سياحية واسعة. وتتمثل هذه الامكانيات في جمال معالمها الطبيعية وتنوعها وغناها التاريخي والثقافي والفني، وفى مراكز المياه المعدنية ذات الخاصيات المتعددة التي تستغل في العلاج الطبي أو الراحة والاستجمام.
و بالاضافة الى هذا فان هناك عوامل اقتصادية كثيرة تدعو الى الاسراع بالاستثمار الشامل للامكانيات السياحية، لاسيما بعد أن برزت حاجات اجتماعية بروزا واضحا في مجال الاستجمام والتسلية. فالراحة ضرورية للمواطنين الذين يعملون في حقل الانتاج، ويشعرون بالحاجة الى العطلة التي تعد حقا تساوى درجته درجة المكتسبات الاجتماعية الاخرى..
لقد أصبح وجود منشات متنوعة في مختلف أنحاء التراب الوطنى ضروريا لكي يجد المواطنون الراغبون في اكتشاف بلادهم والتعرف عليها، هياكل استقبال ملائمة. وهكذا يسهل تشجيع التعارف بين السكان في مختلف المناطق، وترقية التراث، وتعريف الشبان، خصوصا، بالمعالم التي تمجد حرب التحرير الوطني. 250 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وزيادة على ذلك، فان التوسع الاقتصادى الذى تعيشه الجزائر قد ترتبت عليه في مستوى مجموع التراب الوطنى، حركة أعمال جد مكثفة خلقت بدورها وفي جميع الاماكن احتياجا كبيرا الى المرافق الفندقية الضرورية لايواء كل هؤلاء الذين يتنقلون في اطار أعمالهم.
فالسياحة، اذن تتوجه وتتطور لسد الحاجات الوطنية قبل كل شيء، وتشكل في مجال التبادل مع الخارج وسيلة تفتح على العالم، وأداة اتصال بالشعوب الأخرى. واذا كان للسياحة الدولية طابع ثانوى ومكمل للسياحة الداخلية فمن الواجب تطويرها تطويرا يأخذ بعين الاعتبار المتطلبات - الخاصة بها وضرورة وقاية المجتمع الجزائري مع الآثار السلبية التي قد تنجم عن تدفق أفواج كبيرة من السياح.
ان السياحة الدولية لفائدة المواطنين يجب أن توجه أولويا نحو البلدان الشقيقة والصديقة في اطار صيغ تبادل جماعية منظمة على نحو يفيد كل الاطراف.
وقد شرعت الدولة في تطبيق برنامج واسع بغية انجاز منشآت سياحية وفندقية عبر التراب الوطني. وان الجهود المبذولة متجهة قبل كل شيء لتأمين تنمية سياحية جماهيرية داخلية تستهدف في الدرجة الاولى، سد احتياجات المواطنين وأسرهم واحتياجات الشباب، وجعل هذه السياحة في متناولهم.
وأصبح الآن من الضرورى ايجاد صيغ متميزة كفيلة بتطوير السياحة تطويرا يستجيب أحسن استجابة للاحتياجات المتعددة والمختلفة المعبر عنها في هذا المجال.
ان توسيع وظائف السياحة، بفضل تنشيط سليم التصور، يشكل نوعا من أنواع ترقية الثقافة والصناعة التقليدية المحلية والتراث الوطني، بشكل عام، ويعد وسيلة للتربية ومكافحة الآفات الاجتماعية، وعنصرا هاما يسهم في تحقيق جودة اطار الحياة.
لقد أصبح من الضرورى تكييف المنشآت وملاءمتها مع نمط حياة العائلة الجزائرية وخصائص الموقع المختار وضرورة حماية التراث والمحيط. ويمكن القطاع الوطني الخاص، من خلال وحدات سياحية متوسطة الحجم، أن يؤدى دورا على جانب كبير من الاهمية في تحقيق ترقية سياحية سليمة تستجيب لاحتياجات الاسرة الجزائرية بتوفير شروط الاستقبال والاقامة الجيدة. وهناك جهود تكميلية أخرى ضرورية في مجال التكوين والتنظيم والتسيير لتحسين نوعية الخدمة السياحية.
وفي مجال الاستثمارات والتسيير، يجب تدعيم الدور الذي تقوم به المؤسسات الاشتراكية والهيئات الوطنية والجماعات المحلية، بانجاز هياكل بسيطة ذات طابع تكرارى وبتكاليف منخفضة.
وهكذا تجتمع كل الظروف التي تسمح لهذا القطاع أن يتوسع، تماشيا مع حاجات السياحة الجماهيرية لصالح المواطنين، ثم مع الطلب الخارجي، بما يعود بالمنفعة على الاقتصاد الوطني.
الثالث عشر - مستوى المعيشة :
ان السعى لتحسين جميع مظاهر الحياة الاجتماعية سيظل أحد الاهتمامات الرئيسية للسياسة الاقتصادية والوطنية والاستراتيجية التنموية. لان تحسين اطار حياة المواطن يشكل استثمارا من أكثر الاستثمارات مردودية لتدعيم التماسك الاجتماعى وبناء الاشتراكية.
ان تعميق المحتوى الاجتماعى للثورة يقتضى العمل باستمرار على تحوير ظروف التنمية وتوجيه المقدرة الانتاجية نحو المردودية الاقتصادية.
ولهذا يتعين التأكيد الفعلي، في المستقبل وبمزيد من الوضوح على التداخل الموجود بين الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 251 السياسة الاقتصادية والسياسة الاجتماعية، لان وحدتهما تشكل الشرط الاول لمصداقية الخط التنموى وللتحكم في التوازنات الاقتصادية.
ذلك أن اغفال هذه القاعدة يؤدى الى أخطار التبذير والاماني المثالية، سواء بالنسبة لتحديد الاهداف أو بالنسبة للوسائل المستعملة من أجل تحقيقها. واذا كان هناك ميدان يتطلب لغة سياسية واضحة مدروسة ومفهومة، فهو الميدان الذى يتصل بظروف حياة المواطن.
ان هذا المفهوم للتنمية مبنى على دعم الاستقلال الوطنى، ويهدف أساسا الى تحقيق ترقية الجماهير الشعبية بحصولها على ثمار التقدم في المستوى المادي والاجتماعي والثقافي حتى يتخلص المجتمع من مظاهر التخلف.
ولتحقيق هذا الغرض، يجب السهر على تدعيم المكاسب والحفاظ عليها، وضمان العدالة في توزيع ثمار العمل والرفاهية والثقافة، عبر برامج منسقة تتمحور وتنسجم مع وسائل السياسة الاقتصادية، وتعتمد على مشاركة الجماعة والفرد، بصورة تضمن التكفل الفعلى بالمسؤولية.
ذلك أن احدى المميزات الاساسية للمرحلة القادمة، وقد تكون الميزة الوحيدة الجديرة | بالاعتبار، تتمثل في تعميم مبدأ الاعتماد على النفس، وتوسيعه بالنسبة للفرد والجماعة على حد سواء، وصولا للقضاء على عقلية التواكل التي تجعل المرء عالة، عديم الاعتبار، فاقدا كرامته كانسان.
من هنا يجب أن يرتبط النمط الاستهلاكي في الجزائر بالانتاج الوطني والنموذج الشعبي في الحياة، وهذا يقتضى العمل في الوقت نفسه على اشباع الحاجة الى المنتوجات الضرورية وتوفيرها بأسعار معقولة ونوعية مرضية، في إطار سياسة استهلاك تتكيف حسب القدرات الحالية للانتاج وامكانيات المستقبل الاقتصادية، وتأخذ في الاعتبار الضغوط الاقتصادية الخارجية.
لذلك، يتعين اعادة توجيه النموذج الاستهلاكي بصورة تتماشى مع القدرات الحقيقية للانتاج الوطني، ومع متطلبات اقتصاد اشتراكي مخطط كما يجب، في اطار سياسة تصنيف دقيقة، ترتيب الاحتياجات التى تأتى فى المقام الاول من الاولويات، والتي تأتي في المقام الثاني بعدها.
ان الامة تحتاج الى أن تراقب استعمال مواردها حتى توزعها حسب متطلبات تنميتها، وان تخصصها بالدرجة الاولى لما يحقق لها شروط التقدم والرقى، ولذلك تتأكد ضرورة الاستثمار في استبعاد المصاريف غير المفيدة، والتمسك باعطاء الاولوية لتحقيق الاهداف التي ترفع من مستوى معيشة المواطنين.
على هذا ، الاساس، تمثل مضاعفة الانتاج والتحكم في تطور الاسعار وفي التضخم، الوسيلة المفضلة لحماية القدرة الشرائية لدى السكان.
وسوف تتخذ الاجراءات الملائمة، كلما اقتضت الضرورة وكلما كان ذلك ممكنا، لتوفين منتوجات المواد الضرورية لاستهلاك الجماهير حتى تكون في متناولها بصورة تضمن حماية قدرتها الشرائية، وتتماشى مع مطلب التحسين المستمر لمستوى معيشتها.
وينبغي أن يتحلى هذا المسعى الشمولي الذي يوجه السياسة الاقتصادية والاجتماعية للثورة بمزيد من اليقظة فى مواجهة الصعاب والعقبات التي يفرزها المحيط الدولي، والتي يجب التكفل بها عند تحديد هذه السياسة وتنظيمها.
ومن ثم فان البلاد لا تملك الا العمل على تعبئة جميع طاقاتها البشرية ومواردها المادية حتى 252 الجريدة الرسمية للجمهورية تضمن الاستقلال الاقتصادي، من أجل اشباع الحاجات الاساسية، في اطار تشييد اقتصاد اشتراكي.
الفصل الخامس التهيئة العمرانية وتطوير المنشآت القاعدية أولا - الاسس والاهداف :
ترمى الثورة الجزائرية الى بناء صرح مجتمع الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه يحظى بتنمية متزنة، وبذلك تصبح شروط العيش المتكافيء للجميع حقيقة ملموسة في كل أنحاء البلاد.
وفي هذا المنظور، ينبغى أن تضمن عملية التخطيط الانسجام بين الاهداف الوطنية ومتطلبات التنمية الجهوية.
ذلك أن تجسيد هذا الهدف الرئيسي، الذي يعد أنبل تعبير عن التضامن الوطني، يجب أن يتم بالعمل المنتج، في اطار اجتماعي وثقافي ملائم اشتراكي يضمن رقى الانسان والمساواة بين الترقية الانسان وتفتح شخصيته.
المواطنين. وتمنح الجميع فرصا متساوية لبلوغ التقدم الاقتصادي والاجتماعي.
ولكونها المعبر الصادق عن التطلعات الشعبية التي تستمد منها قوتها وحيويتها، فانها تستهدف كذلك التوزيع المنصف لنتائج التنمية وثمارها وانطلاقا من هذا الواقع، فان الاهتمام بالتهيئة العمرانية والتوازن الجهوى، كان دوما أحد ثوابت الثورة الجزائرية، خصوصا، وقد سطرت لنفسها من بين الاهداف الاولية، تدعيم استقلال البلاد على الصعيد الاستراتيجي والاقتصادي والثقافي، ومن ثمة، لا يمكن أن تقبل بأي تفاوت تنموى بين مناطق البلاد، ذلك التفاوت الذي قد يجبر جزءا من السكان على النزوح للبحث فى مناطق أخرى عن التعليم والعمل ووسائل العيش التي يفتقرون اليها.
ذلك أن التوزيع المتفاوت للنشاطات ولمناصب العمل والمداخيل قد يكون مصدر اختلالات متعددة ومتنوعة. وعليه فان وجود مناطق حضرية مكتظة بالسكان والنشاطات، من جهة، ومناطق شاسعة محدودة السكان، قليلة التنظيم، ضعيفة التجهيز، من جهة أخرى، يفرض ضرورة تدارك التفاوت، ويبرر الاهمية التي يكتسيها تطبيق سياسة التهيئة العمرانية التي تبدو هى الاداة الضرورية الوحيدة لتشييد مجتمع عادل فالامر، اذن يتعلق بايجاد شروط التنمية الدائمة التي تمكن من خلال مسعى شامل منسجم فى تصوره، مدعوم في تطبيقه، من انجاز مجال جغرافى منظم يتسنى فيه التقويم الاقصى للموارد والتوزيع العقلاني للسكان.
وينبغي أن يستند انتهاج هذه السياسة الى التقدير الدقيق لطبيعة الاختلالات الموجودة، والاتجاهات التي نشأت أساسا عن أساليب الاستغلال الاستعماري.
والواقع، ان الاحتلال الاستعماري لم يفرز - سوى اقتصاد مختل قائم على أساس استغلال المواد الاولية متوجه نحو تصدير المواد الخام، متميز بانعدام الانشطة الصناعية.
لقد أدت كل هذه الظروف الى تمركز التجمعات البشرية في المدن المرفئية والسهول .
الساحلية، والى تهميش مناطق سكانية كاملة، أرغمتها على انتهاج اقتصاد الكفاف، وجعلتها عرضة للبؤس والامية والنزوح.
أما غداة استرجاع الاستقلال، فقد أفضت الضرورة الملحة المتمثلة في استرجاع الموارد الطبيعية وتقويمها، ونتيجة للضغوط الناجمة عن شكل الهياكل القاعدية التي أقامها الاستعمار، الى | انشاء مراكز استقطاب صناعية ساحلية، مما زاد الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 253 في حدة الميول الى التمركز الحضرى السريع | ثم الى احتكار الموارد المائية والاراضي ذات القيمة الزراعية العالية.
وكان من الممكن أن يؤدى استمرار هذا الوضع الى استقرار نصف السكان فى المناطق المنخفضة والسهول الشمالية التي تمثل نسبة 2% من التراب الوطني ، ومن ثمة الى افراغ الهضاب العليا من سكانها وتفاقم الوضعية الهشة للمجالات الحيوية التي تشكلها المناطق الجنوبية والجبلية والحدودية.
ومن هنا، فان مواصلة التحكم في هذه الاتجاهات السلبية وتغييرها يعتبران حتميين وينبغي أن يتبلورا فى التطبيق المتسم باليقظة والصرامة الدائمة من خلال أعمال التهيئة العمرانية، التي يجب أن تكون طبيعتها، ومداها ومدتها ووتيرة تنفيذها في مستوى الرهان | الحاسم بالنسبة الى مستقبل البلاد.
وفي هذا المضمار، يتعين السعى، أولا وقبل كل شيء، الى تدعيم الاعمال التي شرع في انجازها والمتعلقة بتعزيز الهياكل القاعدية واعادة توزيع النشاطات، وتحسين الظروف الحياتية، وتنمية العالم الريفي.
كما يتعلق الأمر بتشجيع الاعمال المسطرة | في المخططات الانمائية المقبلة، والجهود الرامية الى ضمان التغطية المتزنة، عبر التراب الوطني، للنشاطات المنتجة، التي يجب أن تكون مدعومة ببنية حضرية ملائمة وشبكات مناسبة للمواصلات والاتصالات.
وستتمحور اعادة هيكلة المجال الجغرافى حول الاولويات التي سطرتها البلاد، لاسيما التنمية الريفية والتكامل الاقتصادي، لأن هذه الاولويات هي المحاور التي ينبغى أن تدور حولها الاختيارات الجهوية الرئيسية للتهيئة العمرانية مناطق الهضاب العليا وجنوب البلاد والمناطق الجبلية والجهات المتاخمة للحدود.
ان أنشطة التهيئة العمرانية، اذ تنطلق من المنظور الشامل المنسجم البعيد المدى للتوزيع العقلاني للسكان والانشطة الاقتصادية عبر التراب الوطنى، الذى سيمثل الاطار الاستدلالي للمخططات الانمائية الوطنية منها والمحلية، لا بد أن تنجز تدريجيا وبقدرة تتماشى والطابع العلمى الديمقراطي الحتمى الذى يتميز به التخطيط الوطني.
وسيستند تحديد الاطار الاستدلالى للتهيئة العمرانية الذي يتميز بطابع العلمية الى التعرف الموضوعي على مختلف التجمعات الجهوية قصد تحديد البرامج المدمجة للتهيئة والتنمية التي تختلف اختلاف الامكانات والموارد المحلية، المنسجمة فيما بينها، وتعتمد على أساس الاولويات المسطرة على المدى البعيد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وسيتم اعداد هذا الاطار الاستدلالي للتهيئة العمرانية على أساس ديمقراطي، وبالتشاور والمشاركة النشيطة للمواطنين والهيئات المنتخبة، علما أن هذه المشاركة وهذا التشاور أثناء اعداد البرامج الجهوية والمحلية هما أحسن ضمان للتطبيق الملائم الفعال لهذه البرامج.
وان التطبيق التدريجي لهذا التصور على المدى البعيد، الذي يكتسي طابعا محليا، سيدرج على المدى المتوسط ضمن المخططات الوطنية والمحلية التي ستعمل على تجديد الاهداف والمراحل المتتالية التي تمكن متابعة انجازها.
كما ينبغى بذل عناية خاصة بالعمليات الكفيلة بتشجيع روح المبادرة قصد تمكين الهيئات والجماعات اللامركزية من التكفل الفعلى بالتنمية ولا سيما المتعلقة منها بمنح الأولوية لتنمية الجهوية والمحلية. 254 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه فعلى هذا الاساس، ينبغى التعجيل بتطبيق سياسة اللامركزية التي يخول محتواها الديمقراطي الجماعات المحلية صلاحيات ومسؤوليات جد واسعة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية.
ان سياسة التهيئة العمرانية تشكل فعلا اطارا | مرجعيا الزاميا وضروريا للاقتصاد الوطنى لانها تضمن تناسق الاهداف الوطنية والعمليات الجهوية والمحلية وتكاملها.
واذ تشجع المبادرات، وتحرر طاقات الابتكار، فانها تسمح كذلك بتقويم نسب المساهمة في المخطط الوطني، والتكفل الحقيقي بمقتضيات التنمية المحلية. وعليه فانها تدعم التوجيه الموحد للتنمية، وتجعل الجماعات المحلية على وجه الخصوص، بمثابة الدعامة النشيطة لنشرها.
غير أن نجاعة مسار اللامركزية تقتضى حتما تكييف الوسائل المعبأة من طرف الجماعات المحلية مع الاهداف والمهام المنوطة بها.
معنى ذلك أنه لابد من تكثيف استعمال الوسائل وبالدرجة الاولى : التأطير السياسي، والادارى والتقنى تجاه الجماعات المحلية، مع مدها بالقدرات الاضافية للدراسات والانجاز والتسيير، وتوزيع منتوج المنظومة التكوينية باعتماد الصيغ الكفيلة بتشجيع الاختصاصات الملائمة وتعبئتها لفائدة المناطق والانشطة ذات الاولوية بالنظر الى التأخر الواجب تداركه أو الدور المتميز الذى يجب أن تؤديه فى التنمية المتزنة للبلاد.
ومن الضرورى، كذلك، بذل عناية خاصة متميزة بالجوانب الثقافية، لان توسيع الانشطة الاقتصادية، عندما لا يكون مرفقا بتنمية ثقافية وعملية وتكنولوجية، يؤدى حتما إلى استغلال المناطق المحرومة التي تبقى مجرد مصدر لليد العاملة غير المؤهلة.
كما يتعين، خلال كل مرحلة من مراحل التنمية تدقيق التحليل لتدعيم الديناميكية المنطلقة وتحسين تناسب الاهداف مع الوسائل المعتمدة.
ومن جهة أخرى، يتعين على سياسة التهيئة العمرانية ايلاء عناية خاصة للاستثمارات الاجتماعية لتوفير نفس الظروف الحياتية لجميع المواطنين. وفعلا، فان الجوانب الاجتماعية لهذه السياسة تعطيها مدلولها الكامل وتجعلها تتعدى ابعاد الجوانب المادية، بحيث تعطى الانسان قيمته وكرامته.
فمن هذا المفهوم ونتيجة للوعي بأهمية هذا المشكل وضرورة مرافقة التنمية الاقتصادية بسياسة اجتماعية متناسقة، ينبغي تدعيم العمليات المقررة لاسيما بالنسبة الى المناطق المحرومة.
ان توفير شروط الازدهار الاجتماعي والثقافي لكل المواطنين بالاستعمال الامثل للموارد وبالاستخدام العقلانى للاراضى، هو المغزى العميق المتوخى من سياسة التهيئة العمرانية.
ويتعلق الأمر هنا بعملية طويلة المدى تستطيع أن تكون في مستوى طموحات الثورة الجزائرية، شريطة تحقيق التلاحم النضالي بين الاجيال الصاعدة، التي يتعين العمل على توعيتها بالتحديات القائمة لضمان التزامها المطلق من أجل تطبيق اختيارات البلاد.
ثانيا - اختيارات التنمية الجهوية :
1 - الهضاب العليا :
ان تجسيد الاختيار الاساسي في الهضاب العليا ينبغى أن يتمحور أساسا حول التنمية الريفية، خاصة بواسطة استصلاح المساحات الكبرى المسقية انطلاقا من الموارد المائية المحلية التي لا يستهان بها، وان لم تكف فباستعمال موارد مكملة صادرة عن المناطق الأخرى في البلاد.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 255 وأما تطوير الانشطة الرعوية، فيتعين التحكم فيها أكثر باستعمال الطرق الحديثة في تربية المواشي، وبهذا ستتكفل الاشغال الفلاحية الرعوية كلية بمهمة المحافظة على ثروة السهوب والحلفاء واستثمارها ومكافحة آفة التصحر فيها.
و ينبغى أن تجند لمكافحة هذه الآفة وتدهور البساط النباتي، القدرات العلمية والتقنية المتخصصة. وبهذا الصدد تعد مواصلة الاشغال التي شرع فيها فى اطار الانجاز الضخم المتمثل في السد الاخضر من الحتميات المطلقة. فمن الضروري، اذن توسيع تلك الاشغال وتوجيهها لاعادة تشكيل الغطاء النباتي المناسب والمتنوع القادر على توفير الشروط المواتية لازدهار أنشطة انتاجية متعددة ومتكاملة تمكن الانسان من التصدى لزحف آفة التصحر.
ومن جهة أخرى، فان تدعيم الأنشطة الزراعية الرعوية والتحسين المستمر لمرافق الحياة المرتقب من عملية استصلاح الاراضى لفائدة السكان المعنيين، والمحافظة على ثروات السهوب والحلفاء واستثمارها، مما يساعد على احداث وحدات صناعية متفرعة عن المركبات الصناعية في الشمال دون أن تكون لمثل هذا الانجاز انعكاسات تهز استقرار الاوساط الريفية الضعيفة.
وسيمكن تفادى مثل هذا الخطر بفضل الاختيار المناسب لانواع الصناعات الواجبة اقامتها وبتهيئة شروط التكامل بين هذه الصناعات والوسط الريفى الذى يجب أن يستفيد من التجهيزات الضرورية لترقية سكانه وازدهارهم.
ان انجاز الاشغال الكبرى للتهيئة الفلاحية والمائية، وكذا بناء محاور جديدة للسكة الحديدية والطرقات، سيسمحان بانشاء مجموعات صناعية مهيكلة تكون هى الحزام الصناعى الجديد الذى يعد بمثابة العنصر الاساسي للعملية الثورية الكبرى المتمثلة في تقويم التراب الوطني وتغيير وجهه نحو الافضل.
على أن اقامة هذه الصناعات ينبغي أن تسكون مسبوقة بوضع المنشآت الاساسية الكفيلة بتعبئة الطاقات وتوفير المياه بما يضمن التلبية المتزنة لمختلف الحاجات، كما يجب أن تكون مرفقة بتهيئة الظروف المساعدة على العمل والحياة قرب المواقع الصناعية، وذلك بفضل الانجاز التدريجي للبنية الحضرية، الذى يتم عن طريق توسيع التجمعات السكنية الموجودة وتحديثها، أو بانشاء مراكز جديدة للحياة. كما ان هذه البنية الحضرية ستكون بمثابة الركيزة الاساسية للمبادلات الفلاحية الصناعية وللدعم الامدادي لكل الانشطة الانتاجية في هذه المناطق.
غير أن تحقيق خيار الهضاب العليا لا يزال مرهونا بدعم وتوسيع شبكات المواصلات التي ينبغى أن تسهل التمركزات الجديدة وتعزز مشاركة المنطقة في المسار التنموي الوطني. وفي هذا المنظور يجب أن تعطى انجاز الخط الحديدي والتقاطعات الضرورية الاسبقية، لاندماجها وتكاملها مع الشبكة الوطنية.
وهكذا، فان هذه المجموعة المتكاملة المتناسقة والمشكلة من أنشطة التنمية الريفية، والحزام الصناعي، والبنية الحضرية، وشبكة المنشآت الاساسية، ستكون بمثابة موازنة حاسمة بالنسبة للمناطق الساحلية الجذابة، وتسمح بالتالي، بتقليص، ثم تحويل الاتجاهات الحالية الرامية الى تمركز النشاطات والسكان في شمال البلاد.
2 - جنوب البلاد :
وتسهل هذه المجموعة المتكاملة القيام بنشاطات فى مجالى التهيئة العمرانية والتنمية لفائدة المناطق الجنوبية، التي ستتمكن من توسيع رقعتها بوتيرة سريعة. 1 256 الجريدة الرسمية للجمهورية غير أن سياسة تنمية مناطق الجنوب يمكنها، بل يجب أن تتمحور، منذ الآن، حول الهدف القاضي بضمان استقرار السكان على طول خطوط المواصلات وداخل مناطق الحياة، وان ترتكز على برنامج عمل يهدف الى الحفاظ على الثروة المنجمية والطاقية، والى استثمارها الاقصى، والاعداد لتطوير أنشطة صناعية تحويلية والى استصلاح أراض جديدة على نطاق واسع باستغلال الموارد المائية التي يزخر بها باطن هذه المناطق. ومن المفروض أن يشجع الاستغلال العقلاني لهذه الموارد المائية الباطنية على نمو فلاحة صحراوية ذات حجم معتبر .
ومن جهة أخرى، ينبغى الحفاظ على الثروة الطبيعية والمعالم التاريخية في هذه المناطق، والسهر على تطوير قدراتها على الاستقبال، وعلى توسيع منشأتها السياحية.
وعليه، فان اتساع رقعة هذه المناطق ومميزاتها الطبيعية تقتضى مواصلة الجهد الخاص بتكثيف الطرقات، وذلك بفرض فك عزلتها وتنويع مبادلاتها، كما تقتضى استكمال وضع المنشآت الجوية الاساسية التي تساعد على تطوير النقل الجوى، وفضلا على ذلك، فان استعمال أنواع طاقية جديدة، ولاسيما الطاقة الشمسية المتوفرة والقابلة للاستعمال فى كل مكان، سيسمح لا محالة بتطبيق البرامج الرامية الى اعادة انتشار السكان داخل هذه المناطق وضمان استقرارهم
3 - مناطق الحدود :
ان مناطق الحدود التي تأثرت بعمق من جراء التدابير الاستعمارية التي استهدفت في مرحلة الكفاح المسلح، عزل الشعب الجزائرى عن الشعوب الشقيقة المجاورة، تقاسى تأخرا ينبغى تداركه حتى تصبح هذه الجهات مناطق مفضلة لاقامة مبادلات مزدهرة وتعاون واسع قصد توطيد أواصر الاخوة، وحسن الجوار، والسير تدريجيا الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه وبخطوات ثابتة نحو التكامل الجهوي الذي تتوق اليه شعوب المنطقة.
وفي هذا المنظور، ستستفيد مناطق الحدود برامج تنموية منسجمة ومكيفة، طبقا لامكاناتها التي تتناسق مع الجهود التي تبذلها البلدان المجاورة.
4 - المناطق الجبلية :
ان تنمية المناطق الجبلية ستتمحور أساسا حول حماية الغابات وتوسيعها، واستغلالها الرشيد، واستصلاح الاراضي وفق الاساليب التقنية الملائمة، حتى تضمن هذه المناطق مساهمتها فى تغطية الحاجيات الغذائية وتوفير الشغل والمداخيل.
ومن هنا يجب استكمال هذه الجهود الانمائية في مجالي الغابات والفلاحة وتعزيزها بأشغال في ميدان الرى، وبترقية الصناعة الصغيرة والمتوسطة.
والتقليدية، وتمارس هذه الاعمال داخل تجمعات بشرية مكيفة مع الوسط الجبلي.
وتكتسى أعمال فك العزلة عن هذه المناطق أهمية بالغة، لكونها لا تسمح باقامة مبادلات تساعد على التقدم والازدهار فقط، بل تضمن أيضا أحسن حماية للبيئة.
وعليه، فان مواصلة الجهود المبذولة وتكثيفها في بناء الطرق والمسالك لفك العزلة عن هذه المناطق، ينبغي أن يأتيا في مقدمة الأولويات الانمائية المسطرة فى اقتصاد الارياف.
ولقد تضررت الثروة النباتية والحيوانية في هذه المناطق بفعل اعتداءات خطيرة أصبحت تهدد بانقراض بعض الشتائل والفصائل، لذلك سيندرج مجهود حماية هذه الثروة الجبلية وتطويرها المتنوع في اطار صيانة الحضائن الوطنية المهيأة حسب البرامج التي تتضمن أهدافا متعددة منها :
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 257
- - توفير شروط الحياة وتحسينها لفائدة السكان، استثمار أقصى لمختلف الموارد الطبيعية - تشجيع البحث العلمى التطبيقي وتطوين النشاط الترفيهي.
5 - السهول الفلاحية والسفوح :
ان السفوح التي تعد الرابطة بين المرتفعات الجبلية والسهول ستؤدى في المستقبل دورا هاما في عملية التهيئة العمرانية، ولاسيما في شمال البلاد. وفعلا، فانه يمكنها استقبال التجهيزات والخدمات والمنشآت الاساسية الثقيلة التي من المفروض أن ترتكز عليها النشاطات الانمائية لاقتصاد الجبال، والاستغلال المكثف للاراضي ذات الخصوبة الفلاحية العالية في السهول.
وسيتم التكفل في المخططات بازدياد السكان وتطوير نشاطات التجمعات السكنية، وذلك بفضل اعادة هيكلة النسيج الحضرى وتكثيفه المنسجم مما قد يؤدى الى تحويل بعض النشاطات نحو مدن السفوح.
أما في الوسط الريفى، فان تحسين الاطار الحياتي يتحكم تحكما مطلقا في تجديد اليد العاملة الفلاحية التي تشكل شيخوختها، اليوم، أحد العوائق الاساسية التي تقف حاجزا أمام الفلاحة وقد يتجسد تحسين الاطار الحياتي المنشود من خلال ايجاد صيغ للسكن تسمح في ذات الوقت بتحقيق مختلف أشكال الرقى الاجتماعى، وبالحفاظ على متطلبات استغلال الطاقة الفلاحية.
ويتوقف تكثيف الفلاحة فى هذه السهول وتحسين اطار الحياة، أيضا على تعبئة الموارد المائية السطحية والباطنية واستغلالها بصفة عقلانية وهي عملية تقتضى بذل المزيد من المجهود لضمان جمع أكبر كمية ممكنة من المياه الجارية واعادة توظيف المياه المستعملة.
وللحفاظ على هذه الاراضي، ورفع مردوديتها، لسد حاجيات السكان الغذائية، وحتى لا يضيع الى الابد مورد ثمين، فانه يتحتم القيام بأشغال كبرى للتهيئة وصرف المياه بكيفية دورية ومنتظمة قصد القضاء نهائيا على عودة الاملاح التي تهدد بعض المناطق.
ومن الافضل أن تنجز النشاطات الصناعية التى لها ارتباط وثيق بمال هذه السهول على السفوح المجاورة، أو اذا اقتضى الحال، داخل مناطق نشاطات صناعية وتجارية ذات الحجم الصغير، تكون محددة ومجهزة بصفة جيدة.
وسيسمح التطبيق المتزامن المجموع هذه الانشطة بوضع حد فى أجل مسمى، لسوء استعمال هذه الاراضى بفعل البناء، ومن ثمة يمكن رفع الحواجز التي قد تعترض هذه المناطق في مساهمتها الحاسمة لتحقيق هدف الامن الغذائي. 6 الساحل والجرف القاري :
ان المنطقة الساحلية للبلاد بصفتها موقعا للتبادل مع بقية العالم ومقرا للترفيه والاستراحة، ستظل محط الانظار لما تتمتع به من مناظر متنوعة خلابة. كما أنها تشكل دعامة لنشاطات الصيد البحرى التي هي مدعوة الى المساهمة بصفة أكثر فعالية في تحقيق هدف التوازن الغذائي.
ومن هنا، تجب حماية السواحل والجرف القارى من كل تلوث قصد حماية المياه والثروة الحيوانية والنباتية وتفادى رهن امكانيات استثمار هذه الموارد الطبيعية، ويكون ذلك بفرض مراقبة دائمة على البيئة البحرية.
وستتجه الجهود نحو تطهير المياه المصروفة الى البحر، وانجاز تجهيزات سياحية وترفيهية مع تحاشى ازدحام المساحات المناسبة لهذه التهيئة العمرانية. 258 الجريدة الرسمية للجمهورية
- التجمعات الحضرية الكبرى :
ان وجود تجمعات سكنية كبرى ونموها القوى في هذا الجزء من البلاد، قد أديا الى استهلاك مفرط للاراضي ذات القيمة الفلاحية العالية.
وقد تطورت هذه الظاهرة الخطيرة بوتيرة سريعة، بينما يوجد أحيانا داخل النسيج الحضرى احتياط معتبر من المساحات التي يمكن تجديدها أو تكثيقها، ومساحات أخرى يمكن استرجاعها عن طريق نقل النشاطات المضرة الى خارج الدائرة العمرانية.
وفضلا على ذلك، يكتسي تطبيق المقاييس المضادة للزلزال في البناء وتجديد المنشآت 1 والتجهيزات العقارية أهمية خاصة، لاسيما في شمال البلاد الذى يتميز بدرجة عالية من القابلية لحدوث الزلازل.
وقد نتج عن النمو غير المضبوط والفوضوى للتجمعات السكنية الكبرى، ارتفاع كبير في التكاليف الاقتصادية، زيادة على تدهور الاطار الحياتي للمواطنين. وعليه، تجب برمجة سياسة الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه من هنا، ينبغي تطبيق مخطط واسع قصد تجديد مدينة الجزائر وتطويرها، في اطار تهيئة تشمل كل التجمعات السكنية المجاورة، بل وجملة المنطقة المحيطة بها. وتتمحور الخطوط الرئيسية لهذا المخطط حول حماية موقع المدينة والمحافظة على الاراضى الزراعية، وانجازا شبكة واسعة للمواصلات، وأخيرا تشييد المباني والمجمعات الضرورية لايواء مؤسسات الدولة واستعمالها كمقر للنشاطات الضرورية للحياة داخل العاصمة، سواء كان ذلك على المستوى الاقتصادى، أو الاجتماعي، أو الثقافي. كما ينبغي تخصيص مكانة متميزة لمشاكل السكن التي ستتم دراستها وتسويتها حسب توزيع مراكز النشاطات.
وهكذا ستتجلى مدينة الجزائر بوجه مشرق لموقعها كعاصمة سياسية للجزائر الجديدة وعاصمة اقتصادية لبلد مصمم على تشييد صرح الاشتراكية.
هذا، وسينتج عن سياسة اللامركزية المطبقة فى التنمية ظهور مراكز اقتصادية جديدة عبر كل أرجاء التراب الوطنى، مما سيسمح بخفض الضغط الممارس على العاصمة وبلوغ توازن أحسن في توزيع مراكز تنشيط الحياة ترتكز على اعادة هيكلة النسيج الحضرى الحالى | الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
واعادة الاعتبار اليه وتجديده، وذلك بغرض توفير الظروف الملائمة لرفاهية السكان، بواسطة تحسين وسائل النقل الحضرى والتزويد بالمياه الصالحة للشرب. غير أن هذه السياسة لا تعطى ثمارها الا اذا تم التحكم في وتيرة النمو الحضرى. ومن شأن هذه السياسة أيضا تمكين التجمعات السكنية الكبرى من ممارسة اشعاع ثقافي وعلمي على الصعيدين الوطني والجهوى.
ولقد أصبحت الجزائر العاصمة مدينة عملاقة حيث يتمركز فيها ما يزيد على عشر السكان، وهى بذلك قد بلغت حدا من الخطورة، قد يؤدى تجاوزه الى الاخلال بتوازن تنمية البلاد.
وأخيرا، يجب أن تقوم التنمية الجهوية التي تمثل احدى الانشغالات الاساسية للتهيئة العمرانية على تخطيط ميدانى للانشطة الاقتصادية وعلى المنشآت الكفيلة بتوفير كل الشروط الضرورية لتجسيدها.
ثالثا ! - الاتجاهات الاساسية لتطبيق سياسة التهيئة العمرانية : ! ان انسجام البرامج الجهوية للتنمية ينبغي أن يتحقق عن طريق تكامل أنشطة التنمية والتسيير الخاصة بمختلف قطاعات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مما يرجع بالاثر الحسن على التنمية الشاملة للبلاد ويسمح بتفادى الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 239 الاختلالات بين مختلف القطاعات والمناطق التي يتولد عنها ارتفاع التكاليف أثناء انجاز الاستثمارات وتوقف العمل والتأخر الضار بتلبية . الحاجات الماسة المحلية والوطنية على حد سواء.
وهكذا، فان الاطار الوطنى المرجعى الذى يعكس بصدق النظرة الشاملة البعيدة الامد للتهيئة العمرانية، ينبغي أن يحدد حسب كل قطاع المحاور الرئيسية للنشاط الذي يضمن من خلال التطبيق المنسجم المتناسق، تحقيق أهداف الاستعمال العقلاني للتراب بأقل كلفة اقتصادية واجتماعية وضمن آجال معقولة. كما ان المجهودات المبذولة بهذا الصدد، التي أدت الى اعداد الخرائط المدرسية، والجامعية والصحية والتكوين المهنى، يجب تكثيفها لتمتد الى جميع القطاعات ولتصبح قدوة لتوجيه الانشطة القطاعية بما يضمن نجاعتها وانسجامها.
هذا، وتتمحور التوجيهات الاساسية لهذه النشاطات القطاعية المساهمة في تطبيق سياسة التهيئة العمرانية للتراب الوطني، أولا وقبل كل شيء، حول انجاز مختلف المنشآت القاعدية، ومنشآت الرى، والنقل والتخزين، والتوزيع، بالاضافة الى المواصلات السلكية واللاسلكية والاعلام ضمن الآجال المخططة. 1 المنشآت المائية :
يعد الماء عنصرا أساسيا وعاملا استراتيجيا | في عملية التهيئة العمرانية، لأن توزيع النشاطات الاقتصادية والسكان مرهون بتوفيره.
وهكذا، يتضح أن اعتماد برمجة أكثر صرامة في توزيع الموارد المائية على مستوى المناطق والقطاعات لا مفر منه، حتى لا يصبح نقص الماء عائقا يعترض تحقيق أية فكرة لتهيئة المجال الوطني بكيفية منظمة.
لاجل ذلك ينبغى تطبيق التوزيع الارادي والمخطط للموارد المائية على المدى البعيد | بواسطة خريطة وطنية للرى تدمج البرامج الجهوية التي يجب أن تكون منسجمة مع توجيهات التنمية الوطنية.
ان الموارد التي تمكن الاستفادة منها بواسطة السدود أو الاحواض التلية توجد أساسا في المناطق الشمالية للبلاد.
وينبغي أن تسمح امكانيات الاستفادة منها بتوفير المياه لسكان هذه المناطق وسقى مساحات أوسع من الاراضى المسقية حاليا، وتوفير الحاجات الصناعية.
والواقع انه من الممكن، بل يجب أن تحل هذه الموارد السطحية محل الطبقات المائية الباطنية الموجودة في الشمال.
ان مقارنة الحاجات بالموارد على المدى البعيد ستسمح باكتشاف العجز والفائض الجهوي اللذين يحددان طبيعة التحويلات اللازمة وحجمها بين الجهات لضمان توزيع متزن للمياه عبر كل أرجاء التراب الوطني يأخذ بعين الاعتبار، اختيارات التهيئة العمرانية وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بتنمية الهضاب العليا.
وتتوفر بعض مناطق الهضاب العليا والجنوب على طبقات مائية هامة يمكن استعمالها كنقاط دعم لتنظيم تنمية جهوية معتبرة على الصعيدين الفلاحى والصناعي. وعليه، ينبغى العمل على الاستغلال العقلانى لهذه الطبقات المائية بما يتماشى مع الوتيرة التي تسمح بها أهمية الموارد المكتنزة. كما يتعين تكثيف الرى المتوسط وتوسيعه الى جانب انجاز هذه الاشغال الكبرى التي تتطلب تعبئة وسائل هامة في الدراسات والانجاز، وأجالا طويلة، وكذلك يتعين تكثيف شبكة السدود الصغيرة والمتوسطة وتوسيعها.
ولبلوغ هذه الاهداف، ينبغي الشروع في هذه الاشغال وانجازها فى اطار أنشطة التجهيز 260 الجريدة الرسمية للجمهورية المحلى وخاصة تلك التي تدخل فى تشكيل المخططات البلدية.
والفلاحون سيدعون ويشجعون على التكفل باستصلاح أراضيهم عن طريق عمليات الرى الفردية أو الجماعية.
و نظرا للتأخر المتراكم، فان تعبئة الموارد المائية، وتوزيعها المتزن عبر التراب الوطني، قد يشكلان، رغم الجهود المبذولة ولمدة طويلة عائقا كبيرا أمام تطبيق السياسة الوطنية للتهيئة العمرانية.
وعليه، ينبغى السهر على القيام بأعمال تهدف الى مضاعفة الموارد المائية المتوفرة والمتمثلة فيما يأتي :
- التحكم في تسيير شبكات التوزيع.
ر رسكلة المياه الصناعية واعادة استعمالها.
- معالجة المياه المستعملة، في التجمعات السكنية واعادة استعمالها. 2 النشاطات المنتجة :
ان اعادة توزيع النشاطات الفلاحية والصناعية عبر البلاد ينبغى أن يتمحور حول الاختيارات الجهوية للتهيئة العمرانية، وأن تصدر عن حتمية التكامل على صعيد مزودج يتمثل في :
- العلاقات بين مختلف نشاطات كل قطاع من هذه القطاعات.
العلاقات بين هذه القطاعات. - وهكذا، فبالنسبة للقطاع الزراعي والرعوى كان من المفروض أن ترتكز التنمية الموجهة للرعي في المناطق السهبية على تنمية زراعة العلف في الاراضى الزراعية التي تحد هذه المناطق من الشمال.
اما بالنسبة للقطاع الصناعي، فان وضع الحزام الصناعى فى الهضاب العليا ينبغى أن لا يأتي الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه | من ارادة اعادة ترتيب المركبات الصناعية المهيكلة فقط، بل كذلك من الاهتمام بتوفير الخدمات الخاصة بالمقاولة الثانوية لهذه المركبات وللانشطة الصناعية القائمة فى المناطق المجاورة وتقديم الدعم الضرورى لتحديث الانشطة الزراعية.
وبهذا الصدد، ينبغى السهر بصفة خاصة على احترام توزيع الانشطة المنتجة عبر التراب الوطني مع اتخاذ الاجراءات اللازمة، لاسيما الجبائية والمالية والعقارية الكفيلة بتشجيع تمركز المركبات وتسهيلها، طبقا لاختيارات التهيئة العمرانية. 3 المنشآت الاساسية وأنشطة النقل :
ان الاهداف التي سطرتها الثورة الجزائرية لنفسها، قصد بناء اقتصاد حديث مستقل ومزدهر تستلزم انجاز برنامج هام للمنشآت القاعدية الضرورية لتوسيع كل أنواع النقل، الأمر الذي يقتضى اقامة هياكل أساسية موزعة توزيعا منسجما عبر التراب الوطنى ومستهدفة على وجه الخصوص مواصلة عملية فك العزلة ورفع مستوى ادماج السكان فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
ان التمركز العقلاني للسكان عبر أنحاء التراب الوطني، وتوسيع الانشطة الاقتصادية و والاجتماعية نحو الهضاب العليا، والجنوب والمناطق الجبلية، والمناطق المتاخمة للحدود، وكذا تكثيف الجهود نحوها، كل ذلك سيفضي الى توسيع المبادلات ومضاعفتها.
وفي هذا المنظور، فان النقل بالسكة الحديدية مدعو، بلا شك، الى القيام بدور كبير، وسيتمحور تطوير هذا النقل حول العناصر التالية :
- تحديث قدرات الشبكة الموجودة وتدعيمها وتحويل السكك الضيقة الى سكك عادية.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 261 توسيع هذه الشبكة بواسطة انجاز الخط الحديدي العرضى في الهضاب العليا وخطوط حديدية موصولة بالشبكة الموجودة في الشمال.
تجديد الشبكات الحديدية القريبة من المراسي بهدف استعمالها كوسيلة لفك اختناق | الموانيء.
تدعيم المنشآت القاعدية وتجهيز السكك الحديدية الخاصة بالضواحي لكي تساهم بقسط أوفر في التكفل بالنقل الى أطراف المدن.
وسيواصل النقل البرى مواجهة تلبية قسط هام من الطلب، ومن ثمة سيستمر في الاستفادة من أولوية نسبية سواء على مستوى تنمية شبكة الطرق أو على صعيد تجديد الوسائل وتدعيمها وذلك بما يأتي :
- مواصلة التحديث ليكون في مستوى متطلبات التنمية الوطنية وتوسيع الشبكة حتى تصل الى كل مناطق الحياة والنشاط الاقتصادى
- مواصلة المجهودات الرامية الى انجاز شبكة من الطرق السريعة مع اعطاء الاولوية للطرق الاكثر اختناقا والحفاظ على الاراضي الفلاحية.
- تكثيف شبكة الطرق في جنوب البلاد.
وفيما يتصل بالنقل البحرى ينبغى توفير وسائل مرفئية فعالة خدمة للاقتصاد الوطني ومنح موانىء الصيد البحرى الاولوية لضمان تغطية كاملة وجيدة لكل الساحل.
وينبغى، كذلك، تعزيز الاسطول البحرى الذي يشكل دعما امداديا ضروريا لازدهار التجارة الخارجية واستقلالها والذى ينبغي أن يسمح ، بفضل المساحلة بالتكفل بقسط هام من التنقلات الداخلية.
والى جانب ذلك سيتم بذل عناية خاصة بالمنشآت القاعدية والتجهيزات الضرورية لتصليح البواخر حتى تصبح قادرة على التكفل التدريجي بهذا النشاط الهام.
وينبغى أن تستهدف عمليات تدعيم شبكة المنشآت الاساسية الجوية وتوسيعها، تطوير النقل الجوى بجنوب البلاد في الدرجة الاولى. وبهذا الصدد يجب الاهتمام الدائم بأمن الملاحة الجوية وتوفير كل أسباب المساعدة لها.
كما ينبغى التوصل الى التحكم في تطوير المنشآت الاساسية الجوية والاسطول الجوى ضمن الآجال المحددة، في اطار المخططات الانمائية المتوسطة الامد.
واذا كان الرصد الجوى يشكل أداة ضرورية لضمان أمن الملاحة الجوية فانه أيضا ذو أهمية بالنسبة لقطاعات الفلاحة والرى والنقل البحرى والبناء والغابات والبيئة والحماية المدنية والطاقات الجديدة. ومن ثمة ينبغى أن تخصص له كل الوسائل الكفيلة بتحسين عملية جمع المعطيات ومعالجتها.
4 - المنشآت الاساسية للمواصلات والاعلام :
انه لا يمكن تصور اقتصاد حي نشيط في بلد متطور دون وجود وسائل مواصلات سريعة وجاهزة للاستعمال في كل لحظة ، تربطه في كل وقت، بجميع أنحاء البلاد، وبالخارج.
ذلك هو الهدف المنشود الواجب تحقيقه بواسطة امداد البلاد بشبكة عصرية في المواصلات السلكية واللاسلكية، تقوم على التقنيات الاكثر تطورا، وعلى تعميم استعمال الهاتف الآلى، وانشاء ايصلات للاعلام الآلي.
ان الصناعة الحديثة للمواصلات السلكية واللاسلكية تعد فرعا جد متقدم، حيث أن الجزائر اكتسبت فيه تجربة تسمح لها بالشروع في انتاج تجهيزات خاصة بالمواصلات السلكية واللاسلكية. 262 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه مع ادماج أحدث التطورات التكنولوجية بصفة مستمرة .
ان المصالح البريدية تقوم بمهمة أساسية تجد الاثر الحسن عند المواطنين انها تتحكم الى درجة لا يستهان بها في تسيير الاقتصاد والمصالح العمومية، وبذلك يتعين القيام بتحديث شبكة البريد وجعلها تصل الى مستوى كاف من التركيز وفي هذا المنظور، ينبغى تدارك التأخير المسجل في الجنوب وفي المناطق الريفية والمراكز الحضرية الهامة في أقرب الآجال.
ان اطلاع المواطنين، أينما كانت اقامتهم، على الاحداث الوطنية والدولية حق ومطلب، وستسمح ممارسة هذا الحق بالتقدير الموضوعي للتطورات التي أحرزتها الثورة، والصعوبات الداخلية والخارجية التي تواجهها.
ومن ثمة، تعد تغطية التراب الوطنى بوسائل الاعلام الوطنية المكتوبة والمسموعة والمرئية من أولى الأولويات، وتنبغى اذن اقامة أنظمة فعالة وسريعة لتوزيع الصحافة المكتوبة، بغية ايصالها بسرعة الى المناطق النائية.
5 - التخزين والتوزيع :
ان هياكل التخزين تؤدى مهمة استراتيجية في ضبط امكانات التموين وضمانه، لكونها تربط بين الانشطة الانتاجية وأنشطة التوزيع كما أن تطورها يجب أن يتم فى اطار سياسة شاملة منسجمة ترمى الى تغطية ملائمة لكل التراب الوطني.
ان الخطوط الرئيسية التي تتمحور حولها أعمال القطاع التجارى، من حيث اقامة هياكل ملائمة للتوزيع، تقوم أساسا على سياسة تجهيز تجاري تحدد فيها على وجه الخصوص، مقاييس انشاء المخازن ونقاط البيع وشروطها، وتضمن اعادة توزيع أنشطة الخدمات ودعمها وتأطيرها لتحسين قدرات تدخل القطاع العمومي في مجال صيانة التجهيزات الصناعية والتجهيزات المنزلية خاصة .
هذا، ويتعين بذل عناية خاصة بانتاج الطاقة وتوزيعها، نظرا لاهمية الحاجات الطاقية التي ما انفكت ترتفع مع تقدم البلاد والنمو الديموغرافي. لذلك يتعين مواصلة تعميم الكهرباء ودعم فاعلية شبكات توزيعها عبر التراب الوطني.
ويعد تحديث قدرات خزن المواد البترولية ووسائل نقلها وتكثيف عدد نقاط بيعها بمثابة الشروط الاساسية لضمان توزيعها المنظم.
ه - البنية الحضرية والتعمير :
ولتوفير اطار حياة يساعد على ازدهار المواطن، ينبغى أن تتماشى البنية الحضرية مع التصميمات الخاصة بتمركز الانشطة الانتاجية التي تجسد سياسة التهيئة العمرانية. وطبقا للاختيارات الجهوية، فانها ستتطور، بصفة أولية، على طول محور الهضاب العليا وعلى السفوح.
ويكون ذلك بتوسيع التجمعات السكنية الموجودة، وهذا ما سيتم السعى لتحقيقه بالدرجة الاولى، في اطار اعادة هيكلة البنية الحضرية الحالية، وتكثيفها بانشاء مراكز جديدة للحياة.
وسيحظى السكن الجماعي، في التجمعات السكنية الكبرى بامتياز خاص بفضل تصميم متكامل تراعى فيه كل المرافق الاجتماعية والثقافية والتجارية الضرورية، من جهة، والشروط الكفيلة بانشاء جو يشجع المبادلات فيما بين السكان، ويفسح لهم مجال اتخاذ المبادرات، ويعزز تضامنهم داخل الاحياء نفسها، من جهة أخرى.
أما في الهضاب العليا وجنوب البلاد، حيث تتوفر أراض ومواد كافية للبناء، فالاولى أن يشجع السكن شبه الجماعي والفردى.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 263 وأما في المناطق الجبلية فينبغي الابقاء على التجمعات السكنية داخل المساحات الصغيرة أو المتوسطة كما يمكن تشجيع البناء الفردي.
وبخصوص البناء الريفي المجمع أو المنتشر فانه سيحظى، في اطار برامج البناء، بعناية خاصة.
ذلك أن نجاح عمليات التنمية الفلاحية يتوقف، الى حد كبير على نموه وتحسينه.
هذا، ويتعين تعزيز التجمعات السكنية المكونة للبنية الحضرية حسب حجمها وموقعها بالمرافق الاجتماعية والثقافية التي تسمح للسكان بالتطلع الى عوامل الرقي والازدهار. وعليه، ينبغي التحكم أكثر في مقاييس البناء مع الاحترام الصارم لقواعد التعمير والهندسة المعمارية وبذل جهد خاص لضمان جمال البناء، حرصا على التقاليد الوطنية والحاجيات الجهوية وأحياء التراث المعماري والهندسي العربي الاسلامي.
ومن ثمة، فان ضرورة تدعيم الادوات الناجعة للتخطيط الحضرى تقتضي من كل المصالح الوطنية منها والمحلية، ممارسة رقابة صارمة لكشف كل خرق للتصاميم والقواعد ومعاقبة مرتكبيه.
7 - وسائل الانجاز :
ينبغى مواصلة تدعيم الجهود المبذولة لتنمية الامكانيات الوطنية للدراسات والانجاز وتحقيق لا مركزيتها، وتوجيهها نحو التكفل بانجاز المنشآت الاساسية والتجهيزات المبرمجة على أن يتماشى توزيع القدرات الوطنية الخاصة بالدراسات والانجاز مع الاختيارات الجهوية للتهيئة العمرانية.
وهكذا ستعكف أساسا مكاتب الدراسات ومؤسسات الانجاز ذات الاختصاص الوطني على تنفيذ الاشغال الكبرى المعقدة، فتصبح عامل نشر وتعميم للتقنيات الجديدة في البناء، لاسيما ما يتعلق منها بترقية استعمال المواد المحلية.
ومن ناحية أخرى ينبغي أن يحظى التأطيس التقنى، وكفاءة العمال، وتنظيم التسيير، ووسائل الدراسات والانجاز، بتحسين متواصل، بغية مضاعفة مردودية انتاجيتها ورفع جودة خدماتها.
8 - البيئة :
ان تنفيذ التنمية السريعة في مجمل قطاعات النشاط، التي تولدت عنها عملية متعددة الجوانب تمس مختلف أنحاء الوطن، تطرح مشكل حماية البيئة ومحاربة الظواهر الضارة، وخاصة منها تلك التي ترافق بروز مراكز حضرية ذات النشاط الصناعي. وبهذا الصدد، على الدولة، في اطار التخطيط الوطني، فرض الاجراءات اللازمة وتنظيم العمليات الكفيلة بالمحافظة على سلامة البيئة وتحقيق الوقاية، والقضاء على كل المظاهي الضارة بصحة المواطنين. وعليه، يتعين على الجماعات المحلية وجميع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد أن تؤدى الدور المشرط بها في تنفيذ سياسة محاربة التلوث وحماية البيئة.
ومن الضرورى ألا يفهم بأن تنفيذ هذه السياسة من صلاحية الدولة وحدها بل ينبغي أن يكون الشغل الشاغل لكل المواطنين. 264 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 * * ان هذه الوثيقة التي هي ثمرة جهود متواصلة قد تناولت بالدرس والتحليل مجموع القضايا المطروحة، بغية تقديم حلول واجتهادات تضمن تحقيق الطموحات الشعبية، اعتمادا على الامكانيات الذاتية. فهي حلقة جديدة فى سلسلة النصوص الاساسية التي وضعتها الثورة، على مدى ثلاثة عقود، وقاعدة نظرية تبنى عليها البلاد توجيهاتها ومشاريعها المستقبلية، وتستعين بها لمواجهة تحديات السنوات القادمة.
لقد استطاعت الجزائر أن تواصل تطورها وتحافظ على وتيرة مشرفة لتنميتها، وتلبى الاحتياجات الاساسية للمواطنين، رغم تفاقم الازمة الاقتصادية الدولية وتأثيراتها السلبية فى بلدان العالم الثالث. وقد تحققت هذه النتيجة بفضل السياسة التي انتهجتها الجزائر، منذ المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني.
واذا كان العالم قد تأكد الآن أن النظام الاقتصادى العالمى القائم أصبح مصدر أزمة دائمة، وعامل فوضى مستمرة، فان بعض الدول الصناعية المتمسكة بالنظام الجائر الراهن، تسعى * الى تحميل بلدان العالم الثالث كل التبعات والاعباء بما يضمن الحفاظ على امتيازاتها.
ولا شك أن تصاعد الاحتياجات الاجتماعية في السنوات المقبلة نتيجة تضافر عامل النمو الديموغرافى مع ارتفاع المستوى الثقافي وتحسن المستوى المعيشى، سوف يطرح مطالب جديدة من شأنها أن تزيد الوضع الاقتصادي تعقدا في الوقت الذى تتقلص فيه الموارد الطاقية.
ومعنى هذا ان نهاية القرن الحالي تحمل معها تحديات من نوع جديد، تتطلب مواجهتها التسلح باليقظة، والاعتماد على النفس، وتعبئة الطاقات الذاتية، وتحسين الانتاجية باستمرار، واعادة الاعتبار للجهد الانساني.
فجميع المواطنين، اطارات ومسؤولين، مجاهدين وجنودا وشبابا، عمالا وفلاحين، "نساء ورجالا، موظفين وطلبة، تجارا وحرفيين، مدعوون الى مضاعفة الجهد، وتوفير أفضل الشروط لتدخل الجزائر القرن القادم بقدم ثابتة، وعزيمة وطيدة وايمان راسخ، وحيوية متجددة. فعزتهم من عزتها، وغناهم من غناها، وسمعتهم كأفراد، مرتبطة بسمعتها كأمة، ومكانتها كدولة، وقيمتها كثورة.
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه تمهيد الاسس التاريخية للمجتمع الجزائري I الدولة النوميدية ......... - 2 المقاومة المسلحة
- ........ -3 الصمود الثقافي والثورة الاجتماعية ............... -4 ظهور الاسلام ......... 5 الدولة الرستمية
- .......... 6 الدولة الزيرية - الحمادية
- .. -7 الموحدون وبناء المغرب العربي .................... 8 الدولة الزيانية
- .. ....... 9 الدولة الجزائرية في العهد - العثماني .............
IO تطور الاطماع الاوروبية - II الاحتلال الفرنسي
- ....... 12 المقاومة الشعبية ودولة - الامير عبد القادر ....... 13 14 - الصمود الثقافي ........ 14 مشروع الاستعمار للقضاء على الشخصية الوطنية ....
15 - المشروع الوطني ....... 16 ثورة أول نوفمبر 1954
- ... 17 المنجزات الاساسية للثورة - المسلحة .. ...
18 - تحديات مرحلة 6 البناء .....
الباب الاول المنطلقات الايديولوجية الفصل الأول الاسلام ومتطلبات - العصر .. .. .. ..
أولا البعد الاسلامي للثورة الجزائرية .. .. .... ...
الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 265 فهرس صفحة صفحة ثانيا - الاسلام والمشروع الثقافي 162 148 ثالثا - تحديات تجب مواجهتها 163
- ... 149 الفصل الثاني - بناء المجتمع 149 الاشتراكي ...... 165 أولا من الثورة الديمقراطية 150 الشعبية الى بناء 150 الاشتراكية 166 .. ... ... .. 151 ثانيا - الاهداف الاساسية لبناء - 151 الاشتراكية 167 ... ... ...
I القضاء على استغلال الانسان - 151 للانسان 167 ... ... .. .. ... 152 2 تغيير العلاقات الاجتماعية. 168 - ثالثا - الاولوية لتلبية الحاجات - 152 الاساسية للجماهير الشعبية 168 153 رابعا تحرير الفرد وترقيته 153 باعتباره مواطنا مسؤولا 168 خامسا - القوى الاجتماعية للثورة 169 - 153 الفصل الثالث - المحاور الكبرى لبناء 154 الاشتراكية .. .... 170 أولا - مهام الثورة الجزائرية في 154 155 المجال الثقافي 171 .. .. .... 156 I اللغة الوطنية 172
- ... .. .. ...
2 - التربية الوطنية 173 ... .. ... 157-3 التكوين العلمي والتكنولوجي 174 158 4 مكافحة الانحرافات والمظاهر السلبية في المجتمع 174 ...... -5 التكوين السياسي 174 .... ....
ثانيا - مهام الثورة في المجال الزراعي 175 .. ... .. 161 ثالثا مهام الثورة في المجال - الصناعي 177 .. .. ...... 162 الفصل الرابع - الدفاع الوطني .... 180 266 الجريدة الرسمية للجمهورية صفحة الفصل الخامس - سياسة الجزائر الخارجية ....... 182 أولا - الاسس والمبادىء 182 .......
ثانيا - الكفاح من أجل نظام دولى جديد والتعاون جنوب جنوب ............... 184 ثالثا الجزائر والوطن بي العربي ... 185 - رابعا الجزائر والمغرب بي العربي .. 186 - خامسا - - الجزائر وافريقيا 187 ... ..
سادسا - سياسة الجزائر في حوض البحر الابيض المتوسط 188 سابما الجزائر ..
ودول آسيا وأمريكا اللاتينية ... 189 ....
ثامنا - علاقات الجزائر بالبلدان - الاشتراكية .. 189 .. .. ..
تاسعا - الجزائر والدول الاعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 189 عاشرا الجزائر ومنظمة الامم المتحدة ............. 190 الباب الثاني المؤسسات الوطنية الفصل الأول - الحزب 191 ..........
أولا دوره القيادي 191 ثانيا .. .. ..
النضال الايديولوجي .. 192 ..
ثالثا - المناضلون 193 .. .. .. ..
رابعا - الاطارات 194 .. .. .. ..
خامسا - المنظمات الجماهيرية ... 195 I المنظمة الوطنية للمجاهدين 196 - 2 الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين .. 196 .......
3 - الاتحاد العام للعمال الجزائريين .. 197 ...... -4 الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات .. ...... 197 الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه صفحة
5 - الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية .. .. ..... 198
6 - التنظيمات العلمية والثقافية والمهنية .. 199 ...
الفصل الثاني - الدولة 199 ........
أولا - مفهوم الدولة.. 199 .. ..
ثانيا - الدولة والبناء الاشتراكى. 199 ثالثا - الدولة والديمقراطية .. 200
- ..
رابعا الدولة والمواطن.. 200 خامسا .. ..
الدولة واللامركزية 201
- .. ..
سادسا - الدولة والقضاء.... 202 سابعا الدولة والمجالس المنتخبة . 202 I - المجلس الشعبي الوطني... 203
2 - المجالس الشعبية الولائية 203 .. -3 المجالس الشعبية البلدية ... 204
4 - مجالس العمال في المؤسسات الاشتراكية .. ...... 204 الفصل الثالث - الرقابة ......... 204 أولا - الرقابة السياسية..... 205 - ثانيا - الرقابة الشعبية ..... 205 - ثالثا - الرقابة الادارية..... 206 - الباب الثالث التنمية الشاملة الفصل الأول - المبادىء العامة لتنظيم الاقتصاد الوطني .. 207 أولا - التخطيط .. 208 .. .. ..
I التخطيط أداة لتنظيم العمل - وتحقيق أهداف الإشتراكية 208 2 يجب أن ينطبق التخطيط على كل مستويات الاقتصاد ويتخذ صيغة ديمقراطية ولا مركزية جلية ويصبح قضية الامة بأكملها ... 209 ..
الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه الجريدة
3 - تكفل التخطيط بنشاطات صفحة - القطاع الوطني الخاص... 209
4 - يجب أن يعتمد التخطيط على الفنيات والمناهج العلمية.. 210 ثانيا - اللامركزية .. 211 ......
ثالثا وسائل تنظيم الاقتصاد - وأساليب التسيير.. 212 .. ..
I أساليب التسيير ..
- .. .. 212 2 النظام المالى.. 214
- .. .. 3 التقشف.. 214
- .. .. .. 4 النظام الجبائي.. 215
- .... 5 الاستقلال المالى.. 215
- .. .. 6 احتكار الدولة للتجارة - الخارجية .. .. ...... 215 . 7 - تجنيد العمال.. 216 .. .. 8 نظام الاسعار 216
- .. .. .. 9 تنظيم الاعمال التجارية 216
- .. 10 النظام التعاقدى
- ...... 217 الفصل الثاني - التنمية الريفية 217 أولا - الاهداف السياسية - والاجتماعية للتنمية الفلاحية.. 217 ... ... ..
ثانيا تحديد تصور شامل - للتنمية الفلاحية 218 ......
ثالثا المحاور الكبرى لسياسة - التنمية الريفية 218 ......
I الاكتفاء الغذائي 218
- .. .. .. 2 الاستخدام الاقصى للتربة - والمحافظة عليها ...... 219 3 تهيئة المناطق السهبية - واستصلاحها .. ..... • 219 4 استصلاح الاراضي في - الجنوب .. 220 .. .. .. 5 الثروة الحيوانية 220 .. .. .. .. 6 تحديث تقنيات الانتاج 221
- ..
7 - تعبئة الموارد المائية 221 .. .. 8 تكوين الرجال 221
- .. .. .. ..
الرسمية للجمهورية الجزائرية 267 صفحة 9 البحث العلمي الاساسي - والتطبيقي 222 .. ...... .. 10 تنظيم وسائل دعم التنمية الريفية 222 .. .. .. ..
II سياسة الاسعار 223 ........
رابعا - الاطار القانوني 223 .. ....
خامسا - التعبئة الواسعة الدائمة - للمبادرات المحلية والهياكل اللامركزية .. 223 ..
سادسا - العلاقة بين الفلاحة - والصناعة.. 224 .. .. ..
الفصل الثالث - التنمية الصناعية 224 أولا - محتوى التنمية الصناعية.. 225 - I التحديات 226
- ........ .. 2 الضغوط 226
- ........ ..
ثانيا - أهداف التنمية الصناعية. 227 - I - تزويد البلاد بصناعة شاملة ومتوازنة 227 .... .. ....
I.I مواصلة تنمية الصناعات الاساسية 227 .... 2.I تمكين صناعة وسائل - التجهيز من تأديسة دور أساسي.. 227 .... .... 3.1 مواصلة اضفاء القيمة - على المواد الاولية والمنتوجات الوسيطة 228 .. 2 تحقيق التكامل والانسجام - بين الصناعة والقطاعات الاقتصادية الاخرى 229 .....
I.2 الصناعة في خدمة - الاقتصاد 229 ...... 2.2 الصناعة في خدمة - الفلاحة 229 .. ...... 3.2 الصناعة والتهيئة العمرانية .. 229 .. .. ...... 268 الجريدة الرسمية للجمهورية صفحة 3 تدعيم صناعة متنوعة وتطويرها ....... 230 -4 ترقية الصناعات التي تضمن بلوغ التقدم التكنولوجي 231 5 ترقية الصناعة الصغيرة - والمتوسطة وتنشيط الصناعات التقليدية.. 23.1 ...
ثالثا مسار التنمية الصناعية 231
- ..
رابعا تعبئة وسائل التحكم في - التكنولوجيا وتطويرها 232 ...
I التحكم في الصيانة ...... 232 2 توفير الشروط الضرورية - لجعل الصناعة، عدا قطاع المحروقات، مصدرا دائما وصالحا للتراكم .. .. 233 .. ....
الفصل الرابع - التنمية الثقافية والاجتماعية ...... 233 أولا - الثقافة الوطنية .. 233 .. ....
I التراث التاريخي ....... 233 - 2 التراث الثقافي 234
- .. .. .. .. 3 العمل الثقافي .. ..... 234
- ..
ثانيا - التربية والتكوين 235 .. .....
I الاهداف 235
- .. .. .. .. .. 2 منظومة التربية والتكوين 235 3 التعليم التحضيري للمدرسة التكوين المسمتر ومحو - الامية 237 .. .... ... ... 4 البحث العلمي 238
- .........
ثالثا الاعلام 239 .. .. .. .. ...
رابعا العمل والتشغيل والاجور 240 - I العمل والتشغيل 240
- ..... ... 2 الاجور 242
- .. .. .. ......
خامسا سياسة الاسرة والنمو - الديموغرافي 243 .. .. ...
سادسا الحماية الاجتماعية 244 .....
الجزائرية الأحد 7 جمادى الثانية عام 1406 ه صفحة سابعا العمل لصالح الشباب 244 ...
ثامنا الجاليات الجزائرية في - الخارج 246 ............
تاسعا الصحة ......... 246
- ...
عاشرا - السكن 247 ........ ...
الحادي عشر - التربية البدنية والرياضة.. 248 ...
الثاني عشر - السياحة والترفيه 249 الثالث عشر – مستوى المعيشة 250 ...
الفصل الخامس - التهيئة العمرانية وتطوير المنشآت القاعدية 252 ...... ..
أولا - الاسس والاهداف 252 .......
ثانيا - اختيارات التنمية الجهوية 254 I الهضاب العليا 254
- .... .. ... 2 جنوب البلاد 255 .. .. .. 3 مناطق الحدود ....... 256
- .. -4 المناطق الجبلية 256 .. ...... 5 السهول الفلاحية والسفوح 257 - 6 الساحل والجرف القاري 257
- .. 7 التجمعات الحضرية الكبرى 258 - ثالثا الاتجاهات الاساسية - لتطبيق سياسة التهيئة العمرانية .......... 258 I المنشآت المائية 259
- .. .. .. .. 2 النشاطات المنتجة 260
- .. .. .. 3 المنشآت الاساسية وأنشطة - النقل 260 ............
4 - المنشآت الاساسية للمواصلات والاعلام 261 .. .. .. ....... 5 التخزين والتوزيع .. 262
- .. .. 6 البنية الحضرية والتعمير 262 7 وسائل الانجاز 263
- .. .. .... 8 البيئة ..... .. 263 ....
شجرة النص
التأشيرات: النصوص التي يستند إليها (3)
- الدستور
- قانون رقم 80-08
- مرسوم رقم 85-304
نص أُعيد تركيبه آليًا من الجريدة الرسمية. لا يُعتدّ إلا بالنسخة المنشورة.