قرارات ، مقررات ، مناشير داخل الجزائر خارج الجزائر 6 اشهر سنة 6 اشهر سنة النسخة الاصلية 14 دج 24 د.ج 20 د.ع 35 د.ج النسخة الاصلية و ترجمتها 24 د.ج 40 درج 30 درج 50 درج كما فيها نفقات الارسال ، أوامر ومراسيم ، إعلانات وبلاغات الادارة والتحرير الكتابة العامة للحكومة الطبع والاشتراكات ادارة المطبعة الرسمية و 9 و 13 شارع عبد القادر بن مبارك - الجزائر لهاتف : 1766-18-15 ح ج ب 50 3200 ثمن النسخة الاصلية : 0.25 د.ج وثمن النسخة الاصلية وترجمتها 0.50 د. ج - ثمن العدد للسنين السابقة ( 1962 1969) : 0.35 د.ج و تسلم الفهارس مجانا للمشتركين المطلوب منهم ارسال لفائف الورق الاخيرة عند تجديد اشتراكاتهم والاعلام بمطالبهم. يؤدى عن تغيير العنوان 0.30 د. ج ثمن النشر على اساس 3 دج للسطر . فهرس خطاب الرئيس هواري بومدين
- رئيس مجلس الثورة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الوزراء بمناسبة جلسة افتتاح مؤتمر القمة الرابع للبلدان غير المنحازة المنعقد بالجزائر من 5 الى 9 سبتمبر سنة 1973 خطاب الرئيس هواري بومدين
- 11 ص رئيس مجلس الثورة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الوزراء في جلسة 9 سبتمبر سنة 1973 الختامية لمؤتمر القمة الرابع للبلدان غير المنحازة المنعقد الجزائر. 1122
1116 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 ه خطاب الرئيس هواري بومدين رئيس مجلس الثورة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الوزراء بمناسبة جلسة افتتاح مؤتمر القمة الرابع للبلدان غير المنحازة المنعقد بالجزائر من 5 الى 9 سبتمبر سنة 1973 أصحاب الجلالة أصحاب الفخامة أصحاب السمو، حضرات السادة بشعور ملؤه الفخر والسرور، تستقبل الجزائر المؤتمر الرابع لرؤساء الدول والحكومات لبلدان عدم الانحياز . ومن حق بلادنا، التي تعد من بين الاعضاء المؤسسين لهذه الحركة، وهي لم تكن قد استرجعت بعد استقلالها ، أن تعتز باختيارها مقراً لهذا المؤتمر واننا لواثقون أن هذا المؤتمر الذي يكتسى أهمية بالغة سيمد حركة عدم الانحياز بدفعة جديدة في النضال المشترك الذي تخوضه شعوبنا لتدعيم استقلالها الوطنى، وتحقيق مطامحها المشروعة، وتعزيز تضامنها من أجل قيام سلام دائم في العالم على أساس العدل والحرية والكرامة للشعوب . فالى جانب ما ينطوى عليه هذا المؤتمر من أبعاد تاريخية خاصة، تضفيها عليه المرحلة الحاسمة من تطور الوضع الدولي، فانه يكتسى أهمية بارزة يصبغها عليه مستوى التمثيل وتزايد عدد المشاركين في أعماله، فهو يعد بعد منظمة الأمم المتحدة، أكبر تجمع دولي في التاريخ وعلى العكس من تلك التوقعات المتشائمة بالنسبة لكيان عدم الانحياز فقد ازدادت قواعده توسعاً، وأبعاده تنوعاً، ومبادؤه وأهدافه وضوحاً وثراء، مبرهنا بذلك كله على أنه ليس كما قيل عنه مجرد نتاج وضعية دولية طارئة وظروف مؤقتة، يفقد معناه ويزول بزوالها، بل هو تعبير عن حقيقة عميقة، تتجاوب مع الاهتمامات الاساسية المشروعة لبلدان تعمل بارادة واحدة على تأكيد وجودها، والتحكم في مقدراتها . وما تكاثر عدد المنضمين الى صفوفه، وانتشار صدى انعقاده على الصعيد الدولى والاهتمام المتزايد في العالم بتتبع أعماله وارتقاب نتائجه الا تأكيد لقوة الفكرة التي يجسدها، والتي تترجم مطامح الجماهير الشعبية الى واقع عملي ملموس. هذا بعض ما يدل على حيوية سياسة عدم الانحياز التي قررت الشعوب والدول المقتنعة بها أن تخرج بفضلها من الاهمال والنسيان في المجال الدولى لتكون لها كلمتها بين الأمم، وتتخلص من وصمة الكمية المهملة التي ألصقتها بها السيطرة الاستعمارية والامبريالية لقرون طويلة، ويريد الاستعمار الجديد وأنانية الكبار الآن أن يجعلاها تستمر بصورة أو أخرى، بعد أن ظننا أن عصر تقاسم مناطق النفوذ قد ولى الى الأبد . وبالرغم من تنوع الأنظمة السياسية في بلداننا، ومن المسافات الشاسعة التي تفصل بينها وبالرغم من الخصوصية الثقافية، وتباين الاهتمامات الوطنية والاقليمية في بعض الأحيان، فقد وجدت هذه البلدان في هذا القاسم المشترك شكلا للتعبير، ووسيلة للعمل، يمنحانها على الدوام صفة طرف في التحكم في مجرى الاحداث التي تشكل العالم، وتوجه مصير الانسان . وهكذا فان حركة عدم الانحياز ليست مجرد ملتقى أو تجمع دولى، بل أصبحت نقطة استقطاب المجموع بلدان العالم الثالث وتلك البلدان الأخرى الساعية الى المحافظة على حريتها، وحماية استقلالها وسيادتها، وضمان تقدمها ونهضتها، و تحصين شخصيتها
الثلاثاء 20 شعبان عام 1303 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 1117 ولقد بات مؤكداً، من خلال تفاعل القرى التي تحكم العالم، أن مساهمة بلدان عدم الانحياز على المسرح العالمي تشكل عاملا رئيسياً للتطور الإيجابي في العلاقات الدولية. ان الأحداث الجارية تنبيء كل يوم بتحولات عميقة يقبل عليها عصرنا الحاضر، وهو ما يتطلب منا التفكير الدائب العميق، ويستدعي تكييفاً متواصلا لنظرتنا الى الاشياء، حتى لا تضيع منها المسؤوليات في غمار المظاهر، ويتبدد نشاطنا في خضم التشتت وبعثرة الجهود، والتهرب من المسؤوليات. ولقد خيم على الحياة الدولية لسنوات عديدة، جو مخيف كان يلوح من خلال سحبه المعتمة شبح صراع نووى مهدد بتدمير العنصر البشري في مجموعه، بيد أن الطريق المسدود الناجم عن جدلية الحرب الباردة، بكل ما صاحبه من تراكم وتفنن هائل في الأسلحة الحديثة، قد أدى الى اختفاء هذا الشبح، وفتح الحوار بين الكبار، والسعى لايجاد الحلول الوسطى . وهكذا نشأت بين القوى العظمى علاقات جديدة للتعاون ، يدعمها توافق المصالح المرتبطة بالمستوى التقني، والعلمي ، والاقتصادي ، الذى بلغته هذه القوى . وفي خط متواز بدأت مراكز أخرى متمتعة بقوة نسبية تظهر على المسرح ، وتتفنن في وضع المعايير والانظمة ، وتأخذ شكل قوة مستقلة قائمة بذاتها . ان هذه المعطيات كلها تساعد على العلاقات الدولية ، وتعززها في ذلك أحداث دبلوماسية ذات أهمية بالغة ، تمثلت في استعادة الصين لحقوقها في منظمة الامم المتحدة ، وفي اللقاءات المختلفة التي تمت على مستوى القمة بين الشرق والغرب ، وفي افتتاح المؤتمر الأوربى للأمن والتعاون . وواضح أن هذا التطور يكتسي طابعا ايجابيا ، حيث يساعد على استتباب السلام ، ولكن ، اذا كان عليه أن يتوقف في منتصف الطريق ، دون أن يتخطى مجال العالم المصنع ، فانه لن يكون بالنسبة الينا الا مظهراً لتطور يصبح مصدراً للتوتر في العلاقات بين هذا العالم المحظوظ وباقي البشرية . وما يزال مشكل السلام ينتظر الحل ، وذلك ان ضمانه داخل حدود العالم المصنع وحده لا يعني بالضرورة أنه السلام في العالم . اذ أن السلام الحقيقي لا يستتب بشكل آلى بفعل تصحيح العلاقات بين الدول الكبرى، كما لا يتفق مع مفهوم توازن العالم الذي يقرر من جانب واحد ، وتحويل مراكز الصراع الى قارات أخرى لتصبح مجالا للمنافسات الاقتصادية والاستراتيجية ، وللبحث مجدداً عن مناطق النفوذ . ذلك أنه بينما يشاد هنا وهناك بالتعايش السلمى والتعاون، تتواصل الحروب الاستعمارية، ويستمر انشاء المراكز العسكرية ، وتحصين القواعد الاستراتيجية ، واجراء مناورات التجزئة ، واستخدام الصراعات المسلحة من خلال الوسطاء وعلى حسابهم ، فضلا عن طرق أخرى عديدة متنوعة من مناورات التدخل السياسي ، والضغط الاقتصادي ، الى الاخضاع العسكري المباشر وهكذ يظل السلام رهن الصراع الشامل بين قوى السيطرة والاستعباد من جهة ، وقوى التحرر والتقدم من جهة أخرى ، ومن هذه المواجهه تتولد الصراعات العنيفة التي تجتاح افريقيا ، وأسيا ، وأمريكا اللاتينية . ولن يتم سلام صحيح كما لن يحدث تطور حقيقى ، مالم تنته فكرة الوصاية على العالم ، ذلك أن السلام انما يتحقق بتضحياتنا السحية ، وبكفاحنا المتواصل ، ووعينا الحاد بضرورة تضامننا الوثيق ، وبالدرجة الأولى ، بالثقة المطلقة في أنفسنا وامكانياتنا واستعمال طاقاتنا الراهنة منها والكامنة . وفيما يتصل باستمرار السيطرة الاستعمارية والعنصرية، وبالذات في الجزء الجنوبي من القارة الافريقية، وفي المستعمرات البرتغالية ، فانه لا يمكن الاعتقاد بأن اتخاذ مواقف رسمية يكفى وحده كأسلوب لمعالجة هذه القضايا ، بل يتعين علينا جميعا أن نعمل لايجاد الوسائل اللازمة على الصعيدين السياسى والمادى ، للتعجيل بتحرير هذه البلدان واستكمال استرجاع جميع الشعوب الافريقية لسيادتها وكرامتها بين الأمم . ان الكفاح الدائر في افريقيا يعنينا جميعا ، وليس بمقدورنا أن نقبل بامتهان كرامة شعوب مازالت تحت وطاة الاستعمار والاضطهاد .
1118 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 ه ومن هنا ، فما دامت شعوب افريقية عديدة تصارع الاستعمار ، وتعاوني أصناف الاضطهاد والتمييز العنصري ، فان افريقيا ستظل تعتبر نفسها مهددة بتدخلات الامبريالية العالمية التي تساند فلول الاستعمار، وترى استقلال بلدانها ناقصا ومعرضاً للزوال . وسوف لن يتغير هذا الوضع الا بمضاعفة الشعوب الأفريقية كفاحها التحريرى المسلح ، وزيادة الدول الافريقية وجميع القوى المناصرة لقضايا التحرير في العالم تدعيمها لهذه الشعوب في كفاحها العادل . على انه لا يغيب عن ذهننا في هذا المجال أن شروط استتباب السلام في العالم الثالث لا تقتصر على القضاء على الاستعمار المباشر والاضطهاد العنصرى . فالتدخل الامبريالى الذى يسير باتجاهات واضحة المعالم ، انما يسعى لايجاد مراكز التوتر ، قصد ضمان السيطرة على مناطق تكتسى أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة ومن هنا نشهد تزايداً في العدوان ، سواء كان مباشرا ، أو بواسطة بلدان أخرى ، وحملات التدخل التي تقوم على اصطناع أوضاع غير مستقرة . و تهدف بالتالى الى ممارسة الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية ، الصارخة منها والمقنعة .. وربما كان أبرز مثل لهذا الوضع الشاذ ، الذي يشكل بالنسبة لنا مصدراً للقلق والانشغال ، والذي يحمل في نفسه أخطارا على استتباب الأمن في المنطقة ، بل وعلى السلام العالمي نفسه هو الموقف السائد في الخليج العربي ، والتهديدات التي تلوح في أفقه معلنة باحتمال تدخل عسكرى وشيك ، هدفه منابع البترول حسب اسلوب امبريالي معروف . على أننا نجيد كل هذه المعطيات للسياسة الامبريالية والاستعمارية مجتمعة بمظاهرها المختلفة في منطقة الشرق الاوسط ، حيث تقوم اسرائل كأداة للعدوان والسيطرة على شعب فلسطين والشعوب العربية الاخرى . وما ممارسة السياسة العنصرية ، وطرد شعب بأكمله من وطنه ، والاعتداءات المتكررة على دول ذات سيادة ، واحتلال الاراضي بالقوة، الا وقائع توضح طبيعة اسرائيل كليان استعماري عسكري ، استيطاني ، دخيل على المنطقة ، ووتد للامبريالية فيها ، ورأس جسر للاستعمار القديم ان المقاومة الفلسطينية تندرج ضمن حركة تحرر الشعوب ، وتقف في مواجهة الامبريالية في منطقة حيوية من العالم الثالث ، وهو ما يجعل تأييد الشعب الفلسطيني ومساندة كفاحه العادل حقا علينا وواجبا ملزما للجميع كما أن مبدأ التضامن مع حركات التحرير ، الذي يقوم عليه عدم الانحياز ، لا يمكن أن يتجزأ أو يختل في التطبيق . وهكذا يبدو القرار الذي اتخذته بعض البلدان الافريقية الشقيقة بقطع علاقاتها مع اسرائيل كتأكيد لوعي عميق يزداد على الدوام دقة ووضوحا ، حيث يأتي تجسيداً عمليا للتضامن الذي ينبغي أن نتمسك به ، باعتباره ينسجم مع مفهوم عدم الانحياز • وبهذا الصدد نود أن نقول أنه مهما كانت تقلبات الزمن ، فان اسرائيل لن تستطيع اطلاقا أن تتغلب ، في نهاية المطاف على مقاومة الشعوب وارادتها ، ولا على عددها ومساحات أراضيها .. اصحاب الجلالة ، اصحاب الفخامة 6 اصحاب السمو ، حضرات السادة ، ان الصراع والتوتر السائدين في آسيا ، وافريقيا ، وأمريكا اللاتينية ، والناجمين عن العدوان الامبريالي ، يمثلان في المرحلة الراهنة أكبر عبء يجثم بثقله على أمن الشعوب وعلى السلام العالمي . وان صمود الشعب الفيتنامي ليشكل عبرة لمن يعتبر ، ويعد في الوقت نفسه انذاراً للقوى الامبريالية ..
الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 1119 فمن خلال مقاومته تأكد أن قوى العدوان لن تستطيع التغلب على شعب مصمم مهما تكن وسائل التدمير والابادة المسلطة عليه وهكذا تتضح المساهمة العظيمة التي قدمتها شعوب فيتنام ، واللاوس ، وكمبوديا ، من خلال المكاسب التي أحرزت عليها ، بأبعاد ازدادت بها التيارات السياسية التي تعبر عنها فكرة عدم الانحياز بلورة وتأكيداً . واذا كانت المخاطر لم تزل كلها بعد ، مما يتطلب يقظة مستمرة ، فان النتائج التي سجلها شعب فيتنام المناضل في مسيرته المظفرة ، والانتصارات التي احرزتها الحكومة الثورية المؤقتة ، معززة بتأكيد حياد اللاووس ، وبقرب انتصار المناضلين الكامبوديين ، كلها نتائج تؤكد حتمية انهيار سياسة القوة في الهند الصينية بأجمعها • و من جهتنا نحن ، فقد عملنا دائما على نصرة أهداف عدم الانحياز في البحر الأبيض المتوسط ، تفاديا من أن تتحول هذه المنطقة الى ميدان تتصارع فيه الكتل ، ومحتشد لقوات عسكرية تعرض أمن الشعوب لاكبر الأخطار . فليس في هذه المنطقة ، ولا في المحيط الهندى مثلا ، أى فراغ ينتظر أن بملأ . ذلك أن شعوبنا رشيدة واعية بمسؤولياتها ، وقادرة على أخذ مصائرها بأيديها ، وضمان مستقبلها بنفسها ولقد حسان الوقت لتحويل البحر الابيض المتوسط الى بحيرة أمن وسلام، والى مبدان تعاون مثمر خصب للتنافس السلمى البناء بين الشعوب ، على أن أمن شعوبنا يتوقف كل التوقف على التحرير الاقتصادي وعلى القضاء نهائيا على الاضطهاد ، والاستغلال ، والاحتكار . وذلك أنه اذا كان القضاء على السيطرة الاستعمارية باسترجاع أغلب الشعوب استقلالها قد أصبح حقيقة تاريخية. فانه لمن الواضح أن هذا الاستقلال سيظل مجرد وهم، طالما لم يقترن بتحرر اقتصادى كامل، وطالما بقى بدون مضمون اجتماعي حقاً لقد تراجع الاستعمار القديم في عدة جهات وجهات، ولكنه في نفس الوقت يمد نفوذه تحت صور أخرى في العالم، ويعمل على تأمين سيطرته على ثروات الشعوب النامية ومواردها ولقد أصبحت بلدان العالم الثالث تعانى أصنافاً من الضغط والقسر، تمارسها دول أجنبية وشركات متعددة الجنسيات، بهدف ابقاء هذه البلدان في دائرة التبعية الاقتصادية وفى حالة من الحضوع تحبط كل محاولة منها لتحقيق تنميتها وتقدمها . وهكذا، لم يعد نهب الموارد الوطنية في بلدان افريقيا وآسيا ، وأمريكا اللاتينية عاملا فاصلا فحسب في التأخر المتراكم في جميع المجالات، ولكنه أيضا لا يزال سبباً دائماً في تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي في هذه البلدان، التي ترى الهوة التي تفصلها عن البلدان المصنعة تزداد عمقاً واتساعاً من سنة إلى أخرى بكيفية دائمة مطردة . وهل من الضرورى التذكير بأن السلب والنهب اللذين واكبا الغزوات الاستعمارية، ولا يزالان يسودان اليوم بضراوة، ولو بصورة ذكية، قد ساهما الى حد كبير في الازدهار الاقتصادى للغرب وفى ثرائه الفاحش على حساب شعوبنا ؟ وتتجسم هذه الحقيقة بصفة واضحة فيما نشاهده اليوم من استفحال الطرق الاستغلالية التي تميز الاستعمار الحديد الذي يزداد جشعه باطراد، وتأخذ ضراوة اطماعه في امتصاص خيرات البلدان النامية والهيمنة عليها افضع الاشكال والصور . ويزداد هذا الوضع خطورة بما تقوم عليه التجارة الدولية من قواعد مححفة وضعت أساساً لخدمة الدول المصنعة. رامية بشروط التبادل التجاري فيما يخص بلدان العالم الثالث الى الهامش، كما لو لم تكن شعوبها الا مجرد أدوات انتاج لصالح العالم المصنع الذى يزداد ثراء وتقدماً، بقدر ما يزداد العالم الثالث فقرا وتخلفاً .
1120 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 ه ان الأزمة النقدية التى تتحمل الدول الغربية وحدها مسؤوليتها، قد ترتبت عنها عواقب وخيمة على الاقتصاد الوطني لبلداننا، كما تترك آثاراً سيئة على جهودنا في مجال التنمية. واننا لنتساءل عن أفضل الواسائل لايقاف عملية التدهور المتزايد التي تهدد مستقبل قاراتنا الثلاث، وتهدد بالتالى الأمن والسلام في العالم . والواقع أن حل هذه المشاكل وغيرها بأيدينا، ذلك أن شعوب العالم الثالث وقادتها هم وحدهم الذين يستطيعون احداث تغيير جذري في الموقف الراهن بالاعتماد قبل كل شيء على طاقاتهم وتجنيد كل امكانياتهم البشرية والمادية، قصد استثمارها لصالح بلدانهم . كما أن ارادة الشعوب تستطيع أن تصحح الوضع، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتقاوم التهديدات الخارجية المتعددة، اذا ما جندت هذه الارادة، ووجهت التوجيه الصحيح، وتركت لها حرية التعبير عن نفسها ويبدو ذلك واضحاً من تعاظم حركة استرداد الثروات الوطنية في بلدان افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، فهى تعبير عن عزم الشعوب على انهاء المعاهدات غير المتساوية، وعلى رفض ضغوط قانون دولي وضع في عهد مضى وانقضى، ويعكس مصالح الدول الامبريالية . ألم يحن الوقت بعد لاعادة النظر في قواعد هذا القانون الدولى على ضوء المعطيات الجديدة لعالم اليوم واحترام الحق الطبيعي للشعوب في استرجاع ثرواتها، والتصرف فيها بدون التعرض لضغوط تفرض عليها تقديم مكافآت لأولئك الذين حرموها من خيراتها، واستغلوا مواردها لصالحهم، وهم الذين كان يجب عليهم أن يقدموا لها تعويضات على ذلك الاستغلال الطويل ؟ ومن هنا يتحتم على البلدان غير المنحازة، وبصفة عامة على البلدان النامية، أن توسع من دائرة التعاون بينها، كما ينبغى عليها أن تنسق مواقفها بتشاور دائم للدفاع عن مصالح العالم الثالث ان التعاون بين بلدان عدم الانحياز يجب أيضاً أن يشمل الميادين العلمية والتقنية والثقافية ويليق بها أن تبحث عن وسائل زيادة التبادل التجارى بينها وتحقيق تعاون وثيق في المجال النقدى والمالى، قصد اسماع صوتها بصورة فعالة، مما يجعلها قادرة على القيام بدورها كاملا في المفاوضات والمحادثات التجارية والنقدية الهامة المزمع اجراؤها .. أما التعاون مع البلدان المصنعة فيمكن أن يكون وسيلة قيمة من وسائل السياسة الانمائية لبلداننا، شريطة أن يقوم على أسس سليمة، وأن يكون متوازنا، وعلى قدم المساواة التامة لتحقيق أهداف في صالح جميع الاطراف .. أصحاب الجلالة أصحاب الفخامة أصحاب السمو، حضرات السادة 6 ليس من المبالغة في شيء اذا قلنا ان تصفية الاستعمار وتحرر الشعوب المضطهدة يمثل حقيقة أحد الأبعاد التاريخية لهذا القرن على أن التحرر الوطني عملية شاملة، تعنى التحرر السياسي والاقتصادي، ولكنها أيضاً وبالذات تحرر ذهني، فمن البديهي أن التحرر الحقيقى من الاستعمار في جميع الميادين يستلزم قبل كل شيء تحرير العقول، والتخلص من العقلية الاستعمارية ورواسبها .. كما أنه الى جانب المجهود النبيل لاحياء التراث الثقافي، يجب على شعوبنا أن تصهر في بوتقة معارفها وحياتها الوطنية عناصر الحياة العصرية ذات الطابع العالمى التي تنسجم مع شخصيتها وأصالتها، وبذلك تتقى التقليد الأعمى في الحاضر، كما تتجنب أخطار الركود والجمود ..
الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 1121 أصحاب الجلالة أصحاب الفخامة أصحاب السمو، حضرات السادة اننا نستطيع من خلال ما ذكرناه أنفاً، أن نحدد مفهوم عدم الانحياز الذي قد يحتاج الى توضيح أدق بمساهمة الجميع ان المهام الملقاة على دول عدم الانحياز تتمثل حسب رأينا في ضمان استقلالها الوطنى، وتحقيق تنميتها لاستكمال هذا الاستقلال وتعزيزه ومناصرة حركات تحرير الشعوب ومصارعة الصهيونية والتمييز العنصري، وسائر اصناف التدخلات الأجنبية من سياسية وعسكرية، وضغوط اقتصادية، وجميع مظاهر الاستغلال والاستعمار الجديد، والامبريالية، وتجنب الأحلاف والتكتلات، وازالة القواعد العسكرية، والعمل على قيام تعاون دولى على أساس المساواة التامة بين الشعوب، وتحقيق الديمقراطية في العلاقات الدولية … ان هذه الديمقراطية فى العلاقات الدولية ينبغى أن تصبح حقيقة واقعة حتى يمكن حل المشكلات الدولية، ومنها التي تهم بلداننا مباشرة، والتي يجب ألا تبقى من اختصاص النوادى المغلقة، حيث يتحدث البعض باسم الجميع وفي نفس السياق وبهذه المناسبة نود أن نقول انه يجب على هيئة الأمم المتحدة أن تأخذ بالاعتبار التغيرات الايجابية التي حدثت في العالم باستعادة كثيرة من بلدان العالم الثالث استقلالها، وأن تراجع بالتالى تنظيم هياكلها وتركيب بنياتها لتحقيق العدالة والديمقراطية فى الهيئة الدولية نفسها . ولتحقيق هذه الأهداف النبيلة، يتعين على حركة دول عدم الانحياز أن تنظم جهودها بمضاعفة التشاور بين أعضائها، وتعزيز تضامنها في المجال الرسمي وعلى مستوى المنظمات الجماهيرية، وباتخاذ مبادرات خلاقة في جميع الميادين لصالح أعضائها ولخير الانسانية . وفي نطاق الوضع الدولى الراهن، واستجابة لرغبة بلدان يزداد عددها يوماً بعد آخر، ومن أجل تحقيق أهداف عدم الانحياز بمنهج وتخطيط يكفلان اختصار الطريق وتوفير الوسائل، نتساءل عن الشكل الذي يمكن أن يتخذه تنظيم جهودنا لتحقيق هذه الأهداف . واننا كلنا ثقة بأن المؤتمر الرابع لرؤساء الدول أو الحكومات لبلدان عدم الانحياز سيأتي بحلول ملائمة للقضايا التي تستوحذ على اهتماماتنا، تلبية لمطامح شعوبنا وتطلعات عصرنا . وأخيرا، اذ أرحب بكم مرة أخرى في الجزائر، وأتمنى لكم فيها مقاماً طيباً، أرجو لمؤتمرنا كامل النجاح والتوفيق .
1132 الجسريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 خطاب الرئيس هواري بومدين رئيس مجلس الثورة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الوزراء في جلسة 9 سبتمبر سنة 1973 الختامية لمؤتمر القمة الرابع للبلدان غير المنحازة المنعقد بالجزائر اصحاب الجلالة والفخامة أصحاب السمو، السادة رؤساء الوفود ها قد حان موعد اختتام أعمال المؤتمر الرابع لدول عدم الانحياز . وانه لواضح للجميع أن هذه الحركة قد تأكدت كعامل حاسم دائم في التوازن العالمي . وما الآمال المعلقة على حركتنا والانضمام المتزايد الى صفوفها، وما ردود الفعل المعادية والتخوفات التي تثيرها هذه الحركة أحيانا، الا دليل ساطع على قوتها المتعاظمة وأهميتها البالغة، وهى تتقدم في مسيرتها وفي نشاطاتها . ولاغرو، فان حركة عدم الانحياز ترتكز على مبادىء الاستقلال الوطنى، واحترام سيادة الشعوب، وحق كل بلد في السلام والأمن، وعلى المساواة المطلقة بين الدول، وسلامة وحدة أراضيها، كما ترتكز على رفض التبعية الناجمة عن الاحلاف العسكرية مع الدول الكبرى، وعلى رفض الاستغلال الاقتصادى بأشكاله المختلفة، وكل ألوان الخضوع والتدخل، وعلى استنكار التمييز العنصري . ولشن نالت حركة عدم الانحياز هذا الصدى، ولقيت هذه الاستجابة، فلأنها تعبير عن مطامح واهتمامات الشعوب التي عانت من ويلات السيطرة الاستعمارية، وعاشت تحت وطأة الاستغلال الامبريالي، وذاقت مرارة الظلم الناشئة عن الهيمنة السياسية والاقتصادية . ومن خلال لقاءات باندونغ، وبلغراد، والقاهرة، ولوساكا، والجزائر، اجتمع شمل بلدان العالم الثالث، وتزايد عددها، وتعزز موقفها، وتعاظم وعيها بوحدة المصير والأهداف . ولقد عرفت الحياة الدولية منذ المؤتمر الثالث بلوساكا، أحداثاً كبرى، يحفظها التاريخ كمعالم رئيسية على أكبر. منعطف في تطور العالم سجل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . والواقع أن شعوب العالم لم تشعر اطلاقاً، منذ لقاء يالطا بأن مصيرها يعنيها مباشرة، مثلما شعرت بذلك غداة اعلان قرارات لقاءات بكين، وموسكو وواشنطن، وهلسنكي ومن هنا كان من حق البلدان عمير المنحازة، التي سارت آراؤها وأعمالها فى اتجاه المهادنة الدولية والتعايش السلمي أن نتساءل عن المكان والدور اللذين ينبغى أن يؤولا اليها فى اطار التعديلات الجارية حاليا في العلاقات الدولية . ولذلك لا تستطيع بلدان العالم الثالث بأى حال أن تظل ، مرة أخرى بعيدة عن دائرة المشاورات التي تجرى في العالم، أو تقبل بعدم المشاركة كطرف أساسى فى اتخاذ القرارات التي تفصل في مصيرها بشكل مباشر أو غير مباشر ولقد كان مؤتمر القمة الرابع لبلدان عدم الانحياز الذي قرر مؤتمر لوساكا انعقاده في الجزائر، لمواصلة تنسيق نشاطنا ومشاوراتنا، ضرورة لا مفر منها، حيث ينعقد اثر اجتماعات القمة في بكين، وموسكو، وواشنطن، وقبيل اجتماع القمة الذي يعقب مفاوضات هلسنكي . انه لا ينبغى أن تتكرر الحالة الشبيهة بالتي كنا عليها في مؤتمر القمة في يالطا عندما سويت النتائج الاساسية للحرب العالمية الثانية فى غيبة منا وبدون مشاركتنا بينما كانت أراضى الكثير من بلداننا تستخدم في هذه الحرب كميادين للقتال، ومواردها تسخر لتدعيم مجهودها الحربي والمقاتلون المجندون من مواطنينا يقومون بدور حاسم في المعارك التي جاءت بالنصر .
الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 1123 وبفضل المؤتمر الرابع لبلدان عدم الانحياز يرتفع صوت بلدان العالم الثالث عالياً. واننا لواثقون اليوم بأنه لا يمكن اتخاذ أي قرار من القرارات الخطيرة التي يجرى اعدادها في العالم، سواء فى ميدان نزع السلاح، أو تنظيم العلاقات التجارية الدولية، أو تجديد هياكل نظام النقد الدولى، أو في ميادين أخرى بدون مشاركة فعلية لبلدان العالم الثالث. ذلك أن تجاهل مصالح هذه البلدان يؤدى الى أن تكون هذه القرارات بلا أثر جدى ودائم ان المؤتمر الرابع لبلدان عدم الانحياز الذي هو تعبير عن مطامح أكثر من نصف البشرية، ليمثل أكبر تجمع في التاريخ لرؤساء الدول والحكومات • ولقد استمعنا لمدة أربعة أيام، طيلة مؤتمرنا الى خطب بليغة اتسمت بالرصانة، والعمق، وبعد النظر، في كل من الجلسات العامة واجتماعات اللجان المختصة، واكتست القرارات التي اتخذناها في اختتام مداولاتنا طابع الجدية والايجابية. وهو ما يبرهن على أن مؤتمر القمة الرابع يمثل عملا سياسياً له أهميته القصوى، ويساهم لمدى بعيد في توجيه سير وتطور العلاقات الدولية . وفي الوقت الذي يهنىء فيه مؤتمرنا نفسه بحلول عهد المهادنة فى العلاقات بين الكتل، بعد أن كان الخلاف الحاد بينها يشكل في العالم مصدراً للقلق والحيرة طيلة عقود، فانه يعلن عن الشروط التي لا يمكن بدونها ضمان السلام والامن اللذين تستعد لهما الدول الكبرى للأجيال القادمة، حتى لا يصبحا محدودين في المدى، ويتجردا بالتالي من كل معنى وهكذا يؤكد المؤتمر أن السلام العالمى لا يمكن أن ينفصل عن تحرير الشعوب المضطهدة، كما يفترض القضاء على حروب الابادة الاستعمارية والاعتداءات والتهديدات التي ما تزال شعوب كثيرة في العالم الثالث ضحيتها، أو معرضة لها على الاقل .. واذ يعلن المؤتمر أن السلام كل لا يتجزأ، يجدد تأييده لشعوب الفيتنام، وكمبوديا، واللاوس، ويطالب بتحرير الأراضي العربية المحتلة، وباستعادة حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ويساند كفاح الشعوب الافريقية من أجل التحرير الوطنى وضد التمييز العنصري . ويؤكد من جديد تأييده لبلدان أمريكا اللاتينية التي تكافح من أجل تحررها الاقتصادي . وقد أعلن المؤتمر عن الموافقة على نزع السلاح بصورة شاملة وكاملة، بما في ذلك حظر التجارب النووية، وصناعة الأسلحة الذرية، والكيماوية والجرثومية، وطالب بالقضاء عليها . ويطالب، علاوة على ذلك بمراجعة هياكل منظمة الأمم المتحدة حتى تتمكن الدول غير المنحازة من المساهمة الفعلية في اتخاذ القرارات، سواء ضمن الأجهزة السياسية التي تتولى حفظ الأمن الدولى، أو ضمن المؤسسات المتخصصة . ان الوثائق والقرارات التي صادق عليها المؤتمر ستمكن على الصعيد الاقتصادي من عرض المبادىء السياسية التي يعتمد عليها عدم الانحياز بصورة ملموسة . ويحدد المؤتمر مكانة وحصة العالم الثالث فى مجال العلاقات الاقتصادية الدولية، وبذلك يلبى مقتضيات الساعة المتزايدة، لاسيما أننا نجتاز مرحلة تحول جذري في هذه العلاقات الدولية، يتميز باجراء المفاوضات المتعلقة بالمبادلات التجارية والمشاكل النقدية، وبتوسيع وتدعيم التعاون الاقتصادى بين الدول الصناعية ونحن نرحب بهذا التعاون الذي نعتبره بمثابة عنصر ايجابي من عناصر المهادنة الدولية والأمن العالمي، والذي يجب أن يتفق وضرورة توزيع المنافع الناتجة عنه بين كافة أعضاء المجتمع الدولى مع مراعاة المصالح الأساسية للدول النامية . وبهذا الصدد، فان التعاون الاقتصادى الدولى لا يمكن أن يزدهر طويلا طالما لم يعتمد على مبدأ السيادة الحقيقية للبلدان النامية، وحقها في التصرف في مواردها الطبيعية، وكذا على المبدأ القاضي بأن تأخذ هذه البلدان بزمام الأجهزة التي تتحكم في اقتصادها وقد صادق مؤتمرنا بقصد الوصول الى تطبيق هذه المبادىء، على خطة عمل تحدد الاهداف والاجراءات التي من شأنها أن تمكن من ايجاد الحلول للمشاكل المشتركة بين هذه البلدان جميعها، والتي لا تتعارض مع احترام مميزات كل بلد .
1124 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 ه ان الأمر يتعلق بالدرجة الأولى، باشراف كل دولة اشرافياً فعلياً على استغلال ثرواتها الطبيعية وعلى تصرفاتها الاقتصادية الداخلية، وهذا يعلى أن لكل دولة الحق في التأميم، وفي تحديد شروط التعويض المحتمل، بحيث لا ينقلب هذا التعويض إلى وسيلة تستعمل ضد التأميم ذاته، وللمراجعة فيه، واحباط جميع آثاره . ويتعين، في نفس الوقت القيام باجراء التغييرات الضرورية بالنسبة للانظمة الاقتصادية الداخلية حتى تتلاءم و مقتضيات التنمية الفعالة العاجلة التي تسمح بالقضاء على التخلف . و بالاضافة الى ذلك، فقد أكد المؤتمر على ضرورة تدعيم التضامن والتعاون بين البلدان غير المنحازة، وذلك بتنسيق الجهود المشتركة من أجل تقوية مركزها في المفاوضات، وفي مواجهة تجمعات البلدان الصناعية، ومن أجل تدعيم قدرتها على مقاومة الاستغلال والضغوط، والاعتداءات الاقتصادية، كما أعلن المؤتمر عن تأييده المطلق لكل أولئك الذين يكافحون من أجل استرجاع مواردهم الوطنية . وأخيراً، يقترح المؤتمر اقامة أجهزة مشتركة بين البلدان المنتجة والمصدرة للمواد الأساسية مثلما حصل بالنسبة للبترول والنحاس كما يقترح عقد مؤتمر حولها بين الدول النامية . ويشجع المؤتمر على حركات التبادل الاقتصادي والعلمي والثقافي والاجتماعي بين البلدان غير المنحازة . ومن جهة أخرى، فقد قرر مؤتمرنا أن يطالب بانعقاد الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة لدراسة قضايا التنمية على ضوء اخفاق « الاستراتيجية الدولية ، التي تحددت في اطار العقد الثاني للتنمية، وهو الاخفاق الذي بات واضحاً للجميع. وقرر، علاوة على ذلك، انشاء صندوق للتنمية والتضامن بين البلدان غير المنحازة . ويقترح المؤتمر، في الاخير، عقد اجتماع مشترك بين ندوة الأمم المتحدة للتنمية والتجارة ومنظمة الأمم المتحدة للتغذية بقصد دراسة الاجراءات التي ينبغي اتخاذها لتجنب عواقب الأزمة الغذائية الدولية التي ترتسم في هذه الآونة، والتي قد تذهب ضحيتها البلدان النامية وحدها . وهكذا يبدو الاعتماد على النفس نتيجة طبيعية لسياسة عدم الانحياز التي تتمثل أساساً في المحافظة على الاستقلال الوطني ضد ضغوط القوى المهيمنة، والأطماع وتجاذب مناطق النفوذ، اذ أن ارساء التنمية على أساس المعونة الخارجية قد يكون ضرباً من الخيال . ذلك أن هذه المعونة - فضلا عن كونها لم تقدم اطلاقاً بدون مقابل – لا يمكن أن تكون ذات فائدة حقيقية طالما لم تكن تكملة للمجهود الداخلى الذى يجب أن يبقى مركز الاعتماد الرئيسي غير أنه اذا كانت بلداننا قد أخذت على نفسها أن لا تعتمد سوى على وسائلها الخاصة، فان ذلك لا يعنى اعفاء البلدان الصناعية، التي تسيطر على أغلب الامكانات المالية والمادية والتقنية المتوفرة في ميدان الاقتصاد العالمي، من الالتزام بتقديم مساهمتها في القضاء على التخلف الذي كانت الى حد كبير، سبباً في وجوده • ويبدو لنا بهذا الصدد، أنه من المناسب أن نعيد الى الأذهان ونؤكد، بخصوص المساعدة الخارجية، أن أصدقاءنا الحقيقيين هم الذين يمتنعون عن أي تدخل في شؤوننا الداخلية، مهما يكن شكل هذا التدخل ، وهم الذين يمدوننا بالعون المادى اللازم للخروج من دائرة التخلف والجهل والفقر، ويساندوننا سياسياً لتدعيم استقلالنا، وينظرون بعين الاعتبار الى تحررنا الثقافي وأخيراً، ان أصدقاءنا هم الذين لا يستعملون هذه المساعدة وذلك التأييد للزج ببلداننا في مدار مناطق التبعية والنفوذ . ان الجزائر البلد الافريقي العربي المسلم، لحريصة على تعزيز أصالة القيم الثقافية والتاريخية التي تقوم عليها شخصيتها ، وفخورة بالانجازات والتغيرات التي حققتها بعزم وثبات في بناء صرح الاشتراكية. فهى تؤكد وجودها كبلاد غير منحازة بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى، وتعلن أنها ستبقى غير منحازة لانها عازمة على صيانة استقلالها، وعلى البقاء بعيدة عن تبعية مناطق الهيمنة، أياً كان نوعها وشكلها . ان بلادنا - ان كان على أن أعيد هذا تربطها بجميع البلدان الاشتراكية علاقات وثيقة، كما لها علاقات مثمرة مع جميع البلدان التي تقبل أن تتعاون معها تعاوناً مفيداً للطرفين، ومجرداً من روح التدخل .
الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 ه الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية 1125 ان الوقت الذي ينعقد فيه مؤتمرنا، وتحليلنا للوضع الدولى على ضوء المباديء التي ينبنى عليها عدم الانحياز، وعزمنا على طرح المشاكل بوضوح، ورفض كل التباس، كل ذلك يجعل سياسة عدم الانحياز تتعرض للتأويلات أو ردود الفعل التي قد تهدف الى تحريف مغزاها الحقيقي لذلك يتعين علينا أن نعلن أن حركة بلدان عدم الانحياز لا تنطوي على أية نية عدوانية ضد أية بلاد، أو ضد أية مجموعة من البلدان . لقد اجتمعنا بناء على مباديء عدم الانحياز لنتدبر ونتمعن سوياً في أفضل طريقة تكفل لنا الدفاع عن حريتنا، وحماية مصالحنا، ولكي نحاول تحديد سبيلنا المشترك الى حل مشاكلنا المشتركة ان بلدان العالم الثالث هي التي تتعرض أكثر من غيرها للأخطار التي تتراءى في الآفاق، كما يبدو ذلك واضحاً من خلال ما استنتجه المؤتمر من تحليله للوضع الدولي السائد اليوم ، وهذه الأخطار لم تحدد لها المهادنة الدولية والتعايش السلمي أي اجراء من شأنه أن يبعدها ويوفر للشعوب التي ينتابها قلق متزايد الشعور بالأمن والثقة، مما يسمح لها بالتفكير في المستقبل، والتفرغ للبناء والتنمية، وهي آمنة مطمئنة . وفي الحقيقة، أنه اذا كان التاريخ المعاصر يبدو بالنسبة لبعض البلدان وكأنه حركة متواصلة نحو التقدم، حتى ولو كانت هذه الحركة لا تخلو من الحوادث المأساوية العرضية الناجمة عن النزاعات الخطيرة التي هزت العالم، وخاصة منها الحربين العالميتين فان هذا التاريخ بالنسبة لبلدان عدم الانحياز التي تمثل أغلبية شعوب العالم الثالث، لا يعدو أن يكون امتداداً متسلسلا لمعركة يتعين خوضها وكسبها، وتهديداً يجب مواجهته وابعاده، ومجهوداً يتحتم بذله باستمرار لاستدراك التخلف المتراكم الفضيع . لقد استطاع العالم الثالث في مرحلة الكفاح من أجل التحرير الوطني الذي يشكل ظاهرة من الظواهر المميزة في القرنين التاسع عشر والعشرين على الأقل، أن يستفيد من المساعدة الموضوعية المترتبة على وجود معسكر البلدان الاشتراكية و تأييد القوى التقدمية الموجودة في العالم. وفى هذا الصدد، فان ثورة أكتوبر والتغييرات التي حدثت في موازين القوى علي الصعيد العالمي، قد ساهمت تاريخياً على خلق ظروف مناسبة لخوض ونجاح معارك التحرير الوطني التي قامت بها البلدان الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية . على أنه يطيب لي في هذا السياق أن أسجل بالنسبة للجزائر بالذات بأن التأييد التلقائي النزيه الفعال الذى حظينا به طوال حرب التحرير ومنذ بدايتها، هو ذلك الذي قدم لنا من قبل شعوب هي اليوم ممثلة هنا في هذه القاعة .. ولكن أمام القوات التي ما تزال تضطهدنا، وتستغلنا، وتعتدى علينا أو تهددنا ما هي القوات التي يمكن أن نأمل في الحصول منها على المساندة الضرورية، بما في ذلك المساندة على المستوى المادى، اذا ما وجدنا أنفسنا ذات يوم عرضة لهجوم القوي الطاغية ؟ ان أضمن طريق للنجاة يكمن في الاعتماد على النفس، وتقديم كل التضحيات لتحقيق النجاح، كما بينت ذلك تجربتنا المشتركة، والتجربة التي عشناها على الخصوص في الجزائر خلال المعارك المختلفة التي خضناها من أجل استرجاع استقلالنا، والحرب التي اضطررنا الى خوضها وكسبها لاستكمال تحرير وطننا . الا أنه عندما يطلق العنان للعنف باللجوء الى استعمال وسائل الدمار الفتاكة، بما فيها تفجير الذرة، فأى طريق يمكن أن تسلكه الشعوب التي لن يبقى أمامها والحالة هذه سوي الخيار بين : الاستسلام للاستعباد أو خوض معركة شاملة قد تؤدي الى ابادة الشعوب والخراب الكامل . وتثير هذه المسألة بالنسبة الى الشعوب التي لا تملك وسائل الدفاع ضد الذرة قلقاً يصحبه الشعور بالعزلة والتوتر الناجم عن ضرورة البقاء فى حالة تعبئة متواصلة وتجنيد دائم. ولن تكون مبالغين اذا أضفنا أنه بحكم الضرورات التي تدفع ببلدان العالم الثالث الى خوض معارك أخرى ضد قوى الامبريالية ورد فعلها العنيف قصد اتمام تحررها السياسي، وتحقيق استقلالها الاقتصادي، وصيانة سيادتها، لا يمكن لهذه البلدان الا أن تأخذ بعين الاعتبار، في تطلعها الى المستقبل العواقب الوخيمة التي قد تتكبدها من جراء تصديها لقوات المستغلين وتجدر الاشارة كذلك الي ان مثل هذه المجابهات ستبقي لامد طويل احدى المميزات المؤلمة للبلدان النامية والبلدان غير المنحازة.
1126 الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الثلاثاء 20 شعبان عام 1393 ه وعلى مستوى آخر، فان الكفاح من اجل القضاء على هياكل الاستغلال التي اقامتها الانظمة الاستعمارية الامبريالية ومن بينها الشركات المتعددة الجنسيات، يؤدى لامحالة الى قيام نزاعات بين البلدان النامية وجماعة المستغلين التي غالبا ما تحظى بمساعدة حكوماتها. وفي هذا المجال أيضا، نجد نوعاً من المجابهة اذا لم ينته الى استعمال العنف والاعتداء المسلح، فان من شأنه ان يؤدى الى حرمان بلد ما من ضروريات الحياة الاساسية. ويبقى السؤال مطروحا هنا كذلك فيما اذا كان يوجد سبل للنجاة يمكن اللجوء اليه عندما تبلغ المقاومة حدها في حالة ما اذا كان تحقيق النصر يتطلب المقاومة الى النهاية وعدم الاستسلام لاى ضغط أو مساومة . كما يشكل هذا النوع من النزاعات حالة مرتبطة في حد ذاتها بكون البلدان متخلفة وخاصة عندما يضاف الى هذه الوضعية اختيار سياسة عدم انحياز حقيقي. وعلى ضوء هذا التحليل الذي يجعلنا ندرك بسهولة أن احتمال نشوب نزاعات فى المستقبل، وخطر قيام صراعات عسكرية واقتصادية يكادان ينحصران في المناطق التي تعيش بها الشعوب غير المنحازة وحدها. ويكمن في طيات المشاكل الكبرى التي يجب أن تواجهها، والتي من اجل حلها قد تمر بمراحل اعوص من التي عرفناها في الماضي، ما يدعونا الى الايمان بمستقبلها، والزيادة من حماسنا والتيقن من تحقيق اهداف كل بلد من بلداننا، وضمان مصير مجموعة البلدان غير المنحازة، وهنا يكمن السبب الرئيسى الذى من اجله يجب ان نزيل عن افكارنا الشك الذي يضعف الارادة وان نبعد عن انفسنا القلق المؤدى الى الفشل .. ذلك ان هذه المشاكل تعنى بحكم طبيعتها ان التحولات الثورية الكبرى التي سيسجلها التاريخ عن مسيرة البشرية نحو التقدم ستقع كلها على وجه التقريب في المنطقة التي تعيش فيها الشعوب النامية الممثلة هنا في هذا المؤتمر. واذا كانت قضية المستقبل تكمن بالنسبة للبعض في الحفاظ على ازدهار يبدو انه قد بلغ الذروة في الترف، وربما في البحث عن توزيع افضل لمنافع هذا الازدهار، واذا كانت القضية كذلك بالنسبة الى البعض الآخر تعنى ان عليه أن يضمن لهذا الازدهار، الذي قام على توزيع اعدل للمنافع الناتجة عنه الاستفادة من المكتسبات المترتبة عن التطور العلمى والتقنى فان المستقبل بالنسبة الى شعوب البلدان غير المنحازة ينفتح على الآفاق الواسعة التي يرسمها الكفاح من اجل تصفية مخلفات الاستعمار والقضاء نهائيا على قواعد الاستغلال الامبريالى لتشييد اقتصاد عصرى، وبناء مجتمع اعدل واحياء ثقافة أصيلة وتطويرها، وضمان ترقية أولئك الذين يتحملون وحدهم اليوم عبء التخلف. وباختصار، على شعوبنا التي يشكل هذا المؤتمر بالنسبة اليها مرحلة جديدة في وعيها بوحدة مصيرها ودعم تضامنها ان تكون المحرك الاساسي للتاريخ في اتجاه مسيرة الانسان نحو الرقي والتقدم. ان عدم الانحياز يمثل ايضا اداة لتمتين تضامننا وتعميقه، ويمدنا بأحسن الوسائل لضمان الفعالية والاستمرار لعملنا الدائب المشترك. واذا ما زودنا عدم الانحياز بهياكل قوية، واعطيناه طابع مؤسسة دائمة، ستكون بأيدينا اجهزة وأداة تنسيق على مستوى ما ننوى القيام به من اعمال واداءه من مسؤوليات. وأخيرا، اود ان اجدد باسمكم جميعا التعبير عن تعلقنا بعدم الانحياز، والتزامنا بمبادئه التى نستلهمها في عملنا والتي أمدتنا اثناء هذا المؤتمر ببواعث ستحفزنا اكثر على العمل، وستصبغ على تضامننا متانة وقوة وستجد شعوبنا فيه حافزا اضافيا على الامل والعمل، وسيزداد بفضله وعيها بوحدة مصيرها. وهو اذ سيعزز قواعده في اطار تعاون أمتن وأعمق بين اعضائه سيستمد طاقة لا تنضب بالاعتماد على المنظمات الشعبية. وفي هذا الصدد أود أن أشيد بالجهود الموفقة التي بذلها الرئيس كاوندا منذ قمة لوساكا، والاجتماع الاعدادي الهام لوزراء الخارجية في جورج طاون، ومختلف المراحل التمهيدية الاخرى . وفي الختام، اود بصفتي ممثلا للجزائر، أن اعبر لكم جميعا عن شكرى الخالص على حضوركم، وأن أؤكد لكم باسم الجزائر كلها أن هذا المؤتمر سيبقى بتواجدكم جميعا، وبنتائجه لبلدان عدم الانحياز ومجموع الانسانية، من اجمل الذكريات في التاريخ الحديث لبلادنا. ومرة أخرى شكراً للجميع . المطبعة الرسمية : 7 و 9 و 11 شارع عبد القادر بن مبارك - الجزائر